محمد فراج: الأطفال بعد الطلاق يعانون في صمت.. والمشرف الاجتماعي هو الحصن الحقيقي داخل المدارس    هل يواصل الدولار صعوده مع اشتعال أسعار الطاقة؟.. محللة أسواق المال تجيب    وسط ضغوط الطاقة والأسمدة.. هل يتعرض العالم لأزمة غذاء؟.. خبير يوضح    بشكل يومي.. تفاصيل توغل إسرائيل في سوريا بآليات عسكرية    انطلاق مباراة زد وفاركو في الدوري    مؤتمر كوكي: أشعر بألم في معدتي كلما اقترب موعد مباراة أرسنال    ضبط 3200 عبوة حلوى فاسدة في طنطا    القبض على عامل بتهمة الاعتداء على شخص في عين شمس    وزير الطاقة الإماراتي لرويترز: قرار الانسحاب من أوبك وتحالف أوبك بلس جاء بعد دراسة متأنية    إسلام الشاطر يهاجم أزمات الأهلي: قرارات إدارية خاطئة وتراجع فني يثير القلق    تأجيل محاكمة 6 متهمين بخلية التجمع الأول لجلسة 12 مايو لمرافعة الدفاع    رئيس جامعة القاهرة يكشف تفاصيل تطبيق نظام الخدمة المجتمعية الإلزامية للطلاب    الثلاثاء.. غرفة السياحة تعقد جمعيتها العمومية العادية لمناقشة الميزانية والحساب الختامي والتقرير السنوي    العثور على رضيع حديث الولادة بجوار كوبري عزبة البرم بالفيوم    أمام 6 آلاف مشاهد.. حفل تاريخي لأصالة في العاصمة الفرنسية باريس    استوديو الباليه الروسى آنا بافلوفا يختتم عامه الدراسى بأوبرا الإسكندرية    مجلس جامعة بني سويف يستهل جلسته بتقديم التهنئة بعيد العمال    وكيل شباب جنوب سيناء يهنئ بطل السباحة البارالمبية بشار محمد لفوزه ببطولة الجمهورية    وزير البترول: تنفيذ مشروع المسح الجوي الجيوفيزيائي للمعادن يونيو المقبل    الحرس الثورى وقوائم الإرهاب البريطانية.. كيف علقت طهران على تحركات لندن؟    وصول قادة دول مجلس التعاون الخليجى لحضور القمة التشاورية فى جدة    وزارة الزراعة تعلن عن تحقيق سبق علمي يرفع إنتاجية القمح في الأراضي شديدة الملوحة    ضبط سائق نقل بالبحيرة استخدم إضاءة خلفية قوية تعرض حياة المواطنين للخطر    التصربح بدفن جثمان عامل قتل على يد آخر بسبب خلافات ماليه فى المنوفية    مايكروسوفت وأوبن إيه آي تعيدان صياغة شراكتهما.. ما الجديد وماذا تغير؟    شهادة ادخار جديدة بالبنوك لمدة 3 سنوات وبأعلى فائدة شهرية.. اعرف التفاصيل    افتتاح المعرض السنوي الفني لطلاب مركز الفنون التشكيلية بجامعة طنطا    هيثم دبور: فيلم مشاكل داخلية 32B يناقش العلاقة الإنسانية بين الأب وابنته    فى ذكرى ميلاده.. نور الشريف أيقونة الدراما المصرية وصائد الجوائز    بدر عبد العاطى يفتتح غرفة حفظ الوثائق المؤمنة بمقر وزارة الخارجية    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    مصطفى عزام يستقبل بعثة منتخب اليابان للناشئين    وزير الصحة يبحث تعزيز التعاون مع مركز السياسات الاقتصادية بالمعهد القومي للتخطيط    طب قصر العينى جامعة القاهرة يُطلق الملتقى العلمى المصرى الفرنسى لأمراض الكبد    قصر ثقافة أبو تيج بأسيوط يحتفي بذكرى تحرير سيناء ويكرم المبدعين    المسلماني: النيل الثقافية تقيم مؤتمر ماسبيرو للموسيقى برئاسة جمال بخيت يونيو القادم    عاجل- السيسي يشدد على دعم مصر لأمن وسيادة دول الخليج والعراق والأردن خلال اتصال مع رئيسة وزراء اليابان    وكيل أوقاف أسيوط يستقبل الشيخ عطية الله رمضان أحد نجوم مسابقة دولة التلاوة    عبور دفعات من شاحنات المساعدات والأفراد من معبر رفح البري    ارتفاع تدريجي في الحرارة وشبورة ورياح حتى الأحد.. الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس خلال الأيام المقبلة    رئيس الهيئة القومية للأنفاق: الخط الرابع للمترو يربط أكتوبر والقاهرة الجديدة وينقل 2 مليون راكب    وزير التعليم العالي يترأس اجتماع مجلس إدارة هيئة دعم وتطوير الجامعات    التأمين الصحي: 577 ألف منتفع بنسبة تغطية 71.3%... وتقديم آلاف الخدمات الطبية بالمحافظة    كرة طائرة - النهائي لن يكون مصريا.. تحديد طريق الأهلي وبتروجت في بطولة إفريقيا    رئيس تضامن النواب تكشف حقيقة وصول مشروع قانون الأحوال الشخصية    6 مستشفيات متخصصة تحصل على الاعتماد الكامل و12 على الاعتماد المبدئي من «GAHAR»    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    الملك تشارلز يلقي اليوم خطابا أمام الكونجرس ويدعو لوحدة الصف    محافظ قنا يعتمد جداول امتحانات نهاية العام 2026 لصفوف النقل والشهادة الإعدادية    صدام أمريكي إيراني بمقر الأمم المتحدة بسبب منع انتشار الأسلحة النووية    الرئيس السيسي: ضرورة ربط المناطق الكثيفة سكانياً بوسائل نقل صديقة للبيئة    أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية    لاعب الزمالك السابق: صراع الدوري مشتعل حتى النهاية.. والحسم في الجولة الأخيرة    أنا بتعلم منك.. ياسر علي ماهر يكشف تفاصيل مكالمة من عادل إمام بعد فيلم «كابتن مصر»    بعد الفوز على الأهلي.. تعرف على فرصة بيراميدز للتتويج بلقب الدوري    البابا تواضروس الثاني يصل النمسا في ثاني محطات جولته الخارجية    أمين الفتوى يكشف حكم إخراج الأضحية من زكاة المال(فيديو)    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جدار ضد الجغرافيا والتاريخ‏!‏
نشر في أخبار مصر يوم 04 - 09 - 2008


الأهرام 4/8/20087
أعتقد أن أي حديث عن السلام القائم علي العدل والمستند إلي مقررات الشرعية الدولية سوف يظل نوعا من اللغو‏,‏ إذا لم يتم حسم مسألة جدار الفصل العنصري الذي ينسف أي أمل في قيام دولة فلسطينية مستقلة‏.‏
وأعتقد أيضا أن حسم هذه المسألة يرتبط في المقام الأول بمدي القدرة علي تعرية وكشف المسميات المضللة لهذا الجدار‏,‏ والتي تستهدف الإيحاء بغير الحقيقة‏,‏ لأنه إذا ارتضينا المسمي الأمريكي له بأنه جدار فاصل فإن ذلك يعني ضمنيا أنه بمثابة خط حدود‏,‏ وأيضا فإن الاستسلام للمسمي الإسرائيلي بأنه جدار أمني يمثل تسليما بصحة ادعاءات إسرائيل بأنها تقيم سورا واقيا لحمايتها من هجمات المقاومة الفلسطينية‏,‏ وأن هذا السور الواقي يجب أن يتم بناؤه خارج حدودها لضمان فعالية إجراءات الحماية‏.‏
ولعل من الضروري أن نشير هنا إلي أن فكرة الجدران والأسوار العازلة ليست وليدة اليوم‏,‏ وإنما هي مكون أساسي من مكونات الثقافة الصهيونية التي تستمد طاقتها من نظرية الأب الروحي للحركة الصهيونية جابوتنسكي التي أطلق عليها اسم نظرية الحائط الحديدي‏,‏ والتي تطورت من حارات الجيتو في الشتات إلي المستوطنات المحاطة بالأسوار والأبراج العالية خلال مراحل إنشاء الدولة العبرية‏,‏ ثم تحولت الآن إلي الصورة النهائية التي تحقق نظرية الحائط الحديدي بإقامة جدار الفصل العنصري‏.‏
وربما يكون ضروريا ومفيدا للتعامل مع هذه القضية التي تمثل أخطر العقبات التي تقف في طريق تحقيق الحلم الفلسطيني باقامة الدولة وبلوغ السلام المنشود الذي يضمن أمن واستقرار المنطقة‏,‏ أن نلقي نظرة كاشفة علي مقدمات ومعطيات هذا الجدار والنتائج الخطيرة التي سوف تترتب عنه في حالة استمرار بنائه والسماح ببقائه‏!‏
بداية يمكن القول إن حكومة شارون السابقه قررت في‏23‏ يونيو‏2002‏ إنشاء جدار عازل بطول الضفة الغربية يفصل بين الأراضي المحتلة في الضفة من جهة وإسرائيل من جهة أخري‏,‏ ويبلغ طول الجدار العازل‏350‏ كم وتقدر تكلفة الكيلو متر الواحد بمليون دولار وقد يصل أحيانا إلي مليوني دولار‏.‏
وهذا الجدار العازل لايلتزم بشكل أساسي بمسار الخط الأخضر خط‏4‏ يونيو‏1967,‏ إنما يرتكز علي الحواجز الطبوغرافية والديموجرافية‏,‏ حيث ينحني وينحرف في الكثير من المناطق لضم مستوطنات يهودية وأراض فلسطينية إلي إسرائيل‏,‏ ويصل ارتفاع الجدار إلي‏8‏ أمتار تعلوه أسلاك شائكة وبه أبراج مراقبة في مواقع عديدة وكذلك أجهزة إنذار مبكر إلكترونية‏.‏
ويتخذ الجدار العازل تشكيلات متنوعة تختلف من منطقة إلي أخري‏,‏ ففي الأماكن التي فيها مناطق تمركز السكان الفلسطينيين والإسرائيليين قريبة من بعضهما يتخذ الجدار العازل شكل جدار مرتفع من الخرسانة المسلحة التي تمنع تسلل الفلسطينيين‏,‏ وكذلك تتصدي لأي إطلاق لأسلحة نارية‏,‏ بينما في مناطق أخري يكون الجدار عبارة عن أسوار إلكترونية شائكة‏,‏ ويتضمن الجدار العازل أنظمة ونقاط تفتيش ومعسكرات للجيش ودوريات للشرطة كما يخلق منطقة عازلة بين الجدار والخط الأخضر وتمتد مساحتها إلي ما بين‏30‏ و‏100‏كم فضلا عن منطقة أمنية أخري تمتد داخل الأراضي الفلسطينية أو ما يعرف بجدار العمق يقع إلي الشرق من الجدار العازل‏.‏
ومن العجيب والغريب أن حكومة شارون قررت بناء هذا الجدار في‏23‏ يونيو‏2002‏ أي قبل‏24‏ ساعة فقط من إعلان الرئيس بوش في‏24‏ يونيو‏2002‏ عن رؤيته لقيام دولتين فلسطينية وإسرائيلية يتعايشان جنبا إلي جنب في سلام ثم اعلان خطة خريطة الطريق التي قيل وقتها أنها تهدف إلي اقامة دولة فلسطينية بحلول عام‏2005...‏ أليست هذه ملاحظة تستحق التأمل بين توقيت اقرار حكومة شارون لبدء بناء الجدار وبين اعلان بوش في اليوم التالي مباشرة لرؤيته عن الدولتين‏...‏
ثم أليس لافتا للنظر أيضا أنه منذ أن شرعت اسرائيل في بناء الجدار تزايدت بشكل ملحوظ أعمال توسيع المستوطنات القائمة وبناء مستوطنات جديدة التهمت الكثير من الأراضي الفلسطينية وهو ما يؤكد أن الاستيطان والجدار العنصري هما جناحا نظرية الحائط الحديدي التي تمثل المرجعية الأساسية للفكر الصهيوني؟
والحقيقة أن فكرة إنشاء سورين عازلين‏,‏ واحد بطول غور الأردن والثاني غرب الضفة ترجع تحديدا إلي خريطة وضعها شارون عام‏1983‏ عندما كان وزيرا للجيش وتهدف إلي ضم هذه الأراضي لإسرائيل‏,‏ وبدأت ملامح الجدار العازل تتبلور بعد حرب الخليج الثانية عام‏1990‏ حين بدأت إسرائيل أولا خطوات الفصل غير المباشر بين سكان الضفة وإسرائيل داخل حدود‏1948‏ بإصدار تصاريح لكل فلسطيني يريد الدخول إلي الخط الأخضر للعمل أو ما شابه ذلك‏!‏
وفي عام‏1993‏ اتخذ اسحق رابين إجراء الإغلاق ردا علي عمليات المقاومة حيث يقضي بإغلاق الضفة الغربية عن فلسطين المحتلة عام‏1948‏ واقترح حينها رابين إنشاء ما يسمي الجدار العازل ولكن الفكرة لم تلق رواجا في ذلك الحين‏,‏ وبدأت فكرة الجدار العازل تأخذ طريقها للتنفيذ الفعلي بعد اندلاع انتفاضة الأقصي عام‏2000.‏

***‏
وهنا يكون السؤال الضروري حول مدي تأثيرات بناء الجدار علي خريطة الضفة الغربية وشكل الدولة الفلسطينية المرتقبة‏!‏
في الحقيقة إن كل تصريحات المسئولين الإسرائيليين تكشف بوضوح عن أن الحكومة الإسرائيلية تبلور رؤية لدولة فلسطينية مقسمة إلي سبعة كانتونات في المدن الفلسطينية الرئيسية كلها مغلقة من قبل الجيش الإسرائيلي ومعزولة عن باقي أراضي الضفة الغربية التي ستصبح تابعة لإسرائيل‏,‏ وبالفعل فإن مشروع الجدار العازل سيقسم الضفة الغربية إلي كانتونات منفصلة عن بعضها البعض وعن باقي أراضي الضفة كما سيؤدي بناء الجدار إلي مصادرة مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية وضمها لإسرائيل حيث يتركز مشروع الجدار العازل علي إقامة حزامين عازلين طوليين‏,‏ حزام في شرق الضفة بطول غور الأردن وحزام آخر غرب الضفة علي طول الخط الأخضر بعمق‏5‏ 10‏ كم‏,‏ وكذلك إقامة أحزمة عرضية بين الحزامين الطوليين وتكون بمثابة ممر بين منطقة جنوب طولكرم ومنطقة نابلس حتي غور الأردن مما يؤدي إلي تقسيم المناطق الفلسطينية إلي‏4‏ كتل رئيسية‏:‏ جنين ونابلس ورام الله وبين بيت لحم والخليل‏.‏
وتهدف هذه الرؤية الإسرائيلية الخبيثة التي يتبناها جنرالات ورموز المؤسسة العسكرية وفي طليعتهم شاؤول موفاز إلي إيجاد فاصل مادي بين كتل المناطق تحت السيطرة الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية وبين المناطق الفلسطينية مع بقاء المستوطنات علي حالها كما يطوق الجدار العازل مدن طولكرم وقلقيلية والقدس بالكامل ويعزلها عن محيطها الطبيعي في الضفة الغربية‏,‏ وبذلك تنجح إسرائيل في عزل مناطق تركز السكان الفلسطينيين عن بعضها البعض وتقيد حرية التنقل والحركة للفلسطينيين ناهيك عن نزوح سكان المناطق المتاخمة للجدار‏!!‏
وبالاضافة إلي تقسيم الضفة إلي كانتونات منفصلة سيؤدي بناء الجدار إلي مصادرة مساحة كبيرة من الأراضي المحتلة تصل إلي‏23%‏ من اجمالي مساحة الضفة الغربية‏,‏ حيث سيتم ضم‏11‏ قرية فلسطينية واقعة بين الجدار العازل والخط الأخضر إلي إسرائيل‏,‏ وإن كان سكانها البالغ عددهم‏26000‏ فلسطيني لم يمنحوا الهوية الإسرائيلية ولكن ستصدر لهم تصاريح خاصة لدخول الضفة الغربية‏,‏ فضلا عن ذلك ستفرض إسرائيل سيطرتها علي‏21‏ قرية فلسطينية أخري وراء الجدار العازل باعتبارها منطقة عسكرية‏,‏ فالمنطقة العازلة المقترحة‏(‏ التي ستمتد في‏140‏ كم‏)‏ سوف تضم‏20‏ قرية فلسطينية منها‏14‏ قرية تصنف في المنطقة‏(‏ ب‏)‏ التي تخضع لسيطرة فلسطينية إسرائيلية مشتركة ويبلغ عدد سكان هذه المنطقة‏40.000‏ فلسطيني يعملون بشكل أساسي في الزراعة وسوف يجد هؤلاء أنفسهم محاصرين ويلزمهم الحصول علي تصاريح إسرائيلية للذهاب لحقولهم وسيكونون مربوطين كليا بجهاز الأمن الإسرائيلي من أجل إدارة حياتهم‏.‏

***‏
وهذا الذي تخطط له إسرائيل منذ سنوات ليس بعيدا عن تجربة طويلة عمرها سنوات تشير إلي أن إسرائيل تستغل قدرتها علي تقييد حركة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من أجل تحقيق أهداف مرفوضة‏,‏ مع الاستناد علي اعتبارات مرفوضة غير موضوعية وليس فقط لاحتياجات أمنية‏,‏ ولم تكتف إسرائيل ببناء الجدار العازل بل شرعت أيضا في إنشاء أسوار إلكترونية مكهربة يبلغ ارتفاعها‏3.5‏ م حول المناطق‏(‏ أ‏)‏ من الضفة الغربية التي تخضع بالكامل للسلطة الفلسطينية‏,‏ كما تخلق مناطق عسكرية عازلة تؤدي لفصل المناطق‏(‏ أ‏)‏ عن بعضها لتخلق علي الأرض‏13‏ جيتو‏(‏ تجمعات إسرائيلية‏)‏ منفصلة‏!‏
وانطلاقا من المخططات الإسرائيلية المعلنة فمن الثابت أن المساحة التي سيقتطعها إنشاء الجدارين العازلين في غرب وشرق الضفة سوف يؤديان إلي تقليل مساحة الضفة الغربية إلي‏45‏ 50%‏ وهي المساحة التي كان شارون قد أعلن قبل دخوله غيبوبه الموت أنه سيسمح باعطائها للفلسطينيين‏.‏
ولاشك في أن من شأن هذه التغيرات التي يرسمها بناء الجدار العازل علي خريطة الضفة الغربية إيجاد واقع جديد علي الأراضي سيؤثر بشكل مباشر علي قضايا الوضع النهائي المتمثلة في الحدود والقدس والمياه والمستوطنات‏.‏
وعلي سبيل المثال فإنه بالنسبة للقدس سيوجد الجدار العازل واقعا جديدا للمدينة إذ تقوم إسرائيل منذ فترة بتنفيذ مشاريع في القدس بهدف تهويدها وعزلها وتحويل أحيائها إلي مناطق سكنية بين مستوطنات كبيرة وبؤر استيطانية‏,‏ فضلا عن مخطط الجدار العازل الذي يطوق القدس ويحيط بها وسيؤدي في حالة اتمامه إلي أن تصبح القدس محاطة بالمستوطنات والمناطق اليهودية من كل جوانبها بحيث يصعب تصورها كعاصمة للدولة الفلسطينية كما سيؤدي هذا الجدار إلي تحقيق نظرية القدس الكبري وخنق تطور القدس الفلسطينية ويمنع امتدادها الطبيعي‏,‏ كما سيؤدي إلي ضم أحياء معاليه أدوميم وجبعات زئيف وجميع المستوطنات الواقعة خارج بلدية القدس‏,‏ كما سيؤدي إلي إخراج قري ومناطق فلسطينية من حدود بلدية القدس‏,‏ وبهذه الطريقة تتخلص إسرائيل من السكان الفلسطينيين في المدينة‏.‏
وبالنسبة لقضية المياه سيكون للجدار العازل تأثير بالغ علي حرمان الفلسطينيين من مصادر المياه حيث أن الأراضي التي تمت مصادرتها من أجل تنفيذ المرحلة الأولي من مشروع الجدار العازل تضم مايزيد علي‏50‏ بئرا من المياه الجوفية وتوفر هذه الآبار‏7‏ ملايين متر مكعب من المياه ولكن بعد انشاء الجدار العازل سيتم حرمان الفلسطينيين منها أو علي الأقل سيكون حصولهم عليها صعبا‏,‏ كما يفصل الجدار العازل ما بين مصادر المياه وشبكات الري من ناحية وبين الأراضي الزراعية من ناحية أخري وقامت الآلات الإسرائيلية في اطار اعداد الأرض لاقامة المشروع بتدمير‏35000‏ متر من أنابيب المياه التي تستخدم للري والزراعة والاستخدامات المنزلية‏.‏
وعلي الرغم من نفي المسئولين الإسرائيليين أن الجدار سيشكل حدودا فعلية لإسرائيل إلا أن التكلفة الهائلة للمشروع وحجمه الضخم يتنافي مع فكرة أنه إجراء مؤقت وسيتم ازالته بعد التوصل إلي تسوية بشأن الحدود في مفاوضات الوضع النهائي‏,‏ كما أن شكل الجدار وما سوف يضمه من مستوطنات داخل اسرائيل وما به من أبراج مراقبة وأجهزة إنذار الكترونية ودوريات للشرطة والأمن ونقاط تفتيش ومعابر ووحدات عسكرية علي طول الجدار يمنحه بالفعل صفة ومظهر الحدود الفعلية‏,‏ والجدار سيضم منطقة مطار قلنديا الذي كان من المفترض أن يسلم للسلطة الفلسطينية بمقتضي اتفاقية أوسلو المبرمة بين الجانبين‏.‏
وفي اعتقاد كثير من المراقبين للشأن الاسرائيلي فإن بناء الجدار العازل يمثل حلا مرضيا لعدد كبير من المستوطنين‏,‏ إذ سيؤدي إلي ضم‏57‏ مستوطنة من مستوطنات الضفة الغربية و‏303‏ آلاف مستوطن إلي إسرائيل بينما علي الجانب الآخر نري أن الثمن الأكبر لهذا الجدار سوف يدفعه السكان الفلسطينيون حيث إنه يمر بأراضي الضفة الغربية‏,‏ مما يعني أنه سيؤثر علي حياة‏210000‏ فلسطيني يسكنون‏67‏ قرية ومدينة بالضفة الغربية‏.‏
وهنا تكفي الاشارة إلي أن‏13‏ تجمعا سكانيا يسكنها‏11.700‏ فلسطيني سيجدون أنفسهم سجناء في المنطقة ما بين الخط الأخضر والجدار العازل ثم أن وجود جدار مزدوج‏,‏ أي جدار آخر يشكل عمقا للجدار العازل الفاصل سيوجد منطقة حزام أمني الأمر الذي سيجعل من‏19‏ تجمعا سكانيا يسكنه‏128500‏ فلسطيني محاصرين في مناطق وبؤر معزولة‏.‏
وسيؤدي إقامة هذا الجدار العازل إلي إعاقة حرية حركة الفلسطينيين وقدرتهم علي الوصول إلي حقولهم أو الانتقال إلي القري والمدن الفلسطينية الأخري لتسويق بضائعهم ومنتجاتهم‏...‏ كما سيؤدي بناء الجدار العازل إلي الفصل بين‏36‏ تجمعا سكانيا شرق الجدار يسكنه‏72200‏ فلسطيني وبين حقولهم وأرضهم الزراعية التي تقع غرب الجدار العازل‏.‏
وفضلا عن كل ذلك فإن إنشاء الجدار العازل سيعيق وصول سكان المناطق الفلسطينية الريفية إلي المستشفيات في مدن طولكرم وقلقيلية والقدس الشرقية لأن هذه المدن ستصبح معزولة عن باقي الضفة كما أن نظام التعليم الفلسطيني سيتأثر أيضا من جراء هذا الجدار العازل الذي سيمنع المدرسين والتلاميذ من الوصول إلي مدارسهم‏,‏ خاصة أن المعلمين يصلون من خارج هذه القري وسيجد حوالي‏14000‏ فلسطيني من‏17‏ تجمعا سكانيا أنفسهم محاصرين بين الجدار العازل والخط الأخضر وحوالي‏20000‏ فلسطيني في الشمال من حوالي‏3175‏ عائلة سيجدون أنفسهم في شرق الجدار بينما أرضهم الزراعية تقع إلي الغرب من هذا الجدار‏.‏

***‏
والخلاصة إن قائمة الأخطار‏,‏ التي تترتب علي استكمال بناء هذا الجدار المخاصم لحركة التاريخ والمتصادم مع ثوابت الجغرافيا‏,‏ قائمة يطول شرحها فضلا عما سوف يتركة الجدار من تأثيرات سلبية وخسائر جسيمة تهدد البيئة الفلسطينية‏.‏
وعلي سبيل المثال فإن هناك‏37%‏ من القري تعتمد علي الزراعة أصبحت من دون مصدر اقتصادي‏,‏ وبذلك تفقد‏50%‏ من الأراضي المروية و‏12‏كم من شبكات الري تم تدميرها بالاضافة إلي تجريف‏5.7%‏ من الأراضي الزراعية المروية تمت مصادرتها قبل جني المزارعين للمحصول والاستفادة منها‏..‏ ولاشك في أن مصادرة الأراضي الزراعية وتجريفها وتقييد حرية حركة المواطنين ستؤدي إلي خسارة‏6500‏ وظيفة‏,‏ وكذلك تدمير صناعة زيت الزيتون بعد أن كانت هذه المنطقة تنتج‏22000‏ طن من زيت الزيتون كل موسم‏,‏ وكذلك سيتأثر إنتاج هذه المنطقة الذي كان يصل إلي‏50‏ طنا من الفاكهة و‏100000‏طن من الخضراوات كما ستمنع حوالي‏10000‏ من الماشية من الوصول إلي المراعي التي تقع غرب الجدار العازل‏.‏
والأهم والأخطر أن الجدار سيؤثر بشدة علي البيئة ومصادر المياه حيث تسيطر إسرائيل علي‏50‏ بئرا من المياه خلف الجدار وبذلك يفقد الأهالي‏7‏ ملايين متر مكعب من المياه التي تشكل‏30%‏ من مجموعة ما يتم استهلاكه فلسطينيا من الحوض الغربي‏,‏ كما ستفقد الضفة الغربية‏200‏ مليون متر مكعب مياه من نهر الأردن إذا تمت اقامة هذا الجدار في الجهة الشرقية وذلك وفق مايسمي بخطة جونستون‏.‏
وليس يخفي علي أحد أن الزراعة تعتبر أهم مصادر الدخل الرئيسية في تلك القري التي ستتأثر بشكل سلبي من اقامة الجدار العازل في المرحلة الأولي‏,‏ علما بأن أراضي هذه القري من أكثر أراضي الضفة الغربية خصوبة‏.‏ فالمساس بقطاع الزراعة قد يؤدي إلي تردي الوضع الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية المحتلة‏,‏ وإلي تدهور حالة العديد من العائلات الفلسطينية ودفعها إلي خط الفقر‏.‏
وعلي الرغم من ادعاءات إسرائيل بأن الدواعي الأمنية باسم محاولة الحد من عمليات العنف ضد إسرائيل هو الدافع الأساسي لبناء الجدار فإن الحقيقة أن إسرائيل لها أهداف ومقاصد أساسية هي‏:‏
العمل علي توفير عمق استراتيجي لنقطة السهل علي البحر المتوسط التي تمثل نقطة ضعف أمنية بالنسبة لإسرائيل‏,‏ نتيجة لتمركز الكثافة السكانية ومعظم المنشآت الحيوية‏,‏ رغم أنه يمثل‏16%‏ فقط من مساحة إسرائيل‏.‏
إن الضفة الغربية تحتوي علي أوفر مخزون مياه جوفية‏,‏ حيث إن أرضها صخرية لاتسمح بتسرب المياه كما أن بعده النسبي عن البحر ساعد علي ارتفاع درجة نقاء المياه التي لا تتأثر بملوحة البحر‏.‏
ضمان تأمين الحدود سواء كانت الحدود الشرقية لمنع التواصل عبر الحدود المشتركة بين الفلسطينيين والأردنيين أو حماية حدود الخط الأخضر الذي تقع داخله المدن الإسرائيلية ذات الكثافة السكانية العالية‏.‏
تحقيق متطلبات المساومة السياسية بمعني مقايضة المستوطنات بقضايا اللاجئين أو الحدود في مفاوضات الوضع النهائي‏.‏

***‏
وإذن ماذا ؟
إن الإصرار علي مواصلة استكمال بناء الجدار العنصري يمثل جريمة تفوق في بشاعتها جريمة الاستيطان‏,‏ وتعكس في الوقت ذاته مدي وحجم استهتار إسرائيل بالمجتمع الدولي وبكل مقررات الشرعية الدولية‏,‏ لأن الأمر أكبر من كونه اعتداء فظيعا وفعلا من أفعال العنصرية الصهيونية والعقلية العنصرية‏,‏ كما قال بذلك الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات‏.‏
إن الخطورة تكمن في أن اقامة الجدار العازل يحول الضفة الغربية إلي كانتونات منفصلة تتطابق مع برنامج شارون القديم لإقامة دولة فلسطينية علي‏42%‏ من الضفة الغربية دون تواصل جغرافي‏...‏ ثم إن الخطورة الأكبر تكمن في الموقف الأمريكي الذي لايري في بناء الجدار ما يشين‏,‏ حيث إن أمريكا تري أنه من حق إسرائيل أن تتخذ القرارات المتعلقة بإجراءات الأمن التي تحتاج لاتخاذها‏.‏
وكما استخدمت إسرائيل في الماضي الحجج العسكرية لإنشاء المستوطنات التي تحولت بمرور الوقت إلي أمر واقع تعمل الحكومة الإسرائيلية الحالية علي استخدام الحجج الأمنية لاستكمال بناء الجدار العازل الذي سيتحول بمرور الوقت لأمر واقع يسهم في ضم المزيد من الأراضي إلي إسرائيل‏.‏
ومن هنا يجب أن تكون نقطة البداية لضمان جدية أية مفاوضات لصنع السلام هي ضرورة وقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية الجانب التي تتخذها إسرائيل في هذا الصدد‏,‏ وليس فقط بحث الترتيبات الأمنية وذلك بالإصرار الفلسطيني حول مائدة التفاوض علي وقف بناء الجدار العازل الذي لم تتطرق له خريطة الطريق والعمل علي تفكيك المستوطنات الجديدة الثابتة ووقف مشروعية توسيع المستوطنات وعدم الاكتفاء باعلان الحكومة الإسرائيلية عن تفكيك بؤر استيطانية صغيرة تضم بعض الكرفانات المتنقلة‏!‏
وعندما أقول بذلك فإنني استشعر ومن خلال اجتهاد في رؤية الواقع أن مشروع الجدار العازل وتكثيف المستوطنات سيعيق قيام الدولة الفلسطينية القابلة للوجود والاستمرار‏...‏ فبين الجدار العازل والمستوطنات اليهودية ترغب إسرائيل في حصار الدولة الفلسطينية الوليدة‏,‏ وبين مطالب إسرائيل الأمنية وماتتخذه علي الأرض من إجراءات تهدد الدولة الفلسطينية ذاتها يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين بين خيارين إما استمرار المقاومة العنيفة دفاعا عن الحقوق الأساسية للفلسطينيين مع عدم وضوح الرؤية بوجود جدوي لهذه المقاومة في المنظور القريب‏,‏ وإما إعلان الهدنة والبدء في التفاوض لإنقاذ الأرض الفلسطينية‏,‏ والواقع أن السبب الحقيقي وراء هذا المأزق الفلسطيني يكمن في غياب الأطر الواضحة التي علي أساسها ستتم تسوية قضايا الوضع النهائي‏,‏ في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل بوتيرة متسارعة الاستيلاء علي المزيد من الأراضي الفلسطينية‏.‏
ومن سوء الحظ أن الرأي العام في إسرائيل أصبحت غالبيته تناصر الفكر اليميني المتطرف المؤيد للاستيطان وبناء الجدار العنصري الفاصل‏,‏ بينما تراجعت قوة التيارات المعتدلة التي تري أن السلام القائم علي قدر من العدل هو الخيار الأفضل لإسرائيل لإنقاذها من دوامة العنف والصراع المستمرة منذ أكثر من نصف قرن‏!‏
وطبقا لتحليلات كبار المعلقين والمحللين السياسيين في إسرائيل حول جذور هذا التحول في المزاج الإسرائيلي نحو التشدد فإنه بعد انهيار المعركة السياسية وعلي ضوء فشل الخيار العسكري أصبح الفصل المادي هو الحل الأخير لضمان وقف العمليات الاستشهادية الفلسطينية التي كانت قد تصاعدت في السنوات الأولي للانتفاضة الفلسطينية الثانية‏.‏
ويلفت النظر أن الاعتراض علي المستوي الشعبي داخل اسرائيل بشأن الجدار والاستيطان قد اقتصر علي عدة مظاهرات نظمها أعضاء حركة السلام الآن وكتلة السلام وبعض منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلي مثل منظمة بتسيليم إلي جانب نشطاء السلام من العرب‏,‏ وحاولت هذه الجماعات نشر الوعي بمخاطر المستوطنات والجدار علي عملية السلام من خلال إعداد منشورات وخرائط ونشرها علي شبكة الانترنت والقيام بمظاهرات متعددة بهذا الفصل غير الحضاري‏.‏
وعلي الرغم من مخالفة الاجراءات الإسرائيلية للقانون الدولي وانتهاكها لقرار الأمم المتحدة إلا أنها علي الأغلب تحظي بقبول المجتمع الإسرائيلي خاصة مع تعمق الاتجاهات اليمينية داخله وان كان هناك بعض نشطاء السلام وجماعات حقوق الانسان تعارض هذه الاجراءات‏.‏
ألم أقل منذ البداية إن الاستيطان والجدار هما الجناحان الأساسيان لنظرية الحائط الحديدي التي اعتمدها جابوتنسكي الأب الروحي للحركة الصهيونية لتكون هذه المرجعية هي البوصلة لمخطط اغتصاب فلسطين من النهر إلي البحر‏!...‏ وهو في اعتقادي اغتصاب يتعارض تماما مع حركة التاريخ ويتصادم كليا مع ثوابت الجغرافيا‏!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.