بدء اجتماع مجلس الوزراء برئاسة «مدبولي»    توزيع أجهزة تعويضية لطلاب الجامعات من ذوي الإعاقة    وزير الصحة يستقبل رئيس جامعة هيروشيما اليابانية لبحث تعزيز التعاون    بنك باركليز: خروج الإمارات من "أوبك" يدعم زيادة الإنتاج مع تأثير محدود على الأسعار    لجنة القوى العاملة بمجلس النواب توافق نهائيا على تعديلات قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات    الرقابة المالية تنظم جلسة توعوية لتعزيز مجال الأمن السيبراني في الأنشطة المالية    الجيش الإسرائيلى يعلن إصابة أحد جنوده جراء انفجار طائرة مسيرة جنوبى لبنان    الحرس الثوري الإيراني يهدد ب"تقنيات ذكية" لضرب السفن الأمريكية في هرمز    وزير الخارجية الإسرائيلي يكشف سبب مهاجمة طهران    وزير الرياضة ومحافظ شمال سيناء يتفقدان عددًا من المشروعات باستاد العريش    فيفا يعتمد "قانون فينيسيوس".. طرد مباشر للاعبين بسبب تغطية الفم أثناء الشجار داخل الملعب    المعاينة: اختلال عجلة القيادة من سائق النقل وراء حادث أتوبيس كرداسة.. صور    فيديو تعاطي المخدرات.. ضبط 3 عاطلين بحوزتهم حشيش في الإسكندرية    حماية المستهلك يضبط مخزنا غير مرخص بالجيزة لتصنيع المراتب مجهولة المصدر    «جريمة تهز المطرية».. نيران الغضب تحرق زوجة شابة    السجن المشدد 15 عاما للمتهم بقتل مواطن حاول منعه من التعدي على والده في الشرقية    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    موعد ميلاد هلال ذو الحجة ووقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    إشادة دولية بعد حصوله على بطولة أفريقيا للمصارعة.. عبد الله حسونة يروى كواليس التتويج    عاجل غارات إسرائيلية مكثفة تتجاوز "الخط الأصفر" إلى شمال الليطاني جنوب لبنان    التحريات فى واقعة سرقة القمح بالشرقية: المتهم استعان بصاحب آلة حصاد وسائق    "الإحصاء": تراجع معدل البطالة إلى 6.3% عام 2025    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. خيري بشارة: كابوريا نقطة تحول بعد أفلام الواقعية    1 مايو.. مصمم الاستعراضات الإسباني إدواردو باييخو يقدم عرضه الشهير «اللغة الأم» على مسرح السامر    أول ظهور للحاكم العسكري في مالي بعد هجمات دامية.. ويؤكد: الوضع تحت السيطرة    كارثة إثيوبية جديدة، شراقي: توربينات سد النهضة توقفت والبحيرة ممتلئة    وزير التعليم العالي يتابع أداء الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية    الدوري المصري، موعد مباراة الجونة وحرس الحدود والقناة الناقلة    الدوري المصري، الاتحاد السكندري ضيفا على المتصدر دجلة في مجموعة الهبوط    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    وزير التخطيط: نتطلع لآفاق أوسع من التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية    مجلس جامعة بني سويف يوافق على تنظيم عدد من الفعاليات والمؤتمرات والندوات بكليات ومعاهد الجامعة    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    حملة "صحتنا حياتنا" بجامعة قناة السويس: طلاب علوم الرياضة يقودون مبادرة توعوية لمواجهة أمراض سوء التغذية    أقل شقة بمليون جنيه …الإسكان الإجتماعى للأغنياء فقط والغلابة خارج حسابات الحكومة    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    رامي علم الدين: خطوات غير مسبوقة لدعم واستثمار المصريين بالخارج    «ترزي حريمي».. شخصية مختلفة ل"شريف منير" في فيلم "ريد فلاج"    قمة أوروبية مشتعلة الآن.. أرسنال في اختبار صعب أمام أتلتيكو مدريد بنصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2026 (بث مباشر + القنوات والتشكيل)    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس اليوم.. احذروا الظواهر الجوية    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    "أبيض من الداخل وغريب الشكل".. علامات تشير إلى معرفة البطيخ المسرطن؟    أوكرانيا تعلن إسقاط أكثر من 33 ألف مسيرة روسية في شهر واحد وتكثف تطوير دفاعاتها الجوية    أسعار اللحوم اليوم الأربعاء 29 أبريل في الأسواق    تحريات لكشف ملابسات تعرض مطرب شاب لاعتداء بالمنيرة الغربية    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    الأهلي وسبورتنج يتأهلان إلى نهائي دوري السوبر لكرة السلة للسيدات    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جدار ضد الجغرافيا والتاريخ‏!‏
نشر في أخبار مصر يوم 04 - 09 - 2008


الأهرام 4/8/20087
أعتقد أن أي حديث عن السلام القائم علي العدل والمستند إلي مقررات الشرعية الدولية سوف يظل نوعا من اللغو‏,‏ إذا لم يتم حسم مسألة جدار الفصل العنصري الذي ينسف أي أمل في قيام دولة فلسطينية مستقلة‏.‏
وأعتقد أيضا أن حسم هذه المسألة يرتبط في المقام الأول بمدي القدرة علي تعرية وكشف المسميات المضللة لهذا الجدار‏,‏ والتي تستهدف الإيحاء بغير الحقيقة‏,‏ لأنه إذا ارتضينا المسمي الأمريكي له بأنه جدار فاصل فإن ذلك يعني ضمنيا أنه بمثابة خط حدود‏,‏ وأيضا فإن الاستسلام للمسمي الإسرائيلي بأنه جدار أمني يمثل تسليما بصحة ادعاءات إسرائيل بأنها تقيم سورا واقيا لحمايتها من هجمات المقاومة الفلسطينية‏,‏ وأن هذا السور الواقي يجب أن يتم بناؤه خارج حدودها لضمان فعالية إجراءات الحماية‏.‏
ولعل من الضروري أن نشير هنا إلي أن فكرة الجدران والأسوار العازلة ليست وليدة اليوم‏,‏ وإنما هي مكون أساسي من مكونات الثقافة الصهيونية التي تستمد طاقتها من نظرية الأب الروحي للحركة الصهيونية جابوتنسكي التي أطلق عليها اسم نظرية الحائط الحديدي‏,‏ والتي تطورت من حارات الجيتو في الشتات إلي المستوطنات المحاطة بالأسوار والأبراج العالية خلال مراحل إنشاء الدولة العبرية‏,‏ ثم تحولت الآن إلي الصورة النهائية التي تحقق نظرية الحائط الحديدي بإقامة جدار الفصل العنصري‏.‏
وربما يكون ضروريا ومفيدا للتعامل مع هذه القضية التي تمثل أخطر العقبات التي تقف في طريق تحقيق الحلم الفلسطيني باقامة الدولة وبلوغ السلام المنشود الذي يضمن أمن واستقرار المنطقة‏,‏ أن نلقي نظرة كاشفة علي مقدمات ومعطيات هذا الجدار والنتائج الخطيرة التي سوف تترتب عنه في حالة استمرار بنائه والسماح ببقائه‏!‏
بداية يمكن القول إن حكومة شارون السابقه قررت في‏23‏ يونيو‏2002‏ إنشاء جدار عازل بطول الضفة الغربية يفصل بين الأراضي المحتلة في الضفة من جهة وإسرائيل من جهة أخري‏,‏ ويبلغ طول الجدار العازل‏350‏ كم وتقدر تكلفة الكيلو متر الواحد بمليون دولار وقد يصل أحيانا إلي مليوني دولار‏.‏
وهذا الجدار العازل لايلتزم بشكل أساسي بمسار الخط الأخضر خط‏4‏ يونيو‏1967,‏ إنما يرتكز علي الحواجز الطبوغرافية والديموجرافية‏,‏ حيث ينحني وينحرف في الكثير من المناطق لضم مستوطنات يهودية وأراض فلسطينية إلي إسرائيل‏,‏ ويصل ارتفاع الجدار إلي‏8‏ أمتار تعلوه أسلاك شائكة وبه أبراج مراقبة في مواقع عديدة وكذلك أجهزة إنذار مبكر إلكترونية‏.‏
ويتخذ الجدار العازل تشكيلات متنوعة تختلف من منطقة إلي أخري‏,‏ ففي الأماكن التي فيها مناطق تمركز السكان الفلسطينيين والإسرائيليين قريبة من بعضهما يتخذ الجدار العازل شكل جدار مرتفع من الخرسانة المسلحة التي تمنع تسلل الفلسطينيين‏,‏ وكذلك تتصدي لأي إطلاق لأسلحة نارية‏,‏ بينما في مناطق أخري يكون الجدار عبارة عن أسوار إلكترونية شائكة‏,‏ ويتضمن الجدار العازل أنظمة ونقاط تفتيش ومعسكرات للجيش ودوريات للشرطة كما يخلق منطقة عازلة بين الجدار والخط الأخضر وتمتد مساحتها إلي ما بين‏30‏ و‏100‏كم فضلا عن منطقة أمنية أخري تمتد داخل الأراضي الفلسطينية أو ما يعرف بجدار العمق يقع إلي الشرق من الجدار العازل‏.‏
ومن العجيب والغريب أن حكومة شارون قررت بناء هذا الجدار في‏23‏ يونيو‏2002‏ أي قبل‏24‏ ساعة فقط من إعلان الرئيس بوش في‏24‏ يونيو‏2002‏ عن رؤيته لقيام دولتين فلسطينية وإسرائيلية يتعايشان جنبا إلي جنب في سلام ثم اعلان خطة خريطة الطريق التي قيل وقتها أنها تهدف إلي اقامة دولة فلسطينية بحلول عام‏2005...‏ أليست هذه ملاحظة تستحق التأمل بين توقيت اقرار حكومة شارون لبدء بناء الجدار وبين اعلان بوش في اليوم التالي مباشرة لرؤيته عن الدولتين‏...‏
ثم أليس لافتا للنظر أيضا أنه منذ أن شرعت اسرائيل في بناء الجدار تزايدت بشكل ملحوظ أعمال توسيع المستوطنات القائمة وبناء مستوطنات جديدة التهمت الكثير من الأراضي الفلسطينية وهو ما يؤكد أن الاستيطان والجدار العنصري هما جناحا نظرية الحائط الحديدي التي تمثل المرجعية الأساسية للفكر الصهيوني؟
والحقيقة أن فكرة إنشاء سورين عازلين‏,‏ واحد بطول غور الأردن والثاني غرب الضفة ترجع تحديدا إلي خريطة وضعها شارون عام‏1983‏ عندما كان وزيرا للجيش وتهدف إلي ضم هذه الأراضي لإسرائيل‏,‏ وبدأت ملامح الجدار العازل تتبلور بعد حرب الخليج الثانية عام‏1990‏ حين بدأت إسرائيل أولا خطوات الفصل غير المباشر بين سكان الضفة وإسرائيل داخل حدود‏1948‏ بإصدار تصاريح لكل فلسطيني يريد الدخول إلي الخط الأخضر للعمل أو ما شابه ذلك‏!‏
وفي عام‏1993‏ اتخذ اسحق رابين إجراء الإغلاق ردا علي عمليات المقاومة حيث يقضي بإغلاق الضفة الغربية عن فلسطين المحتلة عام‏1948‏ واقترح حينها رابين إنشاء ما يسمي الجدار العازل ولكن الفكرة لم تلق رواجا في ذلك الحين‏,‏ وبدأت فكرة الجدار العازل تأخذ طريقها للتنفيذ الفعلي بعد اندلاع انتفاضة الأقصي عام‏2000.‏

***‏
وهنا يكون السؤال الضروري حول مدي تأثيرات بناء الجدار علي خريطة الضفة الغربية وشكل الدولة الفلسطينية المرتقبة‏!‏
في الحقيقة إن كل تصريحات المسئولين الإسرائيليين تكشف بوضوح عن أن الحكومة الإسرائيلية تبلور رؤية لدولة فلسطينية مقسمة إلي سبعة كانتونات في المدن الفلسطينية الرئيسية كلها مغلقة من قبل الجيش الإسرائيلي ومعزولة عن باقي أراضي الضفة الغربية التي ستصبح تابعة لإسرائيل‏,‏ وبالفعل فإن مشروع الجدار العازل سيقسم الضفة الغربية إلي كانتونات منفصلة عن بعضها البعض وعن باقي أراضي الضفة كما سيؤدي بناء الجدار إلي مصادرة مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية وضمها لإسرائيل حيث يتركز مشروع الجدار العازل علي إقامة حزامين عازلين طوليين‏,‏ حزام في شرق الضفة بطول غور الأردن وحزام آخر غرب الضفة علي طول الخط الأخضر بعمق‏5‏ 10‏ كم‏,‏ وكذلك إقامة أحزمة عرضية بين الحزامين الطوليين وتكون بمثابة ممر بين منطقة جنوب طولكرم ومنطقة نابلس حتي غور الأردن مما يؤدي إلي تقسيم المناطق الفلسطينية إلي‏4‏ كتل رئيسية‏:‏ جنين ونابلس ورام الله وبين بيت لحم والخليل‏.‏
وتهدف هذه الرؤية الإسرائيلية الخبيثة التي يتبناها جنرالات ورموز المؤسسة العسكرية وفي طليعتهم شاؤول موفاز إلي إيجاد فاصل مادي بين كتل المناطق تحت السيطرة الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية وبين المناطق الفلسطينية مع بقاء المستوطنات علي حالها كما يطوق الجدار العازل مدن طولكرم وقلقيلية والقدس بالكامل ويعزلها عن محيطها الطبيعي في الضفة الغربية‏,‏ وبذلك تنجح إسرائيل في عزل مناطق تركز السكان الفلسطينيين عن بعضها البعض وتقيد حرية التنقل والحركة للفلسطينيين ناهيك عن نزوح سكان المناطق المتاخمة للجدار‏!!‏
وبالاضافة إلي تقسيم الضفة إلي كانتونات منفصلة سيؤدي بناء الجدار إلي مصادرة مساحة كبيرة من الأراضي المحتلة تصل إلي‏23%‏ من اجمالي مساحة الضفة الغربية‏,‏ حيث سيتم ضم‏11‏ قرية فلسطينية واقعة بين الجدار العازل والخط الأخضر إلي إسرائيل‏,‏ وإن كان سكانها البالغ عددهم‏26000‏ فلسطيني لم يمنحوا الهوية الإسرائيلية ولكن ستصدر لهم تصاريح خاصة لدخول الضفة الغربية‏,‏ فضلا عن ذلك ستفرض إسرائيل سيطرتها علي‏21‏ قرية فلسطينية أخري وراء الجدار العازل باعتبارها منطقة عسكرية‏,‏ فالمنطقة العازلة المقترحة‏(‏ التي ستمتد في‏140‏ كم‏)‏ سوف تضم‏20‏ قرية فلسطينية منها‏14‏ قرية تصنف في المنطقة‏(‏ ب‏)‏ التي تخضع لسيطرة فلسطينية إسرائيلية مشتركة ويبلغ عدد سكان هذه المنطقة‏40.000‏ فلسطيني يعملون بشكل أساسي في الزراعة وسوف يجد هؤلاء أنفسهم محاصرين ويلزمهم الحصول علي تصاريح إسرائيلية للذهاب لحقولهم وسيكونون مربوطين كليا بجهاز الأمن الإسرائيلي من أجل إدارة حياتهم‏.‏

***‏
وهذا الذي تخطط له إسرائيل منذ سنوات ليس بعيدا عن تجربة طويلة عمرها سنوات تشير إلي أن إسرائيل تستغل قدرتها علي تقييد حركة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من أجل تحقيق أهداف مرفوضة‏,‏ مع الاستناد علي اعتبارات مرفوضة غير موضوعية وليس فقط لاحتياجات أمنية‏,‏ ولم تكتف إسرائيل ببناء الجدار العازل بل شرعت أيضا في إنشاء أسوار إلكترونية مكهربة يبلغ ارتفاعها‏3.5‏ م حول المناطق‏(‏ أ‏)‏ من الضفة الغربية التي تخضع بالكامل للسلطة الفلسطينية‏,‏ كما تخلق مناطق عسكرية عازلة تؤدي لفصل المناطق‏(‏ أ‏)‏ عن بعضها لتخلق علي الأرض‏13‏ جيتو‏(‏ تجمعات إسرائيلية‏)‏ منفصلة‏!‏
وانطلاقا من المخططات الإسرائيلية المعلنة فمن الثابت أن المساحة التي سيقتطعها إنشاء الجدارين العازلين في غرب وشرق الضفة سوف يؤديان إلي تقليل مساحة الضفة الغربية إلي‏45‏ 50%‏ وهي المساحة التي كان شارون قد أعلن قبل دخوله غيبوبه الموت أنه سيسمح باعطائها للفلسطينيين‏.‏
ولاشك في أن من شأن هذه التغيرات التي يرسمها بناء الجدار العازل علي خريطة الضفة الغربية إيجاد واقع جديد علي الأراضي سيؤثر بشكل مباشر علي قضايا الوضع النهائي المتمثلة في الحدود والقدس والمياه والمستوطنات‏.‏
وعلي سبيل المثال فإنه بالنسبة للقدس سيوجد الجدار العازل واقعا جديدا للمدينة إذ تقوم إسرائيل منذ فترة بتنفيذ مشاريع في القدس بهدف تهويدها وعزلها وتحويل أحيائها إلي مناطق سكنية بين مستوطنات كبيرة وبؤر استيطانية‏,‏ فضلا عن مخطط الجدار العازل الذي يطوق القدس ويحيط بها وسيؤدي في حالة اتمامه إلي أن تصبح القدس محاطة بالمستوطنات والمناطق اليهودية من كل جوانبها بحيث يصعب تصورها كعاصمة للدولة الفلسطينية كما سيؤدي هذا الجدار إلي تحقيق نظرية القدس الكبري وخنق تطور القدس الفلسطينية ويمنع امتدادها الطبيعي‏,‏ كما سيؤدي إلي ضم أحياء معاليه أدوميم وجبعات زئيف وجميع المستوطنات الواقعة خارج بلدية القدس‏,‏ كما سيؤدي إلي إخراج قري ومناطق فلسطينية من حدود بلدية القدس‏,‏ وبهذه الطريقة تتخلص إسرائيل من السكان الفلسطينيين في المدينة‏.‏
وبالنسبة لقضية المياه سيكون للجدار العازل تأثير بالغ علي حرمان الفلسطينيين من مصادر المياه حيث أن الأراضي التي تمت مصادرتها من أجل تنفيذ المرحلة الأولي من مشروع الجدار العازل تضم مايزيد علي‏50‏ بئرا من المياه الجوفية وتوفر هذه الآبار‏7‏ ملايين متر مكعب من المياه ولكن بعد انشاء الجدار العازل سيتم حرمان الفلسطينيين منها أو علي الأقل سيكون حصولهم عليها صعبا‏,‏ كما يفصل الجدار العازل ما بين مصادر المياه وشبكات الري من ناحية وبين الأراضي الزراعية من ناحية أخري وقامت الآلات الإسرائيلية في اطار اعداد الأرض لاقامة المشروع بتدمير‏35000‏ متر من أنابيب المياه التي تستخدم للري والزراعة والاستخدامات المنزلية‏.‏
وعلي الرغم من نفي المسئولين الإسرائيليين أن الجدار سيشكل حدودا فعلية لإسرائيل إلا أن التكلفة الهائلة للمشروع وحجمه الضخم يتنافي مع فكرة أنه إجراء مؤقت وسيتم ازالته بعد التوصل إلي تسوية بشأن الحدود في مفاوضات الوضع النهائي‏,‏ كما أن شكل الجدار وما سوف يضمه من مستوطنات داخل اسرائيل وما به من أبراج مراقبة وأجهزة إنذار الكترونية ودوريات للشرطة والأمن ونقاط تفتيش ومعابر ووحدات عسكرية علي طول الجدار يمنحه بالفعل صفة ومظهر الحدود الفعلية‏,‏ والجدار سيضم منطقة مطار قلنديا الذي كان من المفترض أن يسلم للسلطة الفلسطينية بمقتضي اتفاقية أوسلو المبرمة بين الجانبين‏.‏
وفي اعتقاد كثير من المراقبين للشأن الاسرائيلي فإن بناء الجدار العازل يمثل حلا مرضيا لعدد كبير من المستوطنين‏,‏ إذ سيؤدي إلي ضم‏57‏ مستوطنة من مستوطنات الضفة الغربية و‏303‏ آلاف مستوطن إلي إسرائيل بينما علي الجانب الآخر نري أن الثمن الأكبر لهذا الجدار سوف يدفعه السكان الفلسطينيون حيث إنه يمر بأراضي الضفة الغربية‏,‏ مما يعني أنه سيؤثر علي حياة‏210000‏ فلسطيني يسكنون‏67‏ قرية ومدينة بالضفة الغربية‏.‏
وهنا تكفي الاشارة إلي أن‏13‏ تجمعا سكانيا يسكنها‏11.700‏ فلسطيني سيجدون أنفسهم سجناء في المنطقة ما بين الخط الأخضر والجدار العازل ثم أن وجود جدار مزدوج‏,‏ أي جدار آخر يشكل عمقا للجدار العازل الفاصل سيوجد منطقة حزام أمني الأمر الذي سيجعل من‏19‏ تجمعا سكانيا يسكنه‏128500‏ فلسطيني محاصرين في مناطق وبؤر معزولة‏.‏
وسيؤدي إقامة هذا الجدار العازل إلي إعاقة حرية حركة الفلسطينيين وقدرتهم علي الوصول إلي حقولهم أو الانتقال إلي القري والمدن الفلسطينية الأخري لتسويق بضائعهم ومنتجاتهم‏...‏ كما سيؤدي بناء الجدار العازل إلي الفصل بين‏36‏ تجمعا سكانيا شرق الجدار يسكنه‏72200‏ فلسطيني وبين حقولهم وأرضهم الزراعية التي تقع غرب الجدار العازل‏.‏
وفضلا عن كل ذلك فإن إنشاء الجدار العازل سيعيق وصول سكان المناطق الفلسطينية الريفية إلي المستشفيات في مدن طولكرم وقلقيلية والقدس الشرقية لأن هذه المدن ستصبح معزولة عن باقي الضفة كما أن نظام التعليم الفلسطيني سيتأثر أيضا من جراء هذا الجدار العازل الذي سيمنع المدرسين والتلاميذ من الوصول إلي مدارسهم‏,‏ خاصة أن المعلمين يصلون من خارج هذه القري وسيجد حوالي‏14000‏ فلسطيني من‏17‏ تجمعا سكانيا أنفسهم محاصرين بين الجدار العازل والخط الأخضر وحوالي‏20000‏ فلسطيني في الشمال من حوالي‏3175‏ عائلة سيجدون أنفسهم في شرق الجدار بينما أرضهم الزراعية تقع إلي الغرب من هذا الجدار‏.‏

***‏
والخلاصة إن قائمة الأخطار‏,‏ التي تترتب علي استكمال بناء هذا الجدار المخاصم لحركة التاريخ والمتصادم مع ثوابت الجغرافيا‏,‏ قائمة يطول شرحها فضلا عما سوف يتركة الجدار من تأثيرات سلبية وخسائر جسيمة تهدد البيئة الفلسطينية‏.‏
وعلي سبيل المثال فإن هناك‏37%‏ من القري تعتمد علي الزراعة أصبحت من دون مصدر اقتصادي‏,‏ وبذلك تفقد‏50%‏ من الأراضي المروية و‏12‏كم من شبكات الري تم تدميرها بالاضافة إلي تجريف‏5.7%‏ من الأراضي الزراعية المروية تمت مصادرتها قبل جني المزارعين للمحصول والاستفادة منها‏..‏ ولاشك في أن مصادرة الأراضي الزراعية وتجريفها وتقييد حرية حركة المواطنين ستؤدي إلي خسارة‏6500‏ وظيفة‏,‏ وكذلك تدمير صناعة زيت الزيتون بعد أن كانت هذه المنطقة تنتج‏22000‏ طن من زيت الزيتون كل موسم‏,‏ وكذلك سيتأثر إنتاج هذه المنطقة الذي كان يصل إلي‏50‏ طنا من الفاكهة و‏100000‏طن من الخضراوات كما ستمنع حوالي‏10000‏ من الماشية من الوصول إلي المراعي التي تقع غرب الجدار العازل‏.‏
والأهم والأخطر أن الجدار سيؤثر بشدة علي البيئة ومصادر المياه حيث تسيطر إسرائيل علي‏50‏ بئرا من المياه خلف الجدار وبذلك يفقد الأهالي‏7‏ ملايين متر مكعب من المياه التي تشكل‏30%‏ من مجموعة ما يتم استهلاكه فلسطينيا من الحوض الغربي‏,‏ كما ستفقد الضفة الغربية‏200‏ مليون متر مكعب مياه من نهر الأردن إذا تمت اقامة هذا الجدار في الجهة الشرقية وذلك وفق مايسمي بخطة جونستون‏.‏
وليس يخفي علي أحد أن الزراعة تعتبر أهم مصادر الدخل الرئيسية في تلك القري التي ستتأثر بشكل سلبي من اقامة الجدار العازل في المرحلة الأولي‏,‏ علما بأن أراضي هذه القري من أكثر أراضي الضفة الغربية خصوبة‏.‏ فالمساس بقطاع الزراعة قد يؤدي إلي تردي الوضع الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية المحتلة‏,‏ وإلي تدهور حالة العديد من العائلات الفلسطينية ودفعها إلي خط الفقر‏.‏
وعلي الرغم من ادعاءات إسرائيل بأن الدواعي الأمنية باسم محاولة الحد من عمليات العنف ضد إسرائيل هو الدافع الأساسي لبناء الجدار فإن الحقيقة أن إسرائيل لها أهداف ومقاصد أساسية هي‏:‏
العمل علي توفير عمق استراتيجي لنقطة السهل علي البحر المتوسط التي تمثل نقطة ضعف أمنية بالنسبة لإسرائيل‏,‏ نتيجة لتمركز الكثافة السكانية ومعظم المنشآت الحيوية‏,‏ رغم أنه يمثل‏16%‏ فقط من مساحة إسرائيل‏.‏
إن الضفة الغربية تحتوي علي أوفر مخزون مياه جوفية‏,‏ حيث إن أرضها صخرية لاتسمح بتسرب المياه كما أن بعده النسبي عن البحر ساعد علي ارتفاع درجة نقاء المياه التي لا تتأثر بملوحة البحر‏.‏
ضمان تأمين الحدود سواء كانت الحدود الشرقية لمنع التواصل عبر الحدود المشتركة بين الفلسطينيين والأردنيين أو حماية حدود الخط الأخضر الذي تقع داخله المدن الإسرائيلية ذات الكثافة السكانية العالية‏.‏
تحقيق متطلبات المساومة السياسية بمعني مقايضة المستوطنات بقضايا اللاجئين أو الحدود في مفاوضات الوضع النهائي‏.‏

***‏
وإذن ماذا ؟
إن الإصرار علي مواصلة استكمال بناء الجدار العنصري يمثل جريمة تفوق في بشاعتها جريمة الاستيطان‏,‏ وتعكس في الوقت ذاته مدي وحجم استهتار إسرائيل بالمجتمع الدولي وبكل مقررات الشرعية الدولية‏,‏ لأن الأمر أكبر من كونه اعتداء فظيعا وفعلا من أفعال العنصرية الصهيونية والعقلية العنصرية‏,‏ كما قال بذلك الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات‏.‏
إن الخطورة تكمن في أن اقامة الجدار العازل يحول الضفة الغربية إلي كانتونات منفصلة تتطابق مع برنامج شارون القديم لإقامة دولة فلسطينية علي‏42%‏ من الضفة الغربية دون تواصل جغرافي‏...‏ ثم إن الخطورة الأكبر تكمن في الموقف الأمريكي الذي لايري في بناء الجدار ما يشين‏,‏ حيث إن أمريكا تري أنه من حق إسرائيل أن تتخذ القرارات المتعلقة بإجراءات الأمن التي تحتاج لاتخاذها‏.‏
وكما استخدمت إسرائيل في الماضي الحجج العسكرية لإنشاء المستوطنات التي تحولت بمرور الوقت إلي أمر واقع تعمل الحكومة الإسرائيلية الحالية علي استخدام الحجج الأمنية لاستكمال بناء الجدار العازل الذي سيتحول بمرور الوقت لأمر واقع يسهم في ضم المزيد من الأراضي إلي إسرائيل‏.‏
ومن هنا يجب أن تكون نقطة البداية لضمان جدية أية مفاوضات لصنع السلام هي ضرورة وقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية الجانب التي تتخذها إسرائيل في هذا الصدد‏,‏ وليس فقط بحث الترتيبات الأمنية وذلك بالإصرار الفلسطيني حول مائدة التفاوض علي وقف بناء الجدار العازل الذي لم تتطرق له خريطة الطريق والعمل علي تفكيك المستوطنات الجديدة الثابتة ووقف مشروعية توسيع المستوطنات وعدم الاكتفاء باعلان الحكومة الإسرائيلية عن تفكيك بؤر استيطانية صغيرة تضم بعض الكرفانات المتنقلة‏!‏
وعندما أقول بذلك فإنني استشعر ومن خلال اجتهاد في رؤية الواقع أن مشروع الجدار العازل وتكثيف المستوطنات سيعيق قيام الدولة الفلسطينية القابلة للوجود والاستمرار‏...‏ فبين الجدار العازل والمستوطنات اليهودية ترغب إسرائيل في حصار الدولة الفلسطينية الوليدة‏,‏ وبين مطالب إسرائيل الأمنية وماتتخذه علي الأرض من إجراءات تهدد الدولة الفلسطينية ذاتها يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين بين خيارين إما استمرار المقاومة العنيفة دفاعا عن الحقوق الأساسية للفلسطينيين مع عدم وضوح الرؤية بوجود جدوي لهذه المقاومة في المنظور القريب‏,‏ وإما إعلان الهدنة والبدء في التفاوض لإنقاذ الأرض الفلسطينية‏,‏ والواقع أن السبب الحقيقي وراء هذا المأزق الفلسطيني يكمن في غياب الأطر الواضحة التي علي أساسها ستتم تسوية قضايا الوضع النهائي‏,‏ في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل بوتيرة متسارعة الاستيلاء علي المزيد من الأراضي الفلسطينية‏.‏
ومن سوء الحظ أن الرأي العام في إسرائيل أصبحت غالبيته تناصر الفكر اليميني المتطرف المؤيد للاستيطان وبناء الجدار العنصري الفاصل‏,‏ بينما تراجعت قوة التيارات المعتدلة التي تري أن السلام القائم علي قدر من العدل هو الخيار الأفضل لإسرائيل لإنقاذها من دوامة العنف والصراع المستمرة منذ أكثر من نصف قرن‏!‏
وطبقا لتحليلات كبار المعلقين والمحللين السياسيين في إسرائيل حول جذور هذا التحول في المزاج الإسرائيلي نحو التشدد فإنه بعد انهيار المعركة السياسية وعلي ضوء فشل الخيار العسكري أصبح الفصل المادي هو الحل الأخير لضمان وقف العمليات الاستشهادية الفلسطينية التي كانت قد تصاعدت في السنوات الأولي للانتفاضة الفلسطينية الثانية‏.‏
ويلفت النظر أن الاعتراض علي المستوي الشعبي داخل اسرائيل بشأن الجدار والاستيطان قد اقتصر علي عدة مظاهرات نظمها أعضاء حركة السلام الآن وكتلة السلام وبعض منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلي مثل منظمة بتسيليم إلي جانب نشطاء السلام من العرب‏,‏ وحاولت هذه الجماعات نشر الوعي بمخاطر المستوطنات والجدار علي عملية السلام من خلال إعداد منشورات وخرائط ونشرها علي شبكة الانترنت والقيام بمظاهرات متعددة بهذا الفصل غير الحضاري‏.‏
وعلي الرغم من مخالفة الاجراءات الإسرائيلية للقانون الدولي وانتهاكها لقرار الأمم المتحدة إلا أنها علي الأغلب تحظي بقبول المجتمع الإسرائيلي خاصة مع تعمق الاتجاهات اليمينية داخله وان كان هناك بعض نشطاء السلام وجماعات حقوق الانسان تعارض هذه الاجراءات‏.‏
ألم أقل منذ البداية إن الاستيطان والجدار هما الجناحان الأساسيان لنظرية الحائط الحديدي التي اعتمدها جابوتنسكي الأب الروحي للحركة الصهيونية لتكون هذه المرجعية هي البوصلة لمخطط اغتصاب فلسطين من النهر إلي البحر‏!...‏ وهو في اعتقادي اغتصاب يتعارض تماما مع حركة التاريخ ويتصادم كليا مع ثوابت الجغرافيا‏!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.