محمد عبد الحافظ ناصف قرأتُ مؤخرًا كتاب «أيامى فى المدينة الجامعية» للدكتورة ثناء محمود قاسم،الأستاذة بكلية دار العلوم جامعة الفيوم، قسم البلاغة والنقد الأدبى ولقد صدر للكاتبة العديد من الأعمال الإبداعية والدراسات النقدية؛ من أعمالها القصصية: «الفارس الذى لا يأتى»، و«يرميهم بعصا موسى» ومن الدراسات النقدية: «الظلال الفلسفية فى رواية اللحن المكسور لنشأت المصرى»، و«العزف على أوتار الوجع - قراءة فى قصة صعود إلى أسفل الدرج لمرفت البربرى» ومن أبحاثها العلمية: «خان الخليلى: رؤية مغايرة فى ضوء النقد الأدبى الحديث»، و«الشحاذ: النموذج الغربى دراسة فى ضوء علم النفس الحديث»، و«أثر التاريخ فى أدب حسين مؤنس» وغيرها من الأبحاث، وقد صدر كتابها الجديد «أيامى فى المدينة الجامعية»عن دار حابى للنشر والتوزيع، وهى واحدة من دور النشر الصاعدة بقوة فى المشهد الثقافى المصرى. يتناول الكتاب سيرة ذاتية لطالبة جامعية، هى نفسها مؤلفة الكتاب د.ثناء محمود قاسم. من خلال قراءة تلك السيرة نكتشف حياة الطالبات الجامعيات فى واحدة من أكبر المدن الجامعية وهى مدينة جامعة القاهرة، حيث يأتى إليها الكثير من الطالبات والطلاب من كل أنحاء الجمهورية نظرًا لوجود عدد من الكليات النوعية التى لم يكن لها نظائر فى الأقاليم وقتها مثل كلية دار العلوم، وكلية الآثار، وكلية الإعلام، وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية؛ فقد كانت الطالبات المغتربات تسكن المدينة الجامعة فى القاهرة تسهيلًا وتيسيرًا عليهن، لذا أعتبر تلك السيرة جزءًا مهمًا من تاريخ الجامعة المصرية، وبخاصة جامعة القاهرة التى كانت تختص ببعض الكليات النوعية المهمة المتخصصة فى بعض العلوم الإنسانية. وسيرة «أيامى فى المدينة الجامعية» تنتمى إلى السيرة الذاتية الخاصة بالكاتبة ثناء محمود قاسم وليست السيرة الغيرية أو التراجم الخاصة بشخصيات أخري؛ لذا تعتمد تلك السيرة على ضمير الأنا المتكلم والراوى العليم فى السرد لتعبر عن نفسها أو عن البنات الأخريات أو الشخصيات الأخرى الموجودة فى السيرة بأسلوب سردى سلس وشيق وملآن بطاقات لغوية وبلاغية نقلت حال السيرة - فى مواضع - إلى مقام الرواية والقصة القصيرة التى نشرت بعضها الكاتبة. وقد عبرت السيرة عن عدد من الشخصيات التى قابلتهن فى رحلتها ومنها الجيد ومنها الردئ، ومنهن المريحة ومنهن المزعجة، التى سببت للشخصية المحورية البطلة/الكاتبة الكثير من المضايقات التى أفسدت عليها الحياة؛ مثل الشخصية البحيرية التى جعلتها تكره الحياه معها، على عكس شخصيات وبنات أخريات من السويس ودمياط والمنصورة والإسكندرية. وقد أجادت الكاتبة رسم تفاصيل بعض الشخصيات/البنات مما يسهل تخيلهن. كما أشارت إلى بعض الشخصيات المنحرفة التى أخذتها الغربة بقسوتها إلى مزالقها، مثل: شخصية (صفاء) التى تحولت إلى (صافى) بعد فترة قصيرة من الخروج إلى الحياة، دون أية (ميكانزمات) دفاع وتربية تمكنها من مواجهة تلك المغريات الزائفة التى مكنت بطلة سيرتنا من مواجهة بعض الزيف وبعض الخلل الموجود فى المجتمع المصرى وقتها. فلكل زمن خلله ومشاكله التى تختلف عن زمن آخر نظرًا لمعطيات كل زمن، كما أعطت نموذجًا آخر للطالبة المجدة المجتهدة التى لم تنزلق لكنها استطاعت أن تتزوج شخصية صحفية كبيرة ولم تكتشفْ ذلك إلا بعد وفاة تلك الشخصية الكبيرة. وقد تناولت السيرة بعضًا من مشاكل المكان وبعضًا من تفاصيله التى تميزه عن غيره من مدن جامعية أخرى، وكانت تتشارك جميعًا فى كثير من مشاكل البنات، وركزت على بعض الأحداث التى ميزت المكان سلبًا أو إيجابًا؛ منها قصة الشبح الذى كان له حكايات كثيرة عند البنات بصرف النظر عن كونه واقعًا أم خيالًا. والغريب أن هذا الشبح سيكون موجودًا فى كل المدن الجامعية، والأماكن التى يتم سكنها لفترات ثم تهجر لفترات أخرى. وأرى أن الشبح هنا هو الخوف الساكن فى عقل ووجدان بعض الطالبات. والخوف هنا قد يكون من عدة أشياء؛ داخلية من المدينة وخارجية من الواقع المحيط. وأرى أن هذا الشبح هو المعادل الموضوعى الذى أشار إليه ت.س.إليوت، ويعادل الشبح هنا الخوف أو القلق الذى يوتر البنات، ولاسيما المغتربات، فى مدن حملت طابع القسوة والتحايل أحيانًا؛ نظرًا لتنوع الوافدين إليها من كل حدب وصوب. وأرى أن تيمة الاغتراب هى التيمة الأساسية التى ركزت عليها الكاتبة، وأكدت عليها بصرف النظر عن الزمان والمكان، مهما تمر السنون وتتوالى الأزمان والأجيال وتتبدل الأحوال، فلا تزال المدينة الجامعية فى كل مكان وزمان وفى كل أرض على حالها، بشبحها ومشاكلها التى ستختلف بالطبع عن مشاكل أجيال أخرى. ولقد لخصت الكاتبة د.ثناء قاسم ذلك فى ص 131 حين قالت: « فى كل عام بنات تغترب وبنات تعود، بنات تترك أهلها فى المدينة الصغيرة الهادئة لترتمى فى حبائل وحشة الاغتراب وحشية المدينة الكبرى، تعود الواحدة منهن إلى أهلها إما بأحلام تحققت أو آمال تحطمت... ففى الغربة فرصة واسعة للضياع أو إثبات الذات، فرصة للتحرر من التقاليد والأعراف، فرصة للانحراف السلوكى والأخلاقى عند البعض، وفرصة لإخضاع هذه المدينة الكبيرة لتحقيق الطموح والأحلام عند البعض الآخر». وهذا ما حدث بالفعل بعد قراءة تلك التجربة المهمة من سيرة طالبة صارت الآن فى أرفع مستوى علمى وعملى ووظيفى؛ وهى وظيفة الأستاذ الجامعى الذى يعلم ويربى ولديه من القدرة على تغيير عقول طلابه وتلاميذه إلى الأفضل الكثير من خلال التجربة وقاعات الدرس والأنشطة والاحتكاك العملى والعلمى المباشر.