هذا السؤال تحديدا يتكرر طرحه مع الإعلان عن تشكيل كل حكومة جديدة أو إجراء تعديلات لبعض المناصب الوزارية. مطالب الناس لا تتغير، وكل حكومة مصرية ومنذ عشرات السنوات تعرف وتدرك جيدا طبيعة هذه المطالب، وتعلن تفهمها وسعيها الدءوب إلى العمل على تنفيذها وتحويل مطالب الناس من أحلام وأمنيات إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع في توفير الحياة المعيشية الكريمة وتحسين جودة الحياة للغالبية أو الأكثرية من المواطنين. السؤال مازال مطروحا حتى الآن، ومع إعلان التعديلات الأخيرة في حكومة الدكتور مصطفى مدبولي الذي أوشك بعد عام أو عامين أن يصبح أقدم رئيس للوزراء في مصر منذ نشأة النظارات في مصر في عهد محمد علي باشا الذي أسس الجهاز البيروقراطي خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، والذي أنشئت معه مجموعة من الإدارات التنفيذية أطلق عليها اسم الدواوين، وقبل أن يتحول اسمه من مجلس النظار إلى مجلس الوزراء في ديسمبر عام 1914. الدكتور مصطفى مدبولي- 60 عاما- هو حاليا رئيس الوزراء رقم 126 في تاريخ مصر وتم تكليفه بالوزارة في يونيو 2018. ويعتبر الدكتور عاطف صدقي صاحب الرقم القياسي في تولي منصب رئيس الوزراء ولعشر سنوات كاملة في الفترة بين عامي 1986 إلى 1996. ويليه نوبار باشا أول رئيس وزراء في مصر. وقد شغل هذا المنصب لثمان سنوات على ثلاث فترات. من يقرأ تكليفات الرئيس السيسي للحكومة الجديدة يشعر بالارتياح والثقة والتفاؤل فيما هو قادم، لكن أداء الحكومة والسنوات العجاف التي مرت على مصر منذ بدء تطبيق برنامج الإصلاح والصعوبات الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع الغذائية وزيادة أسعار الخدمات يضع على الحكومة عبئا كبيرا لاستعادة ثقة المواطنين في أدائها وقراراتها وسياستها، حتى لا تزيد فجوة عدم الثقة بين المواطنين والحكومة. التكليفات الرئاسية واضحة ومحددة، وتضع الحكومة بتشكيلها الجديد أمام مسؤولية وطنية مضاعفة، فهي تحمل رؤية للمستقبل، وتبعث برسائل طمأنة وثقة في آن واحد. وهي بمثابة خارطة طريق شاملة للمرحلة المقبلة تجمع بين الحسم والمرونة والواقعية والطموح. التكليفات الرئاسية تضم ثمانية محاور رئيسية، الأولوية فيها للمواطن. المحور الأول شامل لكافة القضايا الخاصة بالأمن القومي والسياسة الخارجية، والتنمية الاقتصادية، والإنتاج والطاقة والأمن الغذائي، وبناء الإنسان. فالدولة القوية تبدأ من حماية وجودها، وتأمين قرارها، وصيانة مصالحها في عالم شديد الاضطراب. وتضع مواطنيها في مقدمة أولوياتها بتوفير الحياة الكريمة له من خلال تنمية اقتصادية حقيقية تعتمد على الإنتاج والاستغلال الأمثل للموارد لبناء اقتصاد قوي. تكليفات الرئيس تعيد التأكيد على "بناء الإنسان"، فالإنسان أو المواطن المتعلم والمتمتع بصحة جسدية ونفسية جيدة هو القادر على العمل والإنتاج، وبالتالي لابد من الاستمرار في استثمار القدرات البشرية. الرئيس طالب من الحكومة في المحور الثاني بوضع خطة واضحة لكل وزارة، تتضمن مستهدفات دقيقة، وإجراءات محددة، وجداول زمنية، وتمويل معلوم، ومؤشرات أداء قابلة للقياس. وهي نقلة نوعية من خطاب الجهد إلى خطاب الإنجاز، ومن النوايا الحسنة إلى المحاسبة الرشيدة. وفي المحور الثالث، برز الاهتمام الواضح بالملف الاقتصادي، مع الإشادة بدور المجموعة الاقتصادية وتكليفها الصريح بتحسين الأوضاع، خاصة في مرحلة ما بعد برنامج صندوق النقد الدولي. المحور الرابع جاء داعمًا لسياسة ملكية الدولة، مؤكدًا ضرورة الاستمرار في تنفيذها بخطوات واقعية، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، في رسالة طمأنة للمستثمرين، وإشارة إلى أن الدولة واثقة في اقتصادها، وقادرة على إدارة شراكات متوازنة. أما المحور الخامس، فقد حمل نظرة مستقبلية، عبر التوجه نحو مجالات التكنولوجيا والمعادن النادرة والصناعات المرتبطة بها، وتشجيع الابتكار وتمويل البحث العلمي. المحور السادس أعاد التأكيد على التعليم والصحة وأنهما في مقدمة الأولويات. فالارتقاء بمنظومة التعليم، وزيادة الاهتمام بصحة المواطنين وتيسير العلاج، يعكس رؤية ترى المواطن شريكا في التنمية. وفي المحور السابع، يبرز البعد المجتمعي والسياسي، من خلال إعلاء قيم المواطنة والمساواة وعدم التمييز، وتشجيع المشاركة في الشأن العام، واستكمال الاستحقاق الدستوري للمجالس المحلية، بما يفتح الباب أمام رقابة شعبية حقيقية، وضبط للأداء الإداري من القاعدة إلى القمة. أما المحور الثامن، يمنح الرأي العام والإعلام دورًا محوريًا في معركة الوعي. من خلال إعلام وطني مهني مسؤول، لا يكتفي بنقل الخبر، بل يصنع وعيًا، ويواجه الشائعات، ويعزز ثقافة الحوار واحترام الاختلاف. القارئ للتكليفات يدرك أننا أمام مرحلة تتطلب ضرورة التفكير خارج الصندوق والبحث عن حلول مبتكرة لتخفيض الدين العام، فالظروف الراهنة والتحديات تحتاج إلى عقول مفكرة وليس إلى "مسئوليين موظفين" وهذا هو الفارق بين الرؤية والأفكار والمشروع، وبين المهمة التنفيذية البيروقراطية. فالمطلوب عقول تفكر وتستشرف المستقبل وتخترق اقتصاد الغد للتغلب على أزمات اللحظة. الرئيس السيسي كلف المجموعة الاقتصادية بإعطاء أولوية للاهتمام بتحسين الوضع الاقتصادي من "خلال مشاركة نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في وضع الخطط المستقبلية والتنسيق بين أعضائها وتحقيق الانسجام بين مهامهم ومتابعة الأداء، خاصة وقد قاربت مدة برنامج صندوق النقد الدولي على الانتهاء آخر هذا العام، والتوجه نحو تخفيض حجم الدين العام بأفكار جديدة يجب أن تُدرس بعناية فائقة من حيث سلامة إجراءاتها وإيجابية آثارها على المديين القريب والبعيد". إذن المهام أمام الحكومة بتشكيلها الجديد واضحة تماما ولا لبس فيها، من خلال المحاور الرئاسية الثمانية التي بالفعل لو تم التعامل معها وتحقيقها ستكون الاجابة الامثل للسؤال المزمن "ماذا يريد الناس من الحكومة الجديدة"..؟ فمطالب الناس ببساطة، على المستوى العام والخاص، تتلخص في مواجهه الدين العام وحسن إدارته، وزيادة الإنتاج لمواجهة أعباء الديون، وإدارة أفضل للدين العام، والعمل على زيادة الإنتاج للحد ومواجهة الخلل في الميزان التجاري بين الواردات والصادرات، وعدم الاعتماد على العملة الاجنبية بما يؤثر على الأسعار . استقرار الأسواق وبالتالي ثبات الأسعار والعمل على خفضها تدريجيا حتى يشعر المواطن بأن سنوات الجفاف قد ولت بغير رجعة، وأن القادم هو مرحلة الاستقرار وتحسين جودة الحياة والمعيشة، والإسراع في عملية الإصلاح الإداري وتجفيف منابع البيروقراطية وعرقلة مسيرة الإصلاح ووضع المعوقات أمام جذب الاستثمار الأجنبي والوطني، والاستمرار في الإصلاح المالي والسياسات الضريبية واستقراراها، والالتزام بالانتهاء وإنجاز المشروعات القومية في مجالات الزراعة والنقل بما يخفف من الأعباء المالية على الموازنة العامة للدولة، وتوجيه مصادر التشغيل التمويلي إلى قطاعات أخرى ضرورية مثل التعليم والصحة والثقافة. واستكمال الاستحقاق الدستورى الخاص بالمجالس المحلية، وضرورة الإسراع وتقصير المدة الزمنية لتنفيذ مبادرة التأمين الصحي الشامل ودمج عدد من المراحل. ما يبعث على التفاؤل والأمل على إمكانية تحقيق ذلك وجود كفاءات وكوادر وزارية جديدة ذات خبرة دولية قادرة على التفكير خارج الصندوق، للاستفادة بالخبرات الدولية والكفاءات الوطنية في تحقيق حلم التنمية الاقتصادية والحياة الكريمة.