أثارت واقعة صادمة شهدها مركز بنها بمحافظة القليوبية، خلال الساعات الماضية، جدلًا واسعًا، بعد تداول مقطع فيديو يُظهر إجبار شاب على ارتداء ملابس نسائية والاعتداء عليه علنًا في الطريق العام، في مشهد أثار استياءً كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي. ومع تصاعد الجدل حول الواقعة عاد القسم الديني ب«بوابة أخبار اليوم» إلى النصوص الدينية لتجيب عن سؤال جوهري في مثل تلك الحوادث وهو كيف ينظر الإسلام إلى ترويع الناس والسخرية منهم وإيذائهم علنًا؟ عقاب دنيوي وأخروي وزارة الداخلية أعلنت إلقاء القبض على الجناة فور رصد الفيديو المتداول، وتمكنت من تحديد هوية المتورطين وضبطهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم، تمهيدًا لعرضهم على جهات التحقيق المختصة لتنفيذ عقابهم الدنيوية. أما عن العقاب الأخروي فذكرت دار الإفتاء في فتوى سابقة للدار أن ترويع الآمنين حرام وكبيرة من الكبائر، مؤكدة أن ترويع المسلم ظلم وتعدٍّ ظاهر، وهو حرام بكل حال، بل إن حرمته شديدة. قال المناوي في فيض القدير: «ترويع المسلم حرام شديد التحريم»، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه». رواه مسلم. قال النووي: «فِيهِ تَأْكِيد حُرْمَة الْمُسْلِم , وَالنَّهْي الشَّدِيد عَنْ تَرْوِيعه وَتَخْوِيفه وَالتَّعَرُّض لَهُ بِمَا قَدْ يُؤْذِيه. وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمّه. مُبَالَغَة فِي إِيضَاح عُمُوم النَّهْي فِي كُلّ أَحَد, سَوَاء مَنْ يُتَّهَم فِيهِ, وَمَنْ لَا يُتَّهَم, وَسَوَاء كَانَ هَذَا هَزْلًا وَلَعِبًا, أَمْ لَا، لِأَنَّ تَرْوِيع الْمُسْلِم حَرَام بِكُلِّ حَال». وقد عقد الحافظ المنذري في كتاب الترغيب والترهيب بابًا في الترهيب من ترويع المسلم، ومن الإشارة إليه بسلاح ونحوه جادًا أو مازحًا، وذكر فيه عدة أحاديث أخرى. تحريم السخرية من جانبه، أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن الإسلام حرّم الاعتداء على المدنيين الآمنين بالسب أو بالضرب أو بالقتل أو بكل نوع من أنواع الإيذاء والترويع. ويقول الله سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ». {الحجرات : 11}. قال ابن كثير رحمه الله: «ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الكِبْر بطر الحق وغَمْص الناس. ويروى: وغمط الناس. والمراد من ذلك: احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرا عند الله وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له». إجماع العلماء وجاء في كتاب موسوعة الأخلاق الإسلامية أن الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين بخَلقهم أو خُلقهم محرم بالإجماع، قال ابن حجر الهيتمي: «وقد قام الإجماع على تحريم ذلك». وقال ابن النحاس: «واعلم أن معنى السخرية والاستحقار والاستهانة، والتنبيه على العيوب والنقايص على من يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء، وقد يكون بالضحك كأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه أو غلط، أو على صنعته أو قبح في صورته ونحو ذلك». وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: «بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ» [الحجرات: 11] «من لقب أخاه وسخر به فهو فاسق. والسخرية الاستحقار والاستهانة، والتنبيه على العيوب والنقائص يوم يضحك منه، وقد يكون بالمحاكاة بالفعل أو القول أو الإشارة أو الإيماء أو الضحك على كلامه إذا تخبط فيه أو غلط أو على صنعته أو قبيح صورته». أعظم من حرمة الكعبة فعن ابن عمر قال: «صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع، فقال: ((يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله قال: ونظر ابن عمر يوما إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك))». بهذه النصوص الواضحة، يتبيّن أن ترويع الإنسان أو السخرية منه أو التشهير به ليس مجرد تصرف مرفوض اجتماعيًا، بل أمر جاءت النصوص بتحريمه تحريمًا شديدًا، حمايةً لكرامة الإنسان وصونًا لحرمة المجتمع.