عندي يقين بأن ثورة 25 يناير سوف تبقى صفحة مضيئة في تاريخ مصر حتى لو حاولت آلاف الأبواق ان تشكك فيها أو تسخر من شبابها وتكيل عليهم وهم في رحاب خالقهم التهم والشائعات.. لقد أصبحت ثورة يناير جزءا من تاريخ الوطنية المصرية في أنبل وأرفع مواقفها ضد الاستبداد والطغيان والفساد وإذا كان البعض يرفضها دفاعا عن المصالح أو تشويها للحقائق أو حزنا على السفينة الغارقة فإن الملايين من بسطاء مصر بكل فئاتهم سوف يستعيدون ذكراها بكل الفخر والعرفان.. خمس سنوات مضت على ثورة يناير ولنا ان نتصور الآن ونتساءل ماذا بقى منها وكيف تغيرت أشياء كثيرة في حياتنا بعدها سلبا وإيجابا؟!.. ويكفي ان هذه الثورة هي التي كشفت لنا حجم المؤامرات التي أحاطت بنا ونحن مستسلمون أمام معاقل الظلم والفساد والتبعية.. ان يناير ثورة حقيقية وهناك من الشواهد الكثير.. ويكفي ان نراجع حجم الأخطاء والجرائم التي ورثها النظام الحالي وتجسدت في هذا الكم الهائل من المشاكل والأزمات التي يعيشها الإنسان المصري الأن وهي تراكمات من عهود مضت استباحت حق الإنسان المصري في وطن أكثر إنسانية يحترم كرامته.. ان هذا الكم من الأزمات التي نعيشها كان خطايا أزمنة من الفساد التي ضيعت على المصريين كل فرص البناء والتقدم.. من الخطأ الشديد ان يقال ان ما يعانيه المصريون الآن من الأزمات جاء بسبب ثورة يناير لأن الحقيقة غير ذلك تماما: ان سوء الأحوال الاقتصادية والعجز في الميزانية والديون المتراكمة والخدمات المهلهلة من المجاري والمياه والكهرباء وهذه الملايين من فقراء مصر وشبابها المهمش لم تكن بسبب ثورة يناير ولكنه ميراث ثقيل من سنوات النهب والفساد.. في هذه التراكمات كانت مسلسلات بيع القطاع العام ولا أحد يعرف تفاصيل صفقاته.. وكان منها توزيع الأراضي والديون الخارجية والداخلية واستخدام أموال الناس في التأمينات والمعاشات وإنشاء مشروعات للخدمات الوهمية في المدن الكبرى فهل كانت 25 يناير مسئولة عن ذلك كله.. ان حالة التجريف البشري والإنساني التي وصلت بالإنسان المصري إلى هذه الحالة من التخلف والترهل والجهالة أمام منظومة تعليم فاسدة وثقافة جامدة وإعلام متخبط لم تكن بسبب الثورة ولكنها بسبب عصور متلاحقة من الإهمال والتسيب والفساد.. ان فساد عقل الأجيال الجديدة والذي تجسد في ظاهرة الإرهاب كان بسبب سنوات طويلة من إهمال شباب الأمة أمام البطالة.. والجهل والمخدرات وغياب الرموز والقدوة وسطوة قطيع من البشر على ثروات شعب حيث غابت تماما قيم العدالة وتكافؤ الفرص واحترام القدرات والمواهب أمام تسلط مجموعات من البشر حيث لا إمكانيات ولا مواهب ولا فرص متكافئة.. إن ظاهرة الإرهاب التي نعاني منها الآن كانت وراءها سنوات من الفشل في إدارة شئون الدولة وغياب العدالة في توزيع موارد الشعب.. وغياب الحقوق الأساسية للإنسان في حياة كريمة.. وقبل هذا كله اختلال منظومة الفكر في الدين والثقافة والتعليم.. كل هذه الأشباح طاردت المصريين سنوات طويلة.. ما بين انقسام طبقي متوحش وفئات جديدة طفت على سطح المجتمع في ظل زواج باطل بين السلطة ورأس المال وعصابة حكم وزعت موارد الدولة بلا عدل أو حساب. هل هذه هي مصر التي علمت العالم قبل ان يبدأ التاريخ تتحول إلى سوق للمغامرين في كل شيء ابتداء بسماسرة الأفكار وانتهاء بتجار الأراضي حيث تستورد كل غذائها ولم تعد لديها صناعات تبيعها وتصدرها وأصبحت كل مواردها تنحصر في قناة السويس أكثر من مائة عام وتاريخ الأجداد في السياحة وبيع ما لديها من العقارات والأراضي.. أين صناعة مصر وزراعتها وانتاجها وتفوقها وبعد ذلك نتحدث عن الإنتاج والبناء والتقدم.. هل حدثت كل هذه الكوارث بسبب ثورة يناير.. لقد ظلت مصر ثلاثين عاما تقوم كل مواردها على بيع الأراضي حتى الديون التي وصلت لأرقام مخيفة لم تقدم انتاجا ولم توفر مصادر دخل جديدة ولم توفر حاجتنا من الغذاء ولا أحد يعلم أين تسربت هذه البلايين.. هل هذه مصر التي بقى المسئولون فيها عشرات السنين لم يتغير فيها شىء في البشر أو العمل أو الإنتاج.. كانت مصر في يوم من الأيام هي الرائدة في المنطقة كلها حضارة وثقافة وتقدما وانتاجا وسمعة دولية في كل شىء.. كانت مصر هي الأجمل والأنظف والأقدر والأكثر مهابة وشموخا.. كيف تسلمتها ثورة يناير وعلى أي الوجوه صارت. من العار ان يقول البعض ان مشاكل وأزمات المصريين جاءت مع ثورة يناير لأن هذه الثورة هي التي كشفت حجم الجرائم في حق هذا الشعب وحين طفح المستنقع الذي ظل عشرات السنين أدرك المصريون حقيقة ما كانوا عليه وما عاشوا فيه. ان مناطق العجز والأمراض التي ظهرت في الشخصية المصرية بعد ثورة يناير كانت تراكمات قديمة ما بين الإهمال والفساد والتسيب.. كانت الثورة لحظة مضيئة ولكنها كشفت للإنسان المصري حجم المآسي والكوارث التي وصل اليها أمام الفقر والتخلف وفساد النفوس والضمائر. ورغم كل هذه الشواهد والأدلة مازال البعض يتصور ان يناير كانت مؤامرة خارجية وهنا نجد أنفسنا أمام أكثر من سؤال.. هل كان من الممكن ان تحدث ثورة يونيه ولم تحدث ثورة يناير.. ان ثورة يناير هي التي أسقطت النظام السابق ولولا سقوط هذا النظام ما شهدت مصر تلك الأحداث التي ترتبت على ثورة يناير.. هل كان من الممكن ان تسقط أسطورة الإخوان المسلمين التي سيطرت على العقل المصري ثمانين عاما حتى وصلت إلى الحكم وانهارت تماما أمام أخطاء قاتلة وفشل مروع جعل الشعب المصري يقوم بثورته الثانية في 30 يونيو ويطيح بحكم الإخوان.. هل كان من الممكن ان يخرج الشعب المصري في ثورتين لإسقاط نظام مستبد فاسد وانهاء حكم ديني فاشل وضع البلاد في مأزق تاريخي خطير.. هل كان من الممكن ان يقوم المصريون في ظل حكم غاشم وآخر فاشل بثورتين مطالبين بحقوقهم في الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.. ان كل ما تشهده مصر الآن من تحولات في كل مجالات الحياة بدأ بثورة يناير لكي تستكمله ثورة يونيو والفصل بين الاثنين جناية في حق التاريخ والحقيقة والوطنية. في هذه السنوات تخلصت مصر من الحزب الوطني بكل رموز الفساد فيه ومن جماعة الإخوان المسلمين وكلاهما كان من أسباب التراجع والإنهيار في مسيرة المصريين نحو المستقبل.. لقد ضاعت على المصريين كل فرص الحرية والديمقراطية والعدالة في ظل الحزب الوطني وضاعت عليهم كل فرص التوحد والبناء في ظل جماعة اختارت الإرهاب بديلا للحوار وفتحت مستنقعات الدم في حياة المصريين. والآن وبعد خمس سنوات من ثورة يناير ما هو المطلوب منا.. أولا: ان تؤكد الدولة اعتزازها وعرفانها لهذه اللحظة التاريخية وان ترد لشبابها الإعتبار سواء كانوا شهداء في رحاب الله أو أحياء ينبغي الإعتراف بدورهم ومكانتهم.. ثانيا: ان تنتهي قصة الخلاف بين الثورتين يناير ويونيو لأنه خلاف لا أساس ولا مقومات له، فلولا ثورة يناير ما كانت ثورة يونيو ولولا رحيل الحزب الوطني ونظامه ما كان رحيل الإخوان وجماعتهم. ثالثا: ان يتم الإفراج عن شباب الثورة القابعين خلف جدران السجون وان نغلق هذه الملفات بكل ما فيها وتفتح الدولة صفحة جديدة مع شبابها. رابعا: ان الدولة قادرة على إسكات تلك الأبواق التي تحاول تشويه هذه اللحظات التاريخية لأن العهد البائد يشوه 25 يناير والإخوان يشوهون 30 يونيه وكلاهما أضير من الثورتين وعلى الشعب ان يحمي ثوراته وعلى الدولة ان تحفظ تاريخ الوطن.. لا أتصور ان تتخلص مؤسسات الدولة من كل آثار ثورة يناير وان تحذف من سجلاتها كل ما حملته هذه اللحظات المضيئة ابتداء بصور الشهداء وانتهاء بالحملات الإعلامية الضارية التي شوهت تاريخ شباب الثورة بالحق والباطل.. وقبل هذا كله يجب ان تنفذ الدولة ما وعدت به تجاه الشهداء من تعويضات ومساعدات ومواقف مع عائلاتهم ومنهم الفقراء والمعدمون لأن دماء الشهداء لا تقدر بأموال الدنيا. خامسا: يجب ان يتم تشكيل لجنة تاريخية من كبار الأساتذة والكتاب لتجمع تراث الثورتين في أبحاث ودراسات وشهادات تتسم بالأمانة والموضوعية لتضاف هذه الصفحات إلى تاريخ مصر الحديث وهذا حق للشباب الثائر وواجب على مؤسسات الدولة وقبل هذا كله هو إنصاف لحدث تاريخي فريد. ان اللحظات المضيئة في تاريخ الشعوب تتجاوز الأحداث والزمن والأشخاص ويجب ان نتوقف عندها كثيرا لأنها تتحول مع الأيام إلى ذكرى تعيد للأذهان إرادة الشعوب حين تتوحد وقوة الإنسان حين يواجه الظلم والفساد وإرادته حين يقرر ان يخلق لنفسه زمانا جديدا وواقعا يستحقه.. ليس من الضروري ان تتكرر هذه اللحظات خاصة انها شىء فريد ونادر ولكن يجب ان تسكن الضمائر.. ليس من الضروري ان نستنسخ من 25 يناير صورة أخرى لإنجاز عظيم فقد تغيرت الظروف والحقائق والبشر وأصبحنا الآن نعيش زمانا آخر غير الزمان ولولا ثورة يناير ويونيو ما كان الرئيس السيسي رئيسا لمصر الآن والرجل يحمل ميراثا ثقيلا من عهدين فاسدين لكي يخرج بمصر إلى مستقبل أكثر رحابة وتوحدا وتقدما.. وعلينا الأن ان نلم شمل هذا الوطن ونجمع شتاته حتى ينطلق بنا إلى آفاق مستقبل أفضل وحياة تليق بنا كشعب عريق. إن الأحداث الكبرى في تاريخ الشعوب ابنة زمانها ورموزها وأحداثها وهي لا تقبل استنساخها ليعود الزمن للوراء.. ..ويبقى الشعر هانتْ على الاهل ِ الكرام ِ دمانا `وتفرقتْ بين الرفاق ِ خُطانا عُدنا إلى الميدان ِ نسألُ حُلمَنَا بكتْ الربوع ُوحزنُها أبكانا أين القلوب تضيء في أرجائه وتزف شعبا في الصمود تفاني ؟! أين الرفاقُ وأين صيحاتٌ بدتْ للكون ِ بعثًا عاصفًا أحيانا ؟! أين الشباب وقد توحد نبضهم وتجمعوا في بأسهم إخوانا ؟! أين الحناجر كيف قامت صرخة كم أيقظت بصهيلها الفرسانا ؟! وجهُ الشهيدِ وقد تناثَر فى المدى وغدا نجومًا فى دُجى دُنيانا جسدٌ يحلقُ فى الأيادى سابحًا فى حضن ِ أمُ ٍّ أشبعتُه حنانا هانتْ على الأهل ِ الكرام ِ دمانا
نامتْ على الدربِ الحزين ِ جوانحٌ وتجمدتْ خلفَ الرُّؤَى أجفانا والناس تسأل: ما الذي يبقي لنا بعد الشهادة موطنا ومكانا ؟ يوما غرسنا الحلم في أعماقنا حتي غدا في يأسنا بركانا أن نطلق الشمس السجينة بيننا ليطل صبح من خريف صبانا فى ساحةِ الميدان كنا أمة ً وهبتْ رحيقَ شبابها قُربانا أجسادُنا كانت تلوذ ُ ببعضها حزنُ الترابِ يعانقُ الأكفانا يتعانقُ الدمُ الجسورُ على الثرى كنا نراه كنيسة ًوأذانا في ساحة الميدان صلينا معا قمنا حشودا نرجم الشيطانا وتطوفُ فى الميدان أرواحٌ بدتْ فوق البيوتِ أزاهرًا وجِنانا الكون صلي.. والربوع تطهرت من رجس عهد مظلم أعمانا هانتْ على الأهل ِ الكرام ِ دمَانا
هل تذكرونَ شبابنا وصبانا والأرضَ تحضن بالدموع ِ دِمانا ؟! ونطوف في صخب الشوارع لا نري غير الرصاص علي المدي يلقانا وقذائفُ القناص ِ تطفئُ أعينًا فَيَتِيهُ بين جنودِه نشوانا لم يرحم العين السجينة في الأسي رسم النهاية خسة وهوانا يُلقى علينا النارَ وهى خجولة ٌ والنارُ ترحمُ بعضهَا أحيانا كنا نري أن الوفاء ضريبة حق لمن وهب الحياة وعاني عدنا إلى الميدانِ نسألُ : ما بِه؟ صرخَ الحزينُ وبؤسه أدمانا حين انتفضنا فى الشوارع ِ لم يكنْ سوقُ الغنائم ِمطمعًا أغرانا هانتْ على الأهل ِالكرام دمانا
أتري نسيتم دمعنا ودمانا عرس تبدل بيننا أحزانا ما عادت الأيدى تصافحُ بعضَها َ حتى خُطانا .. لم تعدْ كخطانا كيف الدماءُ تمردتْ فى مهدها وبكل قلبٍ مزقتْ شِريانا ؟ صرنا أمام الناس خدعة صبية هدموا البلاد.. وخربوا الأوطانا هانتْ على الأهل ِ الكرام ِ دمانا من قصيدة "هانت على الأهل الكرام" سنة 2012 نقلا عن جريدة الأهرام