بعد خمسة عقود من الانكار وغض البصر، أكدت وزارة الدفاع الأمريكية على "مضض "أن إسرائيل تمتلك بالفعل قنابل نووية، فضلا عن أسلحة رهيبة عالية التقنية مماثلة لأميركا.. حيث أصدرت وزارة الدفاع أوائل الشهر الماضي تقرير سري صدر عام 1987 من معهد "تحليلات الدفاع" الذى يموله "البنتاجون"، والتقرير يؤكد حقيقة وجود الأسلحة النووية الإسرائيلية. وجاء افصاح وزارة الدفاع الامريكية عن هذا التقرير النادر رغما عن ارادتها، و نتيجة الدعوى القضائية التي تخص حرية تداول المعلومات التى رفعها الصحفى "جرانت سميث Grant Smith"، الذى يراس معهد للبحوث، وهو "سياسات الشرق الأوسط". ويقول "سميث" إنه يعتقد أن هذا هو أول مرة تقدم فيها حكومة الولاياتالمتحدة اعتراف رسمي عن واقع معلوم منذ فترة طويلة، فهو ليس نبأ جديد، فقد عرفت النخب السياسية منذ عهد الرئيس ليندون جونسون الى عهد الرئيس أوباما، أن إسرائيل تمتلك القنبلة النووية. لكن السلطات الأميركية حافظت على السرية وحظرت الموظفين الاتحاديين من مشاركة هذه الحقيقة مع الشعب. عندما طرحت مراسلة البيت الأبيض "هيلين توماس Helen Thomas" السؤال على باراك أوباما في عام 2009، أهمل الرئيس الاجابة وقال: "فيما يتعلق بالأسلحة النووية، كما تعلمون، أنا لا أريد ان اتكهن"، وبالطبع كانت هذه أكذوبة محرجة. الرئيس أوباما يعرف بالتأكيد ، ووفقا لاستطلاعات الرأي وجُد ان ما يقرب من ثلثي الشعب الأمريكي يعرف ايضا بحقيقة امتلاك اسرائيل للقنبلة النووية. الغريب أن وسائل الإعلام تركز فقط على طموحات إيران النووية، وفشلت عموما فى أن نلاحظ أن إسرائيل لديها بالفعل أسلحة نووية. ومع اطلاق وزارة الدفاع الأمريكية في أوائل فبراير الماضى لهذا التقرير بما يحمله من معلومات سرية، تتاكد حقيقة الامر، ويفتح مجالا واسعا لازعاج حكومة الولاياتالمتحدة واسرائيل التى هى أقرب حليف لها في الشرق الأوسط. ان الاعتراف الرسمي يطرح الأسئلة والتناقضات التي تصرخ بفضائح عمليات التفتيش على الانشطة النووية في العالم، فلسنوات عديدة، تعاونت الولاياتالمتحدة مع اسرائيل فى تطوير التكنولوجيا الحرجة اللازمة للانتاج الاسلحة المتقدمة. في الوقت الذي دفعت فيه واشنطن الدول الأخرى للتوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي NPT، الأمر الذي تطلب عمليات التفتيش الدولية للحد من انتشار الأسلحة النووية. و اسرائيل لم توقع أبدا على معاهدة حظر الانتشار النووي، وبالتالي لا يجب أن تخضع إلى عمليات التفتيش ، حيث كانت واشنطن تعرف ما سيجده المفتشين في إسرائيل. وعلاوة على ذلك، خلال حقبة الستينيات تم تعديل قانون المساعدات الخارجية للولايات المتحدة من قبل أعضاء مجلس الشيوخ المعنيين لحظر أي مساعدات خارجية للبلدان التى تطور الأسلحة النووية الخاصة بها. ويؤكد" جرانت سميث" أن هذا الاستثناء جعل وضع إسرائيل يشكل انتهاكا للقانون الامريكي الا ان السرية الرسمية لم تجعل هذا الانتهاك قانوني .. وبما أن إسرائيل هي أكبر متلقي للمعونة الأمريكية، كان لدى الرؤساء الأميركيين سبب وجيه لعدم الكشف عن الحقيقة. التقرير الصادر عن معهد " تحليلات الدفاع " عام 1987 تحت عنوان "‘تقييم التكنولوجية الحرجة في إسرائيل ودول حلف شمال الأطلسي" يصف البنية التحتية النووية الإسرائيلية بعبارات عامة، ولكن أبعادها رهيبة. وذكر الباحثون فى "المؤسسة الدولية للتنمية IDA " ان مختبرات الأبحاث النووية الإسرائيلية "تعادل مخترات لوس ألاموس Los Alamos، النووية الامريكية " وبالفعل، لاحظ الباحثون أن قدرة مرافق إسرائيل النووية " تتشابه تقريبا من القدرة الموجودة حاليا في المختبرات الوطنية الامريكية ". ويشير التقرير الى ان فريق المؤسسة الدولية للتنمية، قد زار المختبرات والمصانع والشركات الخاصة والمراكز البحثية الحكومية في اسرائيل ودول حلف شمال الاطلسي ذات الصلة (وقد تم حجب تفاصيل حلفاء الناتو من التقرير الصادر). ولقد كانت لهجة التقرير تحمل فى طيها الاعداب والثناء على جهوزية اسرائيل، حيث تم وصف "مركز سوريك SOREQ"، على سبيل المثال، بانه " يدير سلسلة كاملة من الأنشطة النووية من الهندسة والإدارة والاختبارات الكهربائية والبصريات، والقدرة النبضية، والكيمياء ، وان عملية الأبحاث النووية تتميز بالامن والسلامة، وهى القاعدة التكنولوجية اللازمة لتصميم الأسلحة النووية وتصنيعها ". ويقول فريق المؤسسة الدولية للتنمية فى التقرير: "وتجدر الإشارة إلى أن الإسرائيليين يطورون نوعا من الرموز والتي سوف تمكنهم من امتلاك القنابل الهيدروجينية. وكان يقصد بهذه الرموز عمليات الانشطار والانصهار على المستوى المجهري والعيني" . و على الرغم مما سبق الا ان التقرير لا يشتمل على جملة تقريرية واحدة تنص على مباشرة اسرائيل للانشطة المحرمة او انها تسعى او تمتلك أسلحة نووية، لكن المعنى واضح. فمنذ سنوات عديدة، قدر العلماء وغيرهم من الخبراء أن إسرائيل لديها لا يقل عن 100 إلى 200 قنبلة نووية ، وربما أكثر من ذلك.. و كان الامر لا يتعدى ملاحظات متفرقة حول مساهمة حكومة الولاياتالمتحدة فى الانشطة النووية الاسرائيلية عمدا او انها غضت الطرف عن اختلاس اسرائيل للتقنيات الامريكية لبناء نظام نووى مواز للنظام النووي الامريكى . ويقول "جرانت سميث" انه يرفع الان دعوة اخرى بموجب قانون حرية المعلومات، يهدف إلى فتح وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية السرية على بعض الملفات التى تخص التحقيقات التى اجرتها الاستخبارات منذ فترة طويلة حول كيفية تمكن إسرائيل من الحصول على القنبلة النووية في المقام الأول. ويسعى "سميث " للكشف عن معلومات التحقيق الذى اجرته وكالة المخابرات المركزية حول كيف تم تسريب كميات من اليورانيوم أو يزعم تهريبها من قبل عملاء اسرائيليين من محطة بنسلفانيا النووية و هى الكمية التى كانت بمثابة بذور الذرة لصناعة قنبلة اسرائيل. و يشتبه "سميث" وآخرون فى أن عناصر من الحكومة الأمريكية عرف ما حدث في ذلك الوقت أو ربما قد ساعدوا ايضا فى عملية نقل اليورانيوم الى اسرائيل فى فترة السبعينيات من القرن الماضى.