عندما قامت ثورة يوليو 1952 تضافرت جهود الجهات القضائية والقوات المسلحة ومجلس قيادة الثورة لاستصدار قانون يحاكم بموجبه أركان النظام السابق، وكُلف المستشار عبد الرازق السنهوري بكتابة القانون الذي استهدف محاسبة من أفسدوا الحياة السياسية في العهد البائد، إذ إن قانون العقوبات المصري لم يكن يحتوي على أي مواد تجرم الإفساد السياسي، وصدر القانون أواخر عام 1952، وعدل عام 1953، وتراوحت العقوبة بين الغرامة والحبس وتجريد الغادر من الجنسية المصرية، وكل من ثبتت عليه تهمة الغدر أُعدم سياسيا؛ بمعنى حرمانه من ممارسة العمل السياسي بكل أشكاله، ومنعه من الانتماء إلى أي من الأحزاب السياسية إن أبقيت له الجنسية المصرية.. وبعد أن طبق القانون على رموز الملكية وضع في أدراج مجلس الدولةحتى عاد الشارع السياسي إلى الحديث عنه وظهر إلى الوجود مقترح بمحاكمة رموز النظام الذي أسقطته ثورة 25 يناير المبروكة بموجبه، وأخيرا أقر مجلس الوزراء قانون الغدر، ورُفع الأمر للمجلس الأعلى للقوات المسلحة للتصديق عليه، وفي الفقرات التالية سأعرض عليك عزيزي القارئ بعض نصوص قانون الغدر لتحكم بنفسك على إمكان تطبيقه على رموز نظام مبارك. تتناول كل مواد القانون سيرة من كان في موقع السلطة في البلاد؛ موظفا عاما أو وزيرا أو عضوا في البرلمان أو أحد المجالس البلدية أو القروية أو المديرية، وتتهمه بالغدر بالشعب المغدور إن ارتكب أحد الأفعال الآتية: (1)ما من شأنه إفساد الحكم أو الحياة السياسية أو الإضرار بمصلحة البلاد أو مخالفة القوانين . (2) إستغلال النفوذ ولو بطريق الايهام للحصول على فائدة أو ميزة ذاتية لنفسه أو لغيره من أية سلطة عامة أو أية هيئة أو شركة أو مؤسسة. (3)استغلال النفوذ للحصول لنفسه أو لغيره على وظيفة فى الدولة أو وظيفة أو منصب فى الهيئات العامة أو أية هيئة أو شركة أو مؤسسة، أو للحصول على ميزة أو فائدة بالاستثناء من القواعد السارية فى هذه الهيئات. (4)استغلال النفوذ بإجراء تصرف أو فعل من شأنه التأثير بالزيادة أو النقص بطريق مباشر أو غير مباشر فى أثمان العقارات والبضائع والمحاصيل وغيرها، أو أسعار أوراق الحكومة المالية أو الاوراق المالية المقيدة فى البورصة أو القابلة للتداول فى الاسواق بقصد الحصول على فائدة ذاتية لنفسه أو للغير. (5)كل عمل أو تصرف يقصد منه التأثير فى القضاة أو فى أعضاء أية هيئة خولها القانون اختصاصا فى القضاء أو الإفتاء. تفحّص الآن هذه التهم الخمس، وعُد بذاكرتك إلى ما قبل 25 يناير 2011، ولنأخذها واحدة تلو الأخرى؛ الأولى تنطبق على كل من شارك تابعا للحزب الوطني المنحل في الحياة السياسية أو الانتخابات البرلمانية أو السلطات المحلية، فكان بذلك مشاركا في إفساد الحياة السياسية والحكم، ومضرا بمصالح البلاد ومخالفا للقوانين. الثانية: ليس هناك من رجال نظام مبارك إلا واستغل نفوذه وحصانته، وتربح من وظيفته وخصص لنفسه ولأهله ولأبنائه الأراضي بلا رادع من ضمير أو قانون. الثالثة: يمكن اعتبار عصر مبارك هو عصر الاستثناءات والوسائط والمحسوبية على كل المستويات، في كل الوظائف والتعيينات، في كل المؤسسات والهيئات والجامعات والشركات. الرابعة: لم يأت عهد على مصر تضاعف فيه سعر الأرض كما تضاعف في عهد مبارك، ولم يكن التحكم في أسعار الأسهم في البورصة شخصيا في عصر سبق كما كان في عصر مبارك، ولعلنا نذكر الثلاثاء الأسود منذ عدة سنوات، والتضخم لم يبلغ ببلادنا كما بلغ في عصر مبارك، والجنيه المصري لم يغرق إلى القاع إلا في عصر مبارك. الخامسة: حاول النظام السابق ونجح إلى حد كبير في السيطرة شبه الكاملة على جهاز القضاء في مصر، عبر وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى الذي يرأسه الرئيس، وبدت تلك السيطرة واضحة في تزوير الانتخابات والاستفتاءات على مدى ثلاثين عاما تحت عين وبرعاية القضاء، ولم تتم عملية استيلاء على أرض أو أصول من أراضي وأصول الدولة إلا بمعرفة جهاز القضاء ممثلا في الشهر العقاري والنيابة الإدارية والأموال العامة. والآن .. ألا ترى معي عزيزي أن القانون المثالي لمحاكمة رموز النظام السابق هو قانون الغدر ؟ أليس من الضروري محاكمة كل أعضاء الحزب الوطني المنحل، وكل من انتمى للنظام المخلوع بناء على هذا القانون ؟ قد يقول بعض المتشدقين بالديمقراطية وحقوق الإنسان أنه قانون سيئ السمعة ولا يتوافق مع (بَياض) الثورة المصرية، ولكن طبائع الأشياء تملي إرادتها على الواقع المصري، فكيف سيحاسَب رؤساء تحرير الصحف المنافقون ؟ وكيف سيحاسب أعضاء مجلس الشعب المرتشون ؟ وكيف سيحاسب رؤساء الأحياء والمجالس المحلية اللصوص والفاسدون ؟ وكيف سيحاسب الوزراء ورؤساء الوزارات الذين تسببوا بفسادهم في ضياع ثروة البلاد وتعاسة العباد ؟ وكيف سيحاسب من أثروا على حساب فقر الشعب ؟ وهل سيحاسب هؤلاء جميعا؛ أم سيتركون دون حساب ؟ أتمنى كما يتمنى الملايين غيري أن نرى - نحن المغدورون - تحقق العدالة في مصر بتطبيق قانون الغدر على الغادرين.. واسلمي يا مصر.