كالعادة.. تحرص أمريكا وحلفاؤها على إعطاء إسرائيل الوقت الكافى لاستكمال عدوانها الهمجى على الشعب الفلسطينى، الذى تحول إلى حرب إبادة حقيقية.. رفضت واشنطن ومعها حلفاؤها أى إدانة لإسرائيل، ورفضت على مدى الأيام الماضية أن يصدر مجلس الأمن قرارًا ملزمًا بوقف إطلاق النار، ورفضت أى حديث عن تشكيل لجنة تحقيق دولية فى ما وصفه المسؤولون عن حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بأنه جرائم ضد الإنسانية!! وكانت النتيجة استمرار المذبحة، وعجز مجلس الأمن عن إصدار أى قرار يوقفها، لينتهى الأمر ب«بيان صحفى» لا قيمة له، يتحدث عن وقف لإطلاق النار دون أن يحدد موعدا، أو ينذر بمعاقبة من يخالفه، وفى نفس الوقت كانت أمريكا تعلن عن موعد لاحق مع حلفائها الأوروبيين الكبار لبحث الموقف، فى إشارة إلى أن الوقت ممتد أمام إسرائيل لاستكمال مهمتها القذرة ضد الشعب الفلسطينى، لا ضد «حماس» كما يدعى!! موقف مصر المبدئى لا يحدده نزاع مع فصيل أو جماعة، وإنما يحدده الحرص على مصالح الشعب الفلسطينى والالتزام بالقضية الفلسطينية، كما يحدده أمن مصر وسلامة شعبها، والإيمان العميق بأن فلسطين ليست قضية تتم المتاجرة بها، وإنما هى جزء من أمن مصر الذى لا يتحقق مطلقا حين يعربد العدو على أرض فلسطين، أو تتحول أرضها إلى ساحة لأبشع احتلال عرفته البشرية.. وإلى بؤرة لتصفية الحسابات بين الإخوة الأعداء على حساب فلسطين وشعبها. منذ حادث اختطاف الجنود الإسرائيليين الثلاثة وقتلهم، ثم الجريمة البشعة باختطاف الصبى الفلسطينى وحرقه حيًّا، ومصر تسعى لمنع تدهور الموقف، لكن أطراف الصراع كانت لها حساباتها الخاصة. إسرائيل كانت تريد إبعاد الأنظار عن مسؤوليتها عن فشل عملية السلام واستمرارها فى سياسة الاستيطان والسلوك العنصرى ضد العرب، كما كانت تريد الإبقاء على فصل غزة عن الضفة ومنع أى خطوة تجسد مشروع الدولة الفلسطينية، وحماس كانت تريد الخروج من أزمتها والإبقاء على سيطرتها على القطاع، وقوى دولية وإقليمية «فى مقدمتها أمريكا» كانت ترى الوضع فى القطاع خلال السنوات القليلة الماضية هو الأنسب لها، وكانت ترى أن إشعال الموقف فى غزة سوف يلقى بالمزيد من العبء على السلطة فى مصر، وهى تخوض حربًا ضد إرهاب كان -وما زال- بعض خيوطه يمتد إلى القطاع الواقع تحت حكم حماس وذل الاحتلال الإسرائيلى!! مع اندلاع العمليات العسكرية الإسرائيلية، تواصلت الجهود المصرية مستهدفة وقف المذبحة، التى يدفع ثمنها الشعب الفلسطينى من دماء الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء، لكن الجهود اصطدمت بالعناد والتعنت من الطرفين انتظارًا لتحقيق أى مكاسب خاصة على حساب الدم الفلسطينى وحده.. فالصواريخ التى أطلقتها الفصائل الفلسطينية إلى قلب إسرائيل قد يكون لها أثرها النفسى السلبى على الإسرائيليين والإيجابى على الفلسطينيين، لكنها فى النهاية لم تقتل إسرائيليا واحدا، ولم تدمر هدفا عسكريا له قيمة. وحده الشعب الفلسطينى يدفع الثمن انتظارًا لأن تنتهى المأساة بالعودة لاتفاق 2012، الذى أقرت فيه حماس «بتعليمات قيادة الإخوان» بأن ما تقوم به من عمليات ليس مقاومة، بل هو عمليات عدوانية تتعهد بوقفها (!!) وساعتها سيدعى كل طرف أنه انتصر ولو على حساب الدم الفلسطينى المستباح، وساعتها ستبقى فى قلوب «البعض» غصة، لأن مصر ما زالت على الصمود فى وجه المؤامرة، وأنها ستظل حتى النهاية سندا للشعب الفلسطينى الشقيق، بعيدا عن عبث الصغار، وتآمر الكبار ضد مصر وجيشها الوطنى.. حيث حائط الصد الأخير الذى يمنع الانهيار الكامل والفوضى الشاملة، التى يراد لها أن تكون مصير الوطن العربى بأكمله.