الأرصاد: انخفاض يصل إلى 6 درجات على معظم الأنحاء خلال أيام    على صاروخ ماسك، "ناسا" تختبر الذكاء الاصطناعي في الفضاء (فيديو)    محمد علي خير: على الحكومة أن تجد حلا جذريا بين الأجر والمشتريات.. ال 7 آلاف مابقتش تنفع والمرتب مش بيكفي    مجلس الوزراء عن انضمام أول طائرة إيرباص A350-900 لمصر للطيران: تستطيع الوصول لمناطق بعيدة    مواقيت الصلاة الأحد 15 فبراير 2026 في القاهرة والمحافظات    تسريبات تكشف تفاصيل مقتل لونا الشبل داخل القصر الجمهوري بسوريا ودور منصور عزام    مصادر فلسطينية: 7 قتلى على الأقل إثر هجمات إسرائيلية شمال وجنوب قطاع غزة    إسرائيل تشن سلسلة غارات مكثفة على الجنوب اللبنانى    مليون ميل.. حين كافأت تويوتا سائقًا على الوفاء    اليوم، ثاني جلسات محاكمة المتهم بقتل زوجته "عروس المنوفية"    موعد صلاة الفجر بتوقيت المنيا... تعرف على فضل أذكار الصباح لبداية يوم مفعم بالروحانية    تفوق على نجمي آرسنال ومان سيتي، محمد صلاح يحدث سجله الذهبي في الكرة الإنجليزية    مدبولي يعلن اليوم تفاصيل منحة الحماية الاجتماعية الجديدة في مؤتمر صحفي    «كلموني عشان أمشيه».. شيكابالا يكشف مفاجآت بشأن أزمة عواد في الزمالك    «سياحة الأثرياء» ..زيادة تسجيل اليخوت 400% وتحويل 47 جزيرة لنقاط جذب عالمية    الأطفال فى مرمى الشاشات ..خبراء: حماية النشء فى الفضاء الإلكترونى مسئولية مشتركة    لغز الرحيل الصادم لفنانة الأجيال.. تفاصيل جديدة في مقتل هدى شعراوي ورسالة تكشف نية مُسبقة للجريمة    سحر الحضارة يخطف قلب براين آدمز.. نجم الروك العالمي يتجول بين الأهرامات وأبو الهول في زيارة استثنائية لمصر    إيناس كامل تفجر مفاجأة درامية في رمضان بشخصية «شيروات».. زوجة أحمد عيد في قلب صراعات «أولاد الراعي»    «فارس أسوان» صديقة للبيئة    أهداف اليوم العالمى لسرطان الأطفال    الصحة تنفي تقليل الدعم لأكياس الدم: الدعم زاد لضمان أمان الأكياس بما يقارب 4 أضعاف    القبض على داعية سلفي بعد فيديو مسيء لوالدي النبي عليه الصلاة والسلام    وزير الخارجية للجزيرة: قضية الصومال تمس الأمن القومي المصري والعربي والإفريقي    ننشر أسماء قراء التراويح والتهجد بمسجد الإمام الحسين ومسجد مصر    رئيس حي غرب المنصورة يتابع أعمال الحملة المكبرة لرفع الإشغالات والتعديات على حرم الطريق    استقبال حاشد لإسلام في ميت عاصم بعد عودته إلى منزله ب القليوبية    الملكي يعتلي القمة.. ريال مدريد يمطر شباك سوسيداد برباعية في البرنابيو    «حين تغادر اللوحة جدار المتحف»    صدارة الدوري.. سعود عبد الحميد يساهم في انتصار لانس بخماسية على باريس    سلوت يشيد بأداء ليفربول في الفوز على برايتون    بعد التأهل متصدرًا.. من يواجه الزمالك في ربع نهائي الكونفدرالية    إصابة 4 أشخاص في انقلاب توك توك بطريق السلام في المطرية بالدقهلية    مصرع طالب إثر حادث انقلاب موتوسيكل بقنا    ضبط المتهم بفيديو سرقة دراجتين ناريتين بالقاهرة    أخبار مصر اليوم: حزمة جديدة للحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأولى بالرعاية، موعد تطبيق مد سنوات التعليم الإلزامي ل 13 عامًا، حالة الطقس خلال الأسبوع الأول من رمضان    رد الهزيمة بسيناريو مماثل وتاريخي.. إنتر يفوز على يوفنتوس في الدقائق القاتلة    تفاصيل حادث حافلات مشجعي الزمالك بعد مباراة كايزر تشيفز    النائب أحمد السبكي: توسيع مظلة الحماية الاجتماعية يؤسس لمرحلة أكثر عدالة    وزير الخارجية: وضعنا خطوطًا حمراء إزاء الوضع بالسودان.. وأي تجاوز لها سيقابل برد فعل مصري صارم وقوي    عمر خيرت يروى حكايات الغرام بحفل عيد الحب فى دار الأوبرا    التنمية المحلية: تشديد الرقابة على الأسواق ومنع الألعاب النارية برمضان    «مش محتاجة لجان».. مي عمر ترد بقوة على اتهامات دعمها إلكترونيًا    زيلينسكي: أمريكا تقترح ضمانات أمنية لمدة 15 عاما.. لكن أوكرانيا تحتاج لأكثر من 20 عاما    زيلينسكي يتسلم جائزة إيوالد فون كلايست لعام 2026 تقديرا لشجاعة الأوكرانيين وصمودهم    كواليس إحباط محاولة تهريب "تاجر مخدرات" من أيدي الشرطة بقويسنا    7 أصناف من الفواكه تقلل الانتفاخ واضطرابات الهضم    تعاون أكاديمي.. جامعتا المنصورة والمستقبل العراقيّة تُعلِنان انطلاق الدراسة    تفاصيل أكبر حركة للمحافظيين 2026    تعليم دمياط يحصد وصافة الجمهورية في مسابقة أوائل الطلبة للمرحلة الثانوية    وزير «الكهرباء» يتابع مستجدات تنفيذ مشروعات تطوير هيئة «الطاقة الذرية»    أوقاف الإسكندرية تعلن خطة دعوية وقرآنية شاملة لاستقبال شهر رمضان    روشتة ذهبية للتعامل مع العاصفة الترابية.. العدوّ الخفي للجهاز التنفسي    دراسة: التغذية الصحيحة قبل الرياضة تعزز النتائج وتحمي من الإرهاق    4 دول تعلن موعد أول أيام رمضان 2026| الأربعاء أم الخميس؟    مواقيت الصلاه اليوم السبت 14فبراير 2026 فى المنيا    هل طلاق الحامل صحيح؟.. الإفتاء تُجيب    علماء الدين والاقتصاد والتغذية يدقون ناقوس الخطر: الاعتدال طريق النجاة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من وراء جريمة كترمايا التي أفزعت مصر ولبنان؟
نشر في الدستور الأصلي يوم 02 - 05 - 2010

فجرت حادثة مقتل الشاب المصري «محمد سليم مسلم» الذي تم ذبحه والتنكيل بجثته علي يد أهالي قرية «كترمايا» اللبنانية للاشتباه في قتل أربعة أفراد من القرية مشاعر المصريين واللبنانيين، صور ذبح الشاب المصري كانت مفزعة وما تم روايته عن جريمة قتل الأربعة اللبنانيين كان مفزعاً أيضاً.
وكانت السفارة المصرية في بيروت قد أصدرت بيانًا استنكرت فيه قتل المواطن المصري محمد مسلم والتمثيل بجثته «في مشهد يتنافي مع الوجه الحضاري للشعب اللبناني الشقيق، علي خلفية كون المواطن المصري مشتبهاً به في جريمة قتل أخري، مع تأكيد السفارة إدانتها للجريمة البشعة التي ارتكبت بحق الأبرياء الأربعة من المواطنين اللبنانيين»، وقالت السفارة إنها «تضع ثقتها في الدولة اللبنانية وسلطاتها المعنية وقيامها بما يستلزمه أمر هذه القضية من اتخاذ الإجراءات التي من شأنها إحقاق العدالة وتطبيق قواعد القانون».
أدان الرئيس اللبناني ميشيل سليمان قد أدان جريمة قتل محمد مسلم والتمثيل بجثته» وأعطي تعليماته بوجوب ملاحقة المرتكبين وإنزال العقوبات الصارمة بحق المقصرين، وقال سليمان في بيانه إنه «رغم بشاعة الجريمة التي نفذها المتهم، وقبضت عليه القوي الأمنية في أقل من أربع وعشرين ساعة، فإن التصرف الذي حصل يسيء إلي صورة لبنان، خصوصا أن الدولة لم تقصر في كشف الفاعل».
«الدستور» تنشر تقريرها عن حياة هذه القرية التي جرت فيها الجريمة ثم كذلك رؤية لبنانية للحادث في تقريرين من جريدة «السفير» اللبنانية للكاتب «سعدي علوه».

كترمايا أو «قرية المياه » بين مجزرة إسرائيل ومجزرة مسلَّم
محمد خير
قياسًا إلي عدد سكانها المحدود، فإن المئات الذين شاركوا في التنكيل بجثة المصري محمد سليم مسلَّم في قرية كترمايا اللبنانية، علي خلفية الاشتباه بقتله عائلة اللبناني يوسف أبومرعي، يمثلون نسبة كبيرة من سكانها الذين لا يزيدون علي خمسة آلاف نسمة ( 4560 مواطناً مسجلاً)، وعلي الرغم من أن الناخبين المسجلين في القرية يزيدون علي ثمانية آلاف ناخب، فإنه طبقًا لنظام الانتخابات اللبناني فإن المواطن ينتخب طبقًا للمنطقة المسجلة فيها عائلته في إحصاء سنة 1932، ما يعني أن العديد من أبناء قرية كترمايا يقيمون خارجها، وخاصة في العاصمة بيروت التي تبعد 41 كيلومتراً شمال كترمايا التي تتبع قضايا الشوف ضمن محافظة جبل لبنان، وترتفع كتر مايا عن سطح البحر 370 متراً، وتبلغ مساحتها أقل قليلاً من 3 كيلومترات مربعة. ولأنها اشتهرت بكثرة الينابيع والآبار فقد كان الاسم الأصلي لكترمايا هو «كفار المياه» أو قرية المياه، ثم تحوّر نطقه مع الوقت إلي «كترمايا»، وهي ضيعة اشتهرت عندما وقعت فيها مجزرة إسرائيلية في السابع من يونيو سنة 1982 أي سنة الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، في ذلك اليوم أغارت الطائرات الإسرائيلية علي «كترمايا» فقذفت وهدمت عدًدا من البيوت، ثم عادت مرة أخري أثناء دفن ضحايا الغارة لتقذفهم مجدداً، ما رفع عدد الضحايا إلي أربعين شهيداً، وفشل أهالي المصابين في نقلهم إلي مستشفيات صيدا القريبة بسبب الوجود الإسرائيلي هناك. وعلي الرغم من توافر المياه الذي كان سبباً في زيادة اعتماد «كترمايا» علي النشاط الزراعي طوال تاريخها، فإن التغييرات المدنية وسنوات الحرب الأهلية أحدثت تغييراً تدريجياً في ثقافة القرية، فاتجه معظم أبنائها نحو التجارة والعمل بين القرية والعاصمة، حتي غلب عليها الطابع التجاري. وعلي الرغم من أن المصادفة التي أدت لجريمة قتل المصري محمد مسلم بعد يوم واحد من أحكام خلية حزب الله، وأن ذلك دعا البعض لتصور أن هذه رد علي تلك، فإن الواقع يقول إن قرية كترمايا تتكون في معظمها من سكان ينتمون للطائفة السنية، وفي المركز الثاني يأتي الدروز المنتشرون في منطقة الشوف وجبل لبنان، وتعد ضيعة كترمايا من معاقل تأييد تيار 14 آذار والأكثرية اللبنانية، وبصفة خاصة هي إحد معاقل تيار المستقبل الذي يتزعمه سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني، ولأنها تنتمي لقضاء الشوف فإنها ممثلة في البرلمان اللبناني بنائب سني وآخر درزي، النائب السني هو نائب تيار المستقبل محمد الحجار، أما النائب الدرزي فهو علاء الدين ترو نائب الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يتزعمه وليد جنبلاط، ويعد الحزب الاشتراكي الجهة الحزبية اللبنانية الوحيدة التي أصدرت بيانًا استنكرت فيه قتل مسلم وهو رهن التحقيق وبين قوي الأمن اللبناني.
الخوف أن يقتصر الموضوع علي معاقبة ضباط الأمن الداخلي بتهمة «سوء تقدير الموقف».. وعدم معاقبة القتلة
هل ينتهي المشهدان الداميان اللذان عاشتهما بلدة كترمايا في اليومين الماضيين علي خطأين فادحين يحولان دون اكتشاف جناة محتملين وآخرين حقيقيين ممن ارتكبوا الجريمتين ببشاعة لا تقلّ إحداهما عن الأخري؟
يعزز هذه المخاوف أن قتل المصري محمد سليم مسلَّم قبل استكمال التحقيق، قضي علي إمكانية التعمق في التحقيق، وانتزاع اعترافه بوجود شركاء معه في الجريمة أو عدمه.
في المقابل يبدو التخوّف جلياً، بين مصادر أمنية متابعة للقضية، من أن يقتصر رد فعل الدولة علي ما حصل في كترمايا، علي الإجراءات المسلكية التي اتخذت بحق ثلاثة ضباط من قوي الأمن الداخلي بداعي «سوء تقدير الموقف»، وبالتالي امتصاص نقمة المعترضين علي ما فعله بعض الأهالي دون معاقبة القتلة. وفي الحالتين، أي حؤول قتل سليم دون تحديد وجود شريك أم لا، وعدم معاقبة قتلة سليم، تترك مرتكبي الجريمتين طلقاء.
وإذا كانت نتائج تحاليل فحوص الحمض النووي (دي.إن.إيه) التي أجرتها الشرطة القضائية قد أثبتت أن الدماء التي وجدت علي القميص المضبوط في منزل المشتبه فيه المصري محمد سليم مسلم مطابقة لدماء الضحية الجدة كوثر، فيما الدماء التي عثر عليها علي نصل السكين مطابقة لدماء الضحية الطفلة زينة، بينما تعود آثار المزيج من عرق ودماء علي قبضة السكين لمسلم نفسه، فإن دوافع مسلم لارتكابه الجريمة لم تعرف. ولم تتمكّن القوي الأمنية، وفق ما أكده مصدر أمني رفيع المستوي ل«السفير» من دفع مسلم علي مدي ساعتين من التحقيق، للاعتراف بالأسباب والدوافع، وأن الأدلة التي ظهرت بالأمس وأثبتت تورطه، كانت المدخل لتأكيد اتهامه، واستكمال التحقيق معه للتأكد من وجود شريك أم لا، خصوصاً أن والدة الفتاتين كانت مصرة علي اتهام أحد الأشخاص الذي سبق وهددها بقتلهما، وفقما قالت للمحققين.
ويدعم هذه الشكوك أنه يبدو من مسار ارتكاب الجريمة، أن قتل الفتاتين كان هو الهدف، والدليل أن المجرم قتل الجد والجدة وخبأهما وانتظر عودة زينة وآمنة من المدرسة لقتلهما. وطبعاً يأتي قتل الجدّين في إطار التحضير لقتل الفتاتين لكونه لا يمكن قتلهما دون تهيئة مسرح الجريمة وإخلائه، وهو ما أنجز عبر قتل الضحيتين الجدين يوسف وكوثر. في المقابل علمت «السفير» أن بعض المسئولين عن اتخاذ قرار اقتياد الجاني إلي مسرح الجريمة قد تنصل من إعطائه الإذن بذلك للضابط الأمني الذي نفذ المهمة بعدما ثبت، بجريمة قتل مسلم، سوء تقدير الموقف والوضع الميداني علي الأرض. علماً بأنه لا يتم تسجيل منح الإذن لكونه غالباً ما يتم عبر الهاتف وليس بالمراسلات الموثقة. وعليه، وقعت مسئولية اتخاذ القرار والمعاقبة عليه، علي الضابط المسئول عن مفرزة المنطقة المعنية بموقع الجريمة، وبالمسئول عن فصيلتها. وكان من السهل استشعار الإحساس بالمرارة لدي بعض المصادر الأمنية «التي بذلت المستحيل لكشف جريمة كترمايا الأولي، وتمكنت خلال ساعات من توقيف مشتبه فيه، عادت التحاليل الجنائية وأكدت بالأدلة تورطه في قتل الضحايا الأربعة»، من أن يقدم رجل الأمن أضحية علي مذبح «البازار» الذي تلا جريمة كترمايا الثانية، وبتحديد أدق تري المصادر عينها أنه يجب معاقبة قتلة مسلم الذين قفزوا عن الدولة وأجهزتها، وعدم الانصياع للتعاطف السياسي الملحوظ معهم. في المقابل يؤكد وزير العدل إبراهيم نجار ل«السفير» أنه لا يمكن السكوت أبداً عمّا ارتكب في كترمايا، وأن الجرم مثبت للعين المجردة وموثق بالصور والأفلام.
من جهته، قال النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا ل«السفير» إنه يتم اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمعاقبة المتورطين في جريمة كترمايا، رافضاً إعطاء أي تفاصيل إضافية إلي حين الانتهاء مما يجب فعله.
ولكن ماذا عن الحق العام في جريمة قتل محمد سليم مسلم؟
يقول المحامي فؤاد شبقلو ل«السفير» إن الحق العام بدأ مع تصريح وزير الداخلية الذي استهجن ورفض ما حصل وفتح تحقيقاً». ووفق شبقلو، لجهة ما «انتزاع مشتبه فيه خلال التحقيق معه وضربه ضرباً مبرحاً أفقده وعيه ومن ثم إخراجه من المستشفي، حيث لم يكن هناك حماية فعالة، وذبحه علناً دون حكم قضائي وبالاستناد إلي شريعة الغاب». ويضيف شبقلو إلي أسس الحق العام «التمثيل بالجثة، ثم تعليقها علي سارية مرتفعة ليراها القاصي والداني بما هو عودة إلي عهد البداوة وفعلة يشمئز لها حتي مع قاتل أو مع مشروع قاتل كما كانت صفته لحظة قتله. ولتحقيق الحق العام يشير شبقلو إلي أنه «يتمّ استعراض صور الذين شاركوا في التنكيل وارتكاب الجريمة ليصار إلي اعتقالهم والتحقيق معهم، مشيراً إلي «وجود جريمة قتل كاملة عن قصد نتيجة انفعال الأهالي الذي أدي إلي مخالفة القانون والتصدّي للقوي الأمنية».
قد يجد المعنيون بمتابعة الجريمة، التي ارتكبت بحق الحق العام قبل محمد مسلم، أعذاراً مخففة للمشاركين في قتله علي خلفية بشاعة وفظاعة الجريمة الكبيرة الأولي التي أودت بحياة مسنين وطفلتين بريئتين، لكن أبداً لا يمكن أن يكون هناك عذر محلاً من العقاب، ولو بحكم التدخلات السياسية التي بدأت بإيحاءات خجولة لكون رائحة الدم لا تزال تفوح ممزوجة ببشاعة ما ارتكب.
حين أطلق القتلة صيحات «الله أكبر» كانوا يدللون علي أنهم يطبقون الشريعة الإسلامية.. ولكن الشريعة بريئة منهم
سعدى علوه - جريدة السفير اللبنانية

تقول الآية القرآنية الكريمة «ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً»، صدق الله العلي العظيم.
قُتل الضحايا يوسف نجيب أبو مرعي وزوجته كوثر جميل أبو مرعي، وحفيدتاهما الطفلتان زينة وآمنة مظلومين وبطريقة شنيعة صدمت ليس كترمايا فقط، بل لبنان بأكمله.
في المقابل، أسرف شبان كترمايا في قتل «المشتبه به»، هذا إذا سلمنا جدلاً بأن من شاركوا في قتل محمد مسلم اعتبروا أنفسهم أولياء الضحايا وجُعِل لهم سلطان، وأنهم حين أطلقوا صيحات «الله أكبر» كانوا يؤكدون أنهم يطبقون «الشريعة الإسلامية». الشريعة الإسلامية نفسها يُنقل عن رسولها الكريم الحديث الشريف «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور»، والمثلة هنا تعني «التمثيل».
ليس نهي الشريعة الإسلامية عبر الآيات القرآنية والحديث الشريف عن الإسراف بالقتل والتمثيل بالجثة تدين وحدها ما حصل في كترمايا أمس. هي مسئولية قرار القوي الأمنية بالإتيان ب«مشتبه به»، وفق ما وصَّف مصدر أمني رفيع ل«السفير» حال المتهم محمد مسلم لحظة اقتياده إلي موقع الجريمة «لإجراء بعض التدليلات» بانتظار إثبات الأدلة التي بنيت عليها الشكوك من حوله وأدت إلي توقيفه.
اقتيد محمد «المصري» في بلد غريب إلي مسرح جريمة يعج بالأهالي الذين لم تبرد دماؤهم من هول الجريمة وبشاعتها، ولم يواروا ضحاياهم في الثري بعد. اقتيد بعدما سبقه الكلام عن أن القوي الأمنية قبضت علي الفاعل.. علي القاتل.. علي المجرم المتوحش الذي قتل الجدَّين المسنين العزل والطفلتين البريئتين.
اقتيد المتهم، الذي لا يناقش أحداً في وجوب نيله العقاب اللازم الذي ينص عليه القانون بعد إثبات إدانته وإقرانها بالدلائل، وبرفقته عدد محدود من العناصر الأمنية العاجزين عن حمايته بالتأكيد، والدليل أنه سقط من بينهم ثلاثة جرحي.
وعندما انهال شبان البلدة، الذين شاركوا في الاعتداء عليه، بالضرب بالحجارة وبالركل وبالأيدي، وُجد في كترمايا شباب آخرون قاموا بسحب محمد من بين المعتدين، ونقلوه إلي مستشفي سبلين الحكومي لإسعافه.
إذا قلنا إن العناصر الأمنية عجزت عن حمايته في مسرح الجريمة، فماذا عن المستشفي؟ ألم يكن هناك وقت تطلب فيه تعزيزات من قوي الأمن الداخلي والجيش اللبناني لمنع سحبه من طوارئ المستشفي ومن ثم ذبحه والتمثيل بجثته ونزع ملابسه الخارجية عنه ووضعه علي مقدمة إحدي السيارات والتجوال به استعراضاً في شوارع المنطقة.. وتعليقه من عنقه علي العمود الكهربائي ومن ثم سحبه وسحله علي أرض الساحة في مقابل مسجد البلدة... وماذا عن إمام كترمايا والمشايخ فيها، وواجبهم في تهدئة الناس الغاضبين، وتذكيرهم بالآيات القرآنية التي تنهي عن التمثيل بالجثث، وإن سمح الإسلام بإعدام القاتل فهو ينيط ذلك بالحاكم والسلطات وليس بالمدنيين.
وماذا عن كترمايا وصورتها، البلدة المناضلة التي قدمت أربعين شهيداً دفعة واحدة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، عدا عن الشهداء الذين سقطوا في صفوف الحركة الوطنية؟ وماذا عن مجتمع كترمايا، وهذا الاحتفال الجماعي بالاقتصاص باليد من الجاني، وكيف سينام مئات الأطفال الذين شاهدوا بأم العين كل ما جري، سواء من ركض منهم في الشوارع وراء الجثة، أو وقف يتفرج عليها معلقة علي العمود أو شارك عائلته في المراقبة والتصوير من الشرفات ومعهم أطفال لبنان كله؟
وماذا عن الصمت المطبق الذي تلي المشهد الدموي في كترمايا، وخصوصاً من قبل بعض القوي السياسية في المنطقة حيث لم يرتفع صوت واحد (باستثناء بيان للحزب التقدمي الاشتراكي) يستنكر ما حصل، بل خرج من يبرر غضب الأهالي ويحمل المسئولية للقوي الأمنية في الجريمة البشعة الأولي. إنه زمن الانتخابات البلدية أيضاً.
هل كان المعتدون ليتجرأوا علي القيام بما قاموا به لولا الجو السائد في البلاد وشعور كل فئة أنها محمية في مناطقها وتملك إدارة شئونها؟ ولولا تلك النظرة المستخفة بالدولة وأجهزتها؟ وهل كان ليحصل ما حصل مع محمد لو أنه كان لبنانياً ومن عائلة لبنانية وليس غريباً علي أرض أقل ما تشتهر به هو العنصرية تجاه الأجانب.
لم يشاهد أي إنسان في لبنان أو العالم صورة الفتاتين الضحيتين وهما حيتان، وكذلك أهملت تفاصيل حياتهما مع الجد والجدة المسنين، حتي التشييع لم يعط الاهتمام اللازم في وداع الشهداء المظلومين. أخليت المساحة، كل المساحة لصور القتل الجماعي، وللجثة التي غطت صور التنكيل والتمثيل بها الشاشات ووكالات الأنباء المحلية والعالمية. لم يغط علي بشاعة الجريمة الأولي إلا ما هو أفظع منها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.