وجدتني أتأخر كعادتي لارقب مرآها و هي (وهي – لا مسافة بعد واو العطف) تدلف إلى المقهى حيث أعمل. لا أجد أي جاذبية في مظهرها أكانت في عباءة ضيقة مخصرة أو كيلو مكياج يغرق الوجه. جاذبيتها الوحيدة تكمن في عباءة سوداء واسعة وحجاب لا يبرق منه إلا العينان في مظهر لم نعد نراه إلا في نساء اكتفوا من الدنيا عمراً. انتهي (أنتهي) من مراقبتها فادلف بدوري عبر الباب الخاص بالموظفين. اصافح زميلي الفلبيني بأسلوب القبضة المضمومة التي لا اعرف من أين جاء بها! فاتخذ مكاني خلف طاولة المحاسبة. ذلك الشيء المادي الوحيد الفاصل بيننا وبين قسم العائلات، أو كما يحلوا للبعض تسميته قسم (البنات).. أخذ حصتي فيهن من النظرات المباحة باعتبار أن ابقاء الزبون تحت الانظار يقع ضمن واجبات العمل التي تصب في النهاية من أجل راحتهم. عندما استلمت الوظيفة في بادئ الأمر كانت نظراتي لهن جبانة.. ثم ما لبثت أن صارت متلصصة. وقد تكون وقحة في لحظات أخرى عندما أتشتت بين جمال انثوي (أنثوي) لآخر لم يحلم به شاب لم يكن يعرف غير بيته ومدرسته وربما بنات الجيران. أعود لأذكر تلك المحجبة التي تختفي ما أن تدلف إلى المقهى بنفس الطريقة التي اعتاد كوبر فيلد (كوبرفيلد) أن يفعلها في ألاعيبه السحرية. تختفي ليظهر مكانها كائن أنثوي آخر. تكشف عن وجهها فقط ويكفي لتضفي بجماله نوراً يغشي عن كل ما عداهن. فبت لا أرى أو بالاحرى لا أريد أن ارى سواها، حتى تلك الفتاة المتأمركة التي اعتبرت انفتاحها معي أولى بشائر تحقق نظرية الاعجاب على طريقة الافلام العربية. لم يعد مجاراتها سوى إلتزام (التزام – همزة وصل) مهني.. أما عندما تأتي هي فإنني اقفز بنشاط غريب عني. ومع الوقت اعتدت أن أداعبها بمسابقتها الطلب: “cappuccino as usual” ترد علي بهمس باسم لا يسمعه غير القطط: “yes .. yes” اجاهد لصناعة أفضل مشروب تجود به اناملي.. تلك المشروبات الساخنة التي تتطلب بالاً طويلاً وذهناً رائقاً لم تكن يوماً ضمن جدول أعزب يتكاسل حتى في تسخين ماء لشاي، صارت صناعته والتفنن فيه متنفساً لي. انتهي من تقديمه ولا انتهي من مراقبتها. مميزة عن كل صديقاتها بصمتها الحكيم أمام فوضى كلامهم. لوحة فنية عندما ترتكن في قصي المقهى ترتشف من قهوتها وتغرق في روايتها. شغفت بقراءة ما سطره محمد علوان في رواية (سقف الكفاية) التي تقرأه. اتعمد التوقف عند نفس الصفحة التي تتوقف عندها حتى لا تختلف أفكارنا. ولأنتظر اليوم الذي ساناقشها فيه عن محتواه لأعبر عن اعجابي به وربما بها! ظننت أنه الوقت المناسب عندما وجدت عيناها تصارع دموعاً أدبية من شدة تأثرها بما تقرأه. لم يوقظني من عالمي إلا عندما شعرت بدخيل يشاركني نفس العالم. التفت إلى زميلي الفلبيني لأجده يشاطرني نفس العالم بنظراته! لم تكن نظرات آدمي لآدمية! لأنه أخرج لسانه ليبلل بها شفتاه الجائعتين! لم اجد نفسي حينها إلا و قد سحبته إلى داخل المطبخ واطوح به أرضاً و"فين يعورك يا صاحبي!". كلمات التأنيب كلها التي ألقاها المدير على مسامعي لم تكن كفيلة لاشفي غليلي من اضافة المزيد من الهضبات الجلدية في وجه ذلك الحيوان ابن ال.... المنطق وحده ما أجبره على تأنيبي ومنعه في ذات الوقت أن يطردني. وقتها فقط تذكرت أن السبب الوحيد الذي قُبلت لأجله في هذه الوظيفة الرخيصة في نظر العامة هو لارضاء فئة أخرى تريد رؤية أبناء بلدهم يخدمون في كافة المجالات لرفع شعار الوطنية. وأما العقد الخفي الذي أُبرم بيننا هو أن ابقي هويتي الوطنية داخل محفظتي بالمعنى الحرفي والمعنوي لأن راحة الزبون تتطلب ألا يخدمه واحد من نفس بلده و إلا فإنه سيفقد عنصر التعالي الذي نشأ عليه. وبالنسبة لهن فإن نظرتي ونظرة أي رجل من أبناء البلد ستكون نظرة جائع لعشيقة أو حرمة. بعكس نظرات الاجنبي العابرة التي لا تحرك شيئاً في غرائزيته باعتباره غير مكبوت مثلنا. ولم أفهم هذا المنطق وقتها!! لم افهمه إلا عندما سبقت ذلك الحيوان ابن ال.... لخدمتها.. تعمدت استبدال تصنعي الأجنبي إلى لغة لساني الاصلية: "مرحبا.. ايش حابة تطلبي؟" فهمت هذا المنطق عندما انقلب حسن وجهها إلى خجل متبوع بصدمة قاتلة ألجمتها لوقت ليس بالهين.. فلم يهن أن اتركها واقفة اكثر.. فأكملت: "كابتشينو زي العادة.. اتفضلي استريحي لحد ما يجهز الطلب" اشاحت عني بأسرع ما يمكن.. ثم ظلت طوال هذا اليوم مديرة ظهرها عني. لم يعد مسموحاً لي أن أراها عندما صرت أخاها في الوطن. وقد فرحت لأنني بذلك قد انتصرت على نظرات ذلك الحيوان ابن ال.... و رغم ذلك ظلت تداوم على الحضور وتطلب نفس الطلب. أصبحت تعاملني كآلة صماء.. تجلس في نفس المقعد. توقفت عن متابعة (سقف الكفاية).. تستطيع عيني أن تخترق حجابها لترسم ملامح وجهها الخالد ولكنني اعجز عن رسمه مبتسماً!.. سحرها قد أُبطل عندما صرت أرى نفس الفتاة المحجبة التي تدلف في الوقت المعتاد ولا يظهر منها إلا عيناها تدخل وتخرج كأي زبونة أخرى. لقد انطفئت بسببي لأني كشفت حقيقتي لها.. وليتني لم أفعل!.. لم تستطع أن تعاقبني بنفسها.. فقررت أن أعاقب نفسي بالنيابة عنها وذلك بترك المكان لها بداعي التفرغ للدراسة والذي كان سبب التحاقي بالمكان.. فيما عدا تغير الظروف! عرفت أنني اكذب على نفسي عندما تعللت تركي للمكان بداعي المذاكرة.. فوجهها لم يفارقني لحظة عند صفحة كل كتاب دراسي تصفحته. بل أنني قد أتنحى لقراءة الرواية لعل وعسى يقضي ذكراها على بعض من هذا الشغف. لا فائدة فقد ظلت تلاحقني حتى عندما اريح عيناي باغماضها. وعندها يترأى لي وجهها الذي اشتقت كثيراً إليه.. فتارة أراه من غير حجابه.. فاتشجع لاقترب منها وامد يدي!.. أمده بتردد حتى ال.. !! تباً! .. إنه يلاحقني حتى في أحلامي! .. ذلك الحيوان ابن ال.... رقمه يضيء شاشة جوالي.. رددت عليه بكل سخط بقي له عندي. فلم يمر أقل من دقيقة حتى وددت تجاوز الجوال كي أعانقه عناق الاحباب عندما طلب مني الحضور إلى المقهى حالاً ليسلمني رسالة منها. لم اضع في اعتباري أي شيء سوى أناقة مظهري عندما وصلت إليه. عانقته على عجالة متناسياً بذلك كل الاحقاد. فاختطفت منه الرواية التي كما قال لي أنها تركت فيه الرسالة. تجاوزت كل صفحاته.. لأجد ورقة مختبئة بينها وقد دونت عليها بخطها الانيق رقم جوال وعنوان عمل يخص رجلاً اجزم أنه والدها!.. اكتفيت بهذه النظرة.. و عندها لم اجد نفسي إلا وقد تبسمت.
إحسان جمبي * الكلمات بالفنط العريض بين قوسين هي تصحيح لبعض الأخطاء فقط.، سواء لغوية أو نحوية أو في علامات الترقيم. التعليق: قصة جيدة، محكمة البناء، ودقيقة اللغة رغم كثرة الأخطاء النحوية والإملائية. تتميز بالقدرة على الغوص في النفس البشرية دون مباشرة وإنما عبر تجسيد السلوك والفعل، وإبراز التناقضات التي تعيشها الفتاة العربية المعاصرة وخاصة في بلدان الخليج. د. سيد البحراوي أستاذ الأدب العربي الحديث بكلية الآداب، جامعة القاهرة