أسعار الفاكهة اليوم الثلاثاء 3 مارس في سوق العبور للجملة    محمود حامد يكتب: فاتورة اقتصاد العالم وتداعيات الحرب الدائرة    التنمية المحلية: 112 ألف مواطن استفادوا من أنشطة "وحدة السكان" خلال شهر فبراير    الرقابة المالية تطور ضوابط الترخيص للوظائف بشركات التمويل غير المصرفى    رئيس مجموعة البنك الدولى يؤكد دعم مصر فى مجال رفع معدلات النمو والتشغيل    ممثل الرئيس الروسي للاستثمار: إغلاق مضيق هرمز يحدث اضطرابات خطيرة في السلع عالميا    عاجل| الحكومة البريطانية: لن نخوض حربا في إيران وعلاقتنا مع واشنطن مهمة    وزير الخارجية يبحث مع نظيريه من بلغاريا والجبل الأسود التصعيد فى المنطقة    إير فرانس: تعليق الرحلات من وإلى إسرائيل وبيروت ودبى والرياض حتى 5 مارس    مونديال الاستثناءات تحت حصار الأزمات قبل 100 يوم على الانطلاق.. قيود ترامب تثير الغضب قبل كأس العالم 2026.. إيران تدرس الانسحاب بعد اندلاع الحرب والعراق يترقب.. وفوضى أمنية فى المكسيك بسبب عصابات المخدرات    يتعاطى حشيش، إحالة سائق سيارة نقل متهم بدهس شخص بالتجمع للمحاكمة    إصابة 13 شخصا إثر حادث تصادم سيارة نقل بميكروباص على طريق بلبيس العاشر    طقس اليوم الثلاثاء.. الأرصاد تعلن بدء تحسن الأحوال الجوية    تجديد حبس سائق بتهمة التعدي بالضرب على موظف في عين شمس    أخبار فاتتك وأنت نائم| حريق في السفارة الأمريكية..خناقة حريمي.. شظايا وسط إسرائيل    محافظ الوادي الجديد: اتخاذ خطوات تنفيذية لوضع حجر الأساس لأول جامعة تكنولوجية بمركز بلاط    ألفت إمام: زواجي كزوجة ثانية لم يكن تنازلًا بالإجبار.. اخترت رجلًا ناضجًا    حد أقصى حلقة 13، رسالة خاصة من صناع العمل للفتيات بعد مشهد ابتزاز صابرين    "الست موناليزا" تكتسح تريند جوجل... حلقة 12 تقلب الموازين ومي عمر تتوهج في رمضان 2026    قصور الثقافة تشارك في معرض فيصل للكتاب بأكثر من 200 عنوان وفعاليات فنية وأنشطة للأطفال    ليلة طرب في الشيخ زايد.. محمد عدوية يحيي سهرة رمضانية ويُشعل الأجواء بأغانيه وأعمال والده الأسطورة    الكينج يشعل محركات البحث.. الحلقة 13 تقلب الموازين وتحلق بمحمد إمام إلى صدارة تريند جوجل    الأسباب الأكثر شيوعا للدوار    وفاة طفلة وإصابة 4 آخرين بتسمم غذائي في الوادي الجديد    محافظ المنوفية يجري زيارة مفاجئة لمستشفى الحميات بشبين الكوم    بروتوكول تعاون بين جامعة الأزهر ومديرية الصحة بمطروح لتطوير الخدمات الطبية    عميد طب جامعة طنطا يتفقد مستشفى سرطان الأطفال الجامعي    30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة - الإسكندرية».. الثلاثاء 3 مارس 2026    كردون أمني حول قرية طوخ الخيل بالمنيا بعد مقتل شاب في مشاجرة عائلية    بينهم مصر| الخارجية الأمريكية تدعو رعاياها لمغادرة أكثر من 12 دولة    تفاصيل الهجوم على السفارة الأمريكية في الرياض    الحرس الثوري: عدد قتلى وجرحى العسكريين الأمريكيين بلغ 650    مجلس الزمالك يقرر منح ممدوح عباس الرئاسة الشرفية للنادي    أودينيزي يشعل صراع البقاء في إيطاليا بالفوز على فيورنتينا    هشام نصر: تصدر الزمالك ثمرة دعم الجماهير.. وتصعيد 7 ناشئين دليل على قوة النادى    تقدم في مفاوضات تجديد عقد فلاهوفيتش مع يوفنتوس    قبل أن تنفجر العبوة.. انفجرت القيادة في «رأس الأفعى»    ترامب: الديمقراطيون سينتقدون حتى لو لم نهاجم إيران    صدام الأختين.. مواجهة نارية بين سينتيا خليفة وياسمين عبد العزيز في "وننسى اللي كان"    وفاة ماجد حسنى رئيس مجلس إدارة شركة دير جيست والنجوم ينعونه    خسوف كلي للقمر تزامنًا مع بدر رمضان.. تعرف على المدة وكيفية أداء الصلاة    دعاء الليلة الثالثة عشر من شهر رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    أحمد موسى: ليس لدينا أزمة في أي سلعة.. ونحمد ربنا على النعم اللي إحنا فيها الأمن والأمان لا يُقدر بمال    رئيس الوفد يشكل لجنة لتحويل الصحيفة والبوابة إلى مؤسسة متكاملة    ننشر حركة تنقلات رؤساء الأحياء في بورسعيد    مدرب منتخب مصر للكرة النسائية: مكاسب عديدة من مباراتي الجزائر الوديتين    تعرف على نتائج اليوم الثانى من دورة المتحدة الرمضانية    نجوم دولة التلاوة يواصلون إحياء الليلة ال13 من رمضان بتلاوات ندية    رمضان.. مرآةُ النفسِ والوجدان    الأمن العام الأردنى ينفى مقتل مصرى ب«شظايا إيرانية»: عيار نارى وراء الحادث    كهرباء الإسماعيلية يقطع صيام ال39 يومًا بثنائية في شباك فاركو    بعد مشهد الابتزاز الإلكترونى بمسلسل حد أقصى.. اعرف كيفية التصرف الصحيح    باحث بجامعة بني سويف يشارك في تطوير أصعب اختبارات الذكاء الاصطناعي عالميًا    أحمد موسى يناشد مدبولي بتوضيح تأثيرات الحرب الإيرانية على المصريين: الرأي العام يتحمل أي إجراء عندما نصارحه    رئيس حزب الوفد يعين ثروت الخرباوي مستشارًا قانونيًا للحزب ومؤسسته الإعلامية    بدون حرمان من الحلويات في رمضان، نظام منخفض السكر لتقليل ارتفاع الأنسولين    المستشار هشام بدوي يرفع جلسة النواب، وعودة الانعقاد عقب إجازة عيد الفطر    مدبولي: توجيهات رئاسية باستمرار تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوميات الاخبار
صفاء
نشر في الأخبار يوم 17 - 01 - 2012

"ياه، أي مفاجئة؟ كانت تقف متطلعة إليََّ. منها البدء والسريان ابتسامة طلتها الشجية"
طلب مني الانتظار حتي يأتي من سيصحبني الي الغرفة الصغيرة المخصصة لأخذ العينات فتمنيت أن تكون هي، لا أذكر بالضبط اسمها، صفاء، صفية، لكنها ما ثلة عندي ماتزال بهدوئها المبلسم، بعينيها التي تنزحان من يم آمن، جلست في نهاية القاعة ممسكا بكتاب لأمضي الوقت الفاصل بين العينة الأولي والثانية. ساعتان بالضبط، لا أنقص ولا أقل بدءا من تناول الإفطار، داخل مظروف ابيض شطيرتان بالجبن، اختصارا للوقت الذي سأقطعه حتي بلوغي المقهي الإفرنجي الذي يقع علي مسيرة عشرة دقائق من المبني حيث مكاتب الاطباء، ومعامل التحليل والاشعة، وقسطرة القلب. أرقب المرضي، بعضهم من اقطار عربية، من الريف، تمضي الخطوات بنظام، بين الحين والحين تخرج احدي الممرضات لتنادي اسما فيلبي صاحبه.
دافعي لرؤيتها مغاير، ليس نزوع رجل الي أنثي، انما تلمسا لدفء غامض وبث هاديء غمرني المرة الأولي بفيض فايقنت من دخولي بحر الهدوء والوفا. عيناها تذيعان الطمأنينة والدعة تأتيان بالسكينة المفتقدة والسلوي المنجية، كأنها خلقت لتثبت الهدوء والراحة في قلوب المرضي، تؤدي بتلقائية، لا تفتعل العناية، كأني أول مرضاها، كأنها تبدأ يومها معي، مع ثقتي انها قضت أمور العديدين قبلي. نطقها وثير، مدثر بابتسامة، جزء من تكوين ملامحها، قصيرة كأوقات الراحة ممتلئة بغير إفراط، ناهضة إلي أعلي .
ماذا.. هل يحتاج المرء الي طلة أمومية وهو قاب قوسين أو ادني من الغروب؟ أم لطول السعي منفردا بعد سفر أمي إلي هناك. هذا الفهم الصامت الادراك لما يعتمل في الأغوار بدونٍ حوار. بلا أي لفظ البذل بدون انتظار مقابل، رغم طول المدة الا ان هبة مفاجئة تعبرني. محملة بالحنين الي لحظات امومية غاربة. لكن لصفاء أو صفية تلك حضور تتداخل فيه عوامل شتي، طلة عينيها، نقاء تعابيرها، هل أصف ما بداخلي؟ أم أستوحي منها؟
لا أدري، لكنني خلال السنوات الأخيرة استنتج الكثير من العابر، المؤقت أو ما يفصلني عنه مسافة، فكأن حواري معي. وبحثي في، أعود سيرتي الأولي، زمن مراهقتي وفتوتي، عندما أحببت من طرف واحد، لكم عانيت من أجلهن. ابتعدت ونأين عن محيط بصري ومكاني،لم يصلني منهن، ولم يعرفن عني، خلال الحقبة المولية أتطلع الي من يعبرون حواسي، كأني راكب داخل قطار بدأ يتحرك عند لمح من يخيل إليه إنه يبحث عنها زمنا فيقضي بقية الرحلة متخيلا ما كان يمكن أن يكون وما لم يكن، ألم أخصص دفترا دونت فيه بعضا من تلك الأحوال. أطيل التحديق والتقليب بالمخيلة لكنني موغل في كمون!
آه.. ليست هي.
من تنادي اسمي نحيلة، طويلة، سمراء، ترتدي المعطف الأبيض، مثبت إليه بطاقة صغيرة مكتوب اسمها. لم أهتم، لم أعن بقراءته. تبعتها إلي الغرفة الصغيرة، هي هي، عين المكان، المساحة التي احتوتني بصحبة صفاء أو صفية، كيف يختلط علي اسمها؟ النسيان من علامات الحقبة.
لم تسألني عن عدد ساعات الصيام كما فعلت صفاء أو صفية، تقدم علي اشهار الحقنة فورا. تضعها فوق المنضدة. لم أدعها تطلب مني فرد ذراعي، أعرف المطلوب مني، تطلعت الي باطن ذراعي، بأصبع واحد تحسست الوريد، يبدو أن أمرها أستقر تناولت الرباط الملون، عليه رسوم مرحة. أزرق. أحمر. أصفر.
درت بوجهي حتي لا أري دخول الإبرة في سطح جلدي، تنفذ منه إلي صميم الوريد، آلمتني الوخزة غير أن هذا لم أعره إهتماما، ما أخشاه رؤية السن النحيل، الرفيع، يلج الجلد، ليس بالنسبة لي. إنما لأي شخص. غريب أمري. لم أخش رؤية أهوال الحرب، خاصة ما يتصل بالجسد البشري وفعل الشظايا الملتهبة بالتكوين وبعثرتها للمنظومة. لم أرتجف لرؤية هذا كله. لكم شاهدت. ولا اقدر علي رؤية وخزة إبرة ! سحبة مؤلمة. دماء غامقة، ياقوتية قاتمة. فيها شفرتي ومكونات سعيي كانت تفرغ بعض القطرات في انابيب مختلفة، تضع قطرة فوق قطعة صغيرة مستطيلة من زجاج، تبسطها بقطعة أخري. تؤدي عملها بآلية. صفاء أو صفية قامت بهذا كله وعيناها تتطلعان الي من أسفل إلي أعلي برفقة ظل الإبتسامة الدائمة ".بعد ساعتين من الافطار يمكنك أن تعطي العينة الأخري ".
ثم قالت كأنها تسجيل صوتي
"الإفطار يجب الا يتجاوز عشر دقائق.."
اومأت برأسي شاكرا، أقدمت علي النهوض، سارعت : "انتظر.."
وضعت الغطاء الدائري الطبي فوق موضع الوخزة اتقاء للتلوث. في المرة السابقة جري هذا كله بسلاسة، بهدوء ويسر، واستكانة مني، خرجت من الباب الي السلم، أخرجت الشطيرة لأبدأ إلتهامها علي الفور تقصيرا للوقت. كنت أقضم لقيمات صغيرة، أمضغ علي مهل، افطار ضرورة.
العاشرة صباحا
الشوارع هادئة الضوء قوي، العربات تصطف علي الجانبين، منذ حوالي اربعين عاما كانت المنطقة كلها اراض زراعية. حدود المباني المتحف الزراعي. وزارة الزراعة. عادتي اليومية بعد مفارقة المكتب، انتهاء يوم عمل، ان امشي في الشوارع الظليلة. تحت اغصان الأشجار المورقة، ما بين ميدان فيني وشارع الدقي كان عدد العربات محدودا والمارة أقل، المنطقة أهدأ. الآن تمتد البنايات الحديثة لتعبر خط السكة الحديدية الي الغرب. تتآكل المساحة الخضراء بسرعة مخيفة، حتي وقت قريب كانت منطقة المهندسين تلك الأرقي، يستقر فيها الأثرياء والمثقفون ميسورو الحال، بعر ان اكتظت اكتشف البعض المنطقة الريفية القريبة من الأهرام ظهرت القصور المسورة علي ضفتي ترعتي المنصورية والمريوطية، قلت بصوت مرتفع.
"الاثرياء يفضلون السكن بعيدا عن الحواف..
بعد نطقي لاحظت خلو الطريق ربما لان اليوم احد، عطلة الكثير من المتاجر حتي الناصية فرغت من الشطيرتين. تمنيت لو تناولت أفطاري العادي لبن زبادي كوب قهوة باللبن ملعقة عسل نحل لكن توفير هذا صعب والبيت بعيد في المعادي قصدت المقهي الذي اعتدته المرات الماضية، افرنجي الطابع لكنه يقدم النرجيلة رغم انقطاعي عنها منذ سنوات الا انني أقدم علي مسافات متباعدة.
لا أحد..
جلست الي المنضدة القريبة من الطريق منتظرا، مرٌ حوالي ربع ساعة قبل ان افاجآ بالرجل نفسه، يمسك بالنرجيلة، صباح الخير، صباح النور، اسندها أمامي، بقطعة ورق مقوي راح يحرك الهواء لألهاب الجمرات، أدركت أنه بدأ تسخين الفحم لحظه دخولي، رآني من مكانه في الداخل ولم أره، من الطبيعي أن أتعرف عليه، لكنه يري يومياً كثيرين لم أتردد ألا ثلاث مرات.علي أمتداد ثلاث شهور، لابد انه فرادة الموعد الذي أظهرفيه، من الواضح أن العمل الكثيف يكون ليلاً أو بعد الظهر، ربما يفتح ابوابه ليلاً ونهاراً، معظم المقاهي الآن تفتح أبوابها ليلاً ونهاراً، عندما بدأت ارتيادها في أوئل الستينيات من القرن الماضي، كان المقهي الوحيد المسموح له بالسهر حتي الصباح، الفيشاوي في الجمالية، ومكان آخر للعابرين لم أعترف به كمقهي قط. بوفيه محطة مصر. تري..
أين كانت صفاء أو صفية وقتئذ؟، لا أظنها ولدت بعد، ملامحها كما تلوح لي متجاوزة للثلاثين، سنوات معدودة بعدها، في هذه
اللحظه أستعدت ذلك الشجن الرهيف الساري من طلتها، ثمة شيء ما، لا أدري، لكن تمنيت رؤيتها مرة أخري، لا أستطيع أن أطلب ممرضه بالتحديد لأخذ العينة، لهم نظامهم، علاقتي ليست حميمة بالمكان.
قرأت صفحات من كتاب بدأته أمس، " أساطير معبد أدفو "، عندما جاء الرجل مرة أخري ليضع أمامي قائمة الطلبات المطبوعة.
" من فضلك، ممكن أشرب قهوه باللبن وبدون سكر.. "
كرر
بدون سكر؟! "
أومأت مؤكداً، عدت إلي القراءة، إلي متابعة شرح طقوس بناء المعبد، علاقة إتجاهه بالجهات الأربع الأصلية والفرعية. وضع إناء من الفخار ممتليء إلي نصفه باللبن، الكوب الآخر تفوح منه رائحة القهوة سريعة الذوبان، أمسك بإناء اللبن، راح يصب منه بعناية إلي أن أشرب بيدي شاكراً، بدأت عندئذ فتح زجاجة المياه المعدنية، أدركني خجل يمكنني أن أقوم بهذا، عاد بعد دقائق ليقول إنه لاحظ ضيقي بالحر، يمكنني أن أنتقل إلي الداخل، يوجد تكييف قام بتشغيله، والحرارة الآن هادئة، محتملة
" لا..لا يا أستاذ.. "
الحادية عشرة
أصر علي أن يحمل النرجيلة، تقدمني إلي الداخل، أخترت المنضدة في الركن، رغم خلو المقهي تماماً الا أنني أوثر موضعاً يمكنني منه رؤية المكان كله خاصة إذا كنت مفرداً، أرقب هذا، وأصف ذلك بكلمات غير منطوقة، أرقب اختلاف الشرب، ونفث الدخان، وتطلع كل منهما الآخر،
جاء الرجل ليسألني اذا كنت في حاجة إلي شيء، طلبت تجديد حجر النرجيلة، عندما عاد ليثبته بدا دقيقاً، حريصاً لم أدري كيف يراني؟ المقهي علي مسافة من العمل، لا أظنه يخمن صلتي بالافكار، إضطراري إليه بسرعة، في المرات السابقه تناولت بعض البسكويت، لم أقدم هذه المرة، يبدو ضالعاً في الصنعه رغم حداثه مظهره ، من الأصول التي رواها لي عم عبده نادل مقهي الفيشاوي المخضرم، أنه لابد من البشاشة والعناية بالزبون اياً كان، فهو في حقيقته ضيف، وللضيافة أصول، لابد أن يكون القهوجي قادراً علي أبداء العناية بالجميع ، أن يشعر كل منهم أنه المعني، المقصود، وألا يثقل عليه إذا كان منفرداً،ألا أذا لاح منه وهن، أو بدا عليه ألم، كما يجب أن تكون ذاكرته قوية ! رحم الله عم عبده، رحل في المقهي، في المكان الذي لم يعرف غيره، عرف المهنة أباً عن جد، يمثل وجهه البشوش في ذروة الزحام، طاقيته البيضاء، حضوره الحميم، استعيد لحظة من مدينة ليل الفرنسية، رجل بدين ، أسمر يرتدي قبعةً داخل بار يقع علي الناصية، يجلس علي الكرسي المرتفع، يتحدث إلي النادل الذي كان يتحرك باستمرار، مالئا الكئوس بالنبيذ، والأكواب كبيرة الحجم بالبيرة مختلفة الألوان، لحظات تبادله الحديث مع الأسمر تتصل الحميمية، يرفع كأسه تحية، شارباً نخبة، أبتسامات مُرحبة، مصادرها أزمنة متباعدة، وجوه مختلفة يتردد صداها عندي، لاقيت أصحابها هنا وهناك.
رغم أن الرجل لم يتردد عليَ ألا مرات محدودات،ألا أنه خلف عندي أثراً كأنه أمضي المدة كلها بصحبتي، كنت متأثراً لصدق وده ، خجلاً من أبداء العناية، خفف عني مضي المدة، عندما عدت إلي الطريق أدركت السرعه التي مضي بها الوقت رغم صعوبة الفترة في البداية، بدت ممتدة كأنها لن تنتهي، مع قناعتي أن كل ساعة ستولي مهما بدا منها ولها.
في صالة العمل كان العدد أقل، الهدوء عينه، النظام ، الهواء المكيف، رجال الأمن الخاص، ثلاثة، أولهم يقف عند الباب الخارجي، الثاني إلي مكتب في الصالة بواجه القسم الذي يتم فيه الدفع وتوزيع المرضي علي الممرضات، الثالث عند مدخل الممر المؤدي إلي العمل، حيث الفحص والتدقيق،
جلست هادئا مترقرقا، أنوي للقدوم الي المقهي في ايام اخري مواقيت عادية لا ترتبط بظروف صحية عارضة أو طارئة، سمعت اسمي بدا الصوت مختلفا. إنها صفاء .. هي .. هي ..
ياه اي مفاجئة كانت تقف متطلعة اليٌ، منها البدء والسريان ابتسامة طلتها الشجيانة لم أتوقع هذا قط ظننت من اخذت الأولي ستأخذ الثانية. هذه المرة لابد ان استوثق اسمها ابذل الجهد لعل وعسي، بادلتها النظر راضيا وشخصت اليها مودعا..
عبدالكريم درويش في الذكري
الأربعاء :
رغم أن اسمه كان ماثلا أمامي باستمرار، حاضرا بقوة كأحد الوجوه المثقفة البارزة من المؤسسة الأمنية المصرية، إلا انني اقتربت منه أكثر بعد أن تعرفت علي السيدة الرائعة قرينته التي ارتبطت بالدفاع عن قيم أصيلة في حياتنا، المواطنة، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، ولكن تمنيت أن تذاع محاضر وجلسات لجنة المواطنة علي الهواء والتي ترأسها الدكتورة ليلي تكلا، قرينة الدكتور عبدالكريم درويش الذي رحل منذ أربعين يوما إلي رحاب الله. إن ارتباطهما في حد ذاته يعكس موقف كل منهما الأصيل من الحياة المشتركة القائمة علي التفاهم العميق والمحبة أيا كان اختلاف العقائد، كانت جنازته مهيبة، خاصة هذه الصفوف من طلبته وغرسه في مجال الأمن. أعاد تنظيم كلية الشرطة وأسس الأكاديمية. أنشأ معهد تدريب ضباط الشرطة ومركز تدريب القادة. ساهم في إنشاء العديد من المعاهد الأمنية في الدول العربية حتي حصل علي لقب »أبوالشرطة العصرية في العالم العربي« الذي أجرٹه الإمارات. من مؤسسي مفهوم جديد لحقوق الإنسان، أسس لما يعرف بنظام البصمة الواحدة للاستعانة بها في التحقيق الجنائي والتعرف علي الجناة دون تعذيب أو ايذاء بدني. أدخل نظام ضابطات الشرطة المتخصصات للعمل في مجالات عمل المرأة مثل المستشفيات وسجون النساء وحماية الآداب ورعاية الأحداث، كان أول مصري يحصل علي درجة الدكتوراة في الإدارة العامة حصل عليها بتفوق وتكريم من جامعة نيويورك وساهم في إنشاء الاتحاد العام للإدارة وله العديد من المؤلفات العلمية القيمة في هذا المجال. كان له دور نشط في أعمال الفدائيين ضد قوات الاحتلال البريطاني في منطقة القناة وقد سجل ذلك وجيه أباظة »صفحات من النضال الوطني في القناة«، نشاطه في مجال الرياضة لا يقل عن عطائه في مجال الشرطة، هو الذي أنشأ القرية الأوليمبية. كان النائب الأول لرئيس اتحاد اللجان الأوليمبية العربية والافريقية. ونائب الاتحاد العالمي للتايكوندو اللعبة التي كان يتقنها. المواقع التي خدم فيها تحتاج إلي صفحات لحصرها، ولكن يظل موقفه المضاد لاستخدام العنف البدني مع المواطنين من أجل مواقفه وكان اصراره عليه سببا في اعتذاره عن عدم قبول وزارة الداخلية في السنوات الماضية، أما المشهد الذي يدفع بالدكتورة ليلي تكلا الشخصية القوية إلي حافة الدمع، فهو وقوف المئات من طلبة أكاديمية الشرطة عند مرور جثمانه أمامهم وأداء التحية العسكرية وإجهاش بعضهم بالبكاء، انه حزن الأبناء الحقيقي علي رجل كان يمثل قيمة العلم وقيمة الإنسانية.
من ديوان الشعر العربي
قال ابن الرومي :
ستألفُ فقدان الذي قد فقدتهُ
كإلفك وجدان الذي أنت واجِدُ
من ديوان النثر العربي
قال ابن عطاء الله السكندري في حكمه:
ولأَنَ تَصحَب جاهلا لا يرضي عن نَفسهِ
خيرٌ لك من أن تَصحَب عالما يرضي عن نَفسهِ
فأيٌ علمٍ لعالِم يرضي عن نَفسهِ
وأي جهلٍ لجاهلٍ لا يرضي عن نَفسهِ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.