شاهد، أحدث تصوير جوي لمشروع محطة تحيا مصر 2 متعددة الأغراض بميناء الدخيلة    إقالة مدير هيئة الأركان المشتركة الأمريكية بعد نحو 3 أشهر من توليه المنصب، ما علاقة حرب إيران    حجز صاحبة كيان تعليمي وهمي متهمة بالنصب على المواطنين    واشنطن تخفف الحظر عن صادرات النفط الفنزويلي لكوبا    كوريا الشمالية تهدد بتدمير جارتها الجنوبية بالكامل    أسعار الخضروات واللحوم والدواجن في الأسواق    خلال اجتماعها الأسبوعي| الحكومة تصدر 12 قرارًا هامًا.. تعرف عليهم    الموت يفجع الإذاعة المصرية بوفاة "شيخ الإذاعيين".. تفاصيل    سحب لبن أطفال شهير من الأسواق بسبب الاشتباه في مادة بكتيرية    كشف ملابسات فيديو مشادة بين قائد سيارة ومندوب توصيل بالشيخ زايد    عربة كارو تنهي حياة طفل أثناء لهوه بدراجته في الهرم    كيف يقضي وزير التعليم على الفترات المسائية بالمدارس؟    زيارة كامل إدريس إلى القاهرة.. أبرز الملفات على طاولة المباحثات مع القيادة المصرية    فانس: ترامب يفضل الدبلوماسية مع إيران.. ولديه خيارات أخرى    محمد فاضل: أقرب عمل لقلبي هو اللي لسه ماعملتوش.. ولا أتخلى عن بروفة الترابيزة    ردد الآن| دعاء صلاة الفجر.. «اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه    60 دقيقة متوسط تأخيرات قطارات الصعيد.. الخميس 26 فبراير    كيفية الوقاية من أعراض الحموضة وآلام المعدة أثناء الصيام (فيديو)    بشرى: ما بين النقد والتنمر شعرة رفيعة.. وأولادي هم الحقيقة الوحيدة في حياتي    حفظ التحقيقات في بلاغ اتهام أرملة لاعب الزمالك الراحل إبراهيم شيكا بسرقة أعضائه    الزمالك يحصل على قرض بضمان حقوق الرعاية لمواجهة الأزمة المالية    بشرى عن محمد رمضان: نجم مصر.. فاهم السوق والأرقام تدعمه    متحدث الصحة: إدخال تقنية الروبوت الجراحي لتطوير أدوات تقديم الخدمة الصحية للمواطنين    مساعد رئيس هيئة الدواء: 91% من الأدوية المتداولة محلية الصنع.. وسوق الدواء تجاوز 422 مليار جنيه في 2025    بشرى: مؤمنة بالحسد والسحر.. وفي رجالة عينها وحشة زي الستات    ليلة دامية في البورصة.. 75.6 مليار جنيه تتبخر من قيم الأسهم.. والمستثمرون الأفراد الأكثر خسارة    ميدو جابر: كنا بحاجة للفوز أمام مودرن سبورت    الإمارات وبلجيكا تؤكدان ضرورة خفض التصعيد وإرساء السلام    بعد عرض الحلقة 8.. «على قد الحب» الأعلى مشاهدة في مصر والصورة الأجمل في رمضان    إلهام شاهين عن نيتها التبرع بأعضائها بعد الوفاة: أقنعت أسرتي.. وليكون صدقة جارية    الداخلية تكشف ملابسات محاولة سرقة شقة سكنية بعد تسلق عقار بالبساتين    "رأس الأفعى" ينكش عش الدبابير.. كواليس ليلة الانشطار الكبير داخل دهاليز الإخوان    اكتمل العقد، الأندية المتأهلة لثمن نهائي دوري أبطال أوروبا رسميا    تعرف على موعد قرعة دور ال16 لدوري أبطال أوروبا    الداخلية تكشف ملابسات فيديو لشخص يرقص بطريقة غير متزنة| فيديو    أحمد ماهر يوضح ملابسات فيديو والد رامز جلال    أمير كرارة يلقي القبض على منتصر أحد معاوني محمود عزت في الحلقة الثامنة من «رأس الأفعى»    «فن الحرب» في أسبوعه الأول برمضان 2026.. لعبة الانتقام تبدأ بخطوة محسوبة وتصاعد درامي يمهد لمواجهة كبرى    سجلت 106.7 مليار جنيه.. المصرية للاتصالات تحقق إيرادات تاريخية خلال 2025    كبار القراء ونجوم دولة التلاوة يحيون ثامن ليالي رمضان بتلاوات ندية وابتهالات روحانية بالمساجد الكبرى    برعاية شيخ الأزهر.. نقابة الصحفيين تطلق مسابقة حفظ القرآن لأعضائها وأسرهم    "أيام الله في رمضان ومساعدة الزوج لزوجته"، الأوقاف تنشر نص خطبة ثاني جمعة في رمضان    ريال مدريد يتصدر قائمة الأكثر تأهلًا للأدوار الإقصائية بدورى أبطال أوروبا    احتجاز المحامي علي أيوب على خلفية تخاصم مع وزيرة الثقافة".. وغضب حقوقي ومطالبات بالإفراج الفوري    غلق وتشميع 11 منشأة طبية خاصة خلال حملة مكبرة بمركز العسيرات فى سوهاج    ضبط صانعي محتوى نشروا مقاطع مسيئة وتتنافى مع القيم المجتمعية    ميدو جابر رجل مباراة المصرى ومودرن سبورت    دعاء الليلة الثامنة من رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    ناصر ماهر يصل لهدفه ال7 ويزاحم عدى الدباغ على لقب هداف الدورى    جاهزية بيزيرا مع الزمالك قبل مواجهة بيراميدز بالدوري    انطلاق "ليالي رمضان الثقافية والفنية" في المنيا بكورنيش النيل    وزير الاستثمار: الدولة حريصة على توفير مناخ استثماري جاذب ومستقر يدعم التوسع في المشروعات المستدامة    القومي للمرأة بالإسماعيلية يقدم 350 وجبة يوميًّا خلال شهر رمضان المبارك    خالد الصاوي يروي موقفًا غيَر حياته: نمت أثناء قراءة التشهد في صلاة الفجر    إيران وأرمينيا تبحثان قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي والتعاون الثنائي    وفاة الشيخ أحمد منصور «حكيم سيناء» أشهر معالج بالأعشاب فى سانت كاترين    شيخ الأزهر ناعيا العالم محمد هيتو: من أبرز من خدموا المكتبة الإسلامية والمذهب الشافعي    بث مباشر النصر في اختبار صعب أمام النجمة بالدوري السعودي.. مواجهة حاسمة على صدارة روشن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. أحمد خالد توفيق يكتب.. أكواريل (2)
نشر في بص وطل يوم 13 - 11 - 2012


يا لخيوط العناكب!
كانت تلتصق بثيابه وشعره.. كان الغبار يغطّي حاجبيه وأهدابه، وقد عرف هذا عندما رمش بعينيه، فصارت الدنيا كلها بلون التراب..
راح يسعل.. وبصق عدة مرات غير مبالٍ بأن الأرض اتّسخت.. البصقة مع كل هذا التراب تنظف مكانها!
هكذا جلس في الصالة على الأريكة المتسخة وراح يحاول تأمل اللوحة في الضوء القادم من الشارع..
كانت في إطار.. وكان الزجاج مهشمًا متسخًا.. حاول أن يمسحه بخرقة عدة مرات.. في النهاية أدرك أنه يرى رسمًا بألوان الماء (أكواريل) متوسط المستوى.. رسمًا من الطراز الذي يميّز من لم يؤتوا موهبة شامخة، لكنهم قادرون على استخدام أيديهم جيدًا.. كان هناك وادٍ يتلوّى.. وكان هناك بيت من طوب.. وكانت هناك فتاة حسناء تطل من نافذة في برج في أعلى البيت.. صورة رأى مثلها كثيرًا خاصة ما يمثل الحسناء الألمانية طويلة الشعر (رابونزيل)... أما شكل الوادي وشكل البيت فيدلان على أن من رسم الصورة لم يرَ أي واد من قبل.. هو يرسم ما انطبع بشكل طفولي في خياله.. كل الناس ترسم الجبل والنهر والوادي بنفس الطريقة ما دامت لم ترهم..
نظر للتوقيع فرأى اسم (حسام).. حسام هو الصبي الذي كانت خالته تربّيه..
ليس الرسم سيئًا بالنسبة لصبي في الرابعة عشرة أو أقل.
لكن ما أثار دهشته هو أن الصورة شدّته لها بقوة لا توصف.. الرسم ساذج أو هو -على الأقل- لا يوحي باحترافية من أي نوع، وبرغم هذا هو يشعر بلذة ما ذات طابع غريب آثم كلما نظر له.
هناك ذكريات معينة مبهمة يدغدغها فيه النظر لهذا الوادي.. النظر لهذا البرج.. كأنه يذكّرك بأشياء عشتها في زمن ما في مكان ما..
جفّف محمود العرق عن جبينه..
شعر بأن يده ترتجف بلا توقّف.. خطر له أن العرَض الذي يعرفه قد انتقل له. الصبي لم يكن على ما يرام عقليًا.. هذا واضح.. وقد نقل فيروسات الاضطراب النفسي للرسم بلا شكّ.. الفيروسات أصابت صاحبنا..
وضع اللوحة على المنضدة، وقرر أن يأخذها معه للبيت متى فرغ من مهمته..
الآن يجب أن يبدأ.. هناك أشياء عديدة صالحة للتخلص منها.. سوف يضعها جميعًا في كومة في الصالة بانتظار العودة مع حمّالين وسيارة نقل..
تسلّق للصندرة عدة مرات، وجلب الكثير من الأسطوانات العتيقة والحلي الزائفة والثياب المتسخة.. لم يعد التنفيض يجدي مع حالة ثيابه وشعره بل يجب أن ينزع ثيابه على باب الدار ويتخلّص منها..
ثمة أشياء مسلية فعلاً.. هناك لعبة تمثل كلبًا خشبيًا لو ضغطت على قاعدته أقعى على يديه وراح يحرّك ذيله أو أذنيه.. كانت عنده يومًا ما وضاعت ولعلها ذات اللعبة...
لو كان هنا شاي أو إمكانية صنعه لكانت الساعات القادمة ممتعة..
قرّر أن ينزل بعد قليل إلى المقهى المجاور ويشرب شايًا وربما حجرًا من الدخان.. لكن ليس الآن.. فيما بعد عندما يشعر بالإنجاز..
راح يدندن بصوت عال وهو يكمل البحث:
"هيلا هوب هيلا... صلح قلوعك يا ريس..."
مجلات ميكي القديمة.. بالتأكيد لا تخص خالته ولا تخص الصبي.. هو يذكر هذه المجلات ويذكر غلافها وربما القصص فيها.. كانت له.. نسيها هنا يومًا ما بعد ما فرغ من القراءة، ولم ترحمها الخالة.. امتدت يد آلة النسيان لها فألقتها في الصندرة..
ما أجملها وما أعذب الذكريات برغم كل هذا الغبار.. ربما بفضل كل هذا الغبار...
سوف يأخذ هذه المجلات معه في رحلة العودة للبيت..
وابتسم في سخرية... لم تترك له خالته سوى الذكريات العذبة، لكنها لم تترك له مليمًا.. هو قد سئم الانتظار وسئم العواطف.. يريد أن يتحرك..
ريهام.. ريهام كانت هي المختارة وكانت هي الواعدة.. كانت تحمل الوسادة الأبدية الكونية التي سيريح عليها رأسه المنهك... لكنه كان مفلسًا تقريبًا ولم يستطع شراء الوسادة ولو بالأجل.. وهكذا توارت ريهام..
إنه قد تقدّم في العمر.. مع الأسف ليست سنًا مناسبة للبدء.. كان عليه أن يبدأ قبل الثلاثين، واليوم لم يعد من أمل سوى أن يجد تلك الزكيبة المليئة بالماس في درج خالته ويبيعها.. طبعًا لا توجد زكيبة كهذه، وهذا معناه أنه لن يظفر هنا سوى ببعض الذكريات..
صداع... هل حان وقت الشاي؟
مرّ من أمام اللوحة من جديد.. وألقى نظرة أخرى.
هنا رأى شيئًا لم يتبيّنه في اللحظة الأولى.. كان شيء قادمًا في الأفق البعيد.. شيء لا تستطيع تبيّن معالمه لكنه لا يبدو بشريًا.. تذكّر صورة مماثلة في كتاب أطفال قديم لزوجة ذي اللحية الزرقاء وهي واقفة في البرج تستغيث.. السبب طبعًا أن ذا اللحية الزرقاء ينتظر نزولها من البرج ليذبحها..
الفتاة في الصورة تلوّح بذراعيها في رعب..
هل كان هذا كله موجودًا؟ بالتأكيد كان موجودًا لكنه يشعر بأنه يراه لأول مرة.. غريب حقًا ما يحدث لقدرتنا على الملاحظة أحيانًا، ولعل أغنية شادية الرائعة "دوّر عليه تلقاه.. يا اللي عينيك شايفاه وبرضه بتدوّر" تلخّص الموقف فعلاً..
الباب يدقّ.. هل هو يتخيّل أم إن هذا صحيح؟
خرج إلى الصالة وقلبه يتواثب في صدره.. قلبه واهن ولا يحب المفاجآت..
وقف خلف الباب واستمع جيدًا ثم مدّ يده للمزلاج وأزاحه.. أدار المقبض وهو يتوقع أن يرى وجه البواب أو وجه الكواء أو....
لا شيء من هذا..
السبب أن الباب لم ينفتح.. حاول عدة مرات بلا جدوى، وأدرك أن الباب ملتصق أو محشور.. قال بصوت عال وهو يدق الباب:
- "الباب مغلق.. ادفع من ناحيتك".
سمع صوتًا مكتومًا... ربما هو أقرب لزئير أو سعال مكبوت.. وشعر أن هناك من يدفع بلا جدوى..

لا بد أن لسان كالون (اللاتش) تهشّم بالداخل.. معنى هذا أنه حبيس الشقة، لكن لا مشكلة.. بوسعه دائمًا أن يحطّم الباب بكتفه أو ينادي البواب من النافذة ليفتح له. عليه الآن أن يواصل عمله.. لماذا لم يُحضر الهاتف الجوال معه؟
متضايق هو لأن مهمة شرب الشاي والتدخين صارت صعبة فعلاً..
عاد لداخل الشقة وهو يفكّر: من كان القادم؟ لماذا لم يتواصل معه؟
هذه الجالسة في الضوء الخافت قرب باب غرفة النوم هي خالته طبعًا.. هذا واضح، وكان يتوقع شيئًا كهذا منذ جاء هنا..
سيدة مسنّة بقميص نوم رثّ ذات شعر أشيب مشتعل حول رأسها.. تجلس هناك على حافة أريكة وتنظر له...
خالتي.. كنت أعرف أنك قادمة لي..
هل تذكرين من أنا أم إن القبر جعلك تنسينني؟ لو كنتِ نسيتِ فأنا في ورطة حقيقية..
يُتبَع
الحلقات السابقة:
د. أحمد خالد توفيق يكتب.. أكواريل (1)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.