(1) من الصحراء إلى قرية الماء كان مصطفى الذي يعاني إعاقة بذراعه اليسرى هو الابن الأصغر لأسرة تمتلك بيتاً من أربعة طوابق في ضاحية المرج، شقيقه الأكبر طبيب متزوج من أجنبية ويعيش بالخارج، وشقيقه الأوسط مهندس تزوج حديثاً، الأم مديرة بهيئة النقل العام، والأب كبير فنيين بالحديد والصلب أُحيل إلى معاش مبكر. ولأن مصطفى كان طيباً ومحبوباً من الجميع، اشترت له الأسرة سيارة صغيرة يذهب بها إلى الجامعة؛ لكنه آثر أن يساهم في نفقات دراسته بالعمل ليلاً على سيارته لتوصيل من يريد، مقابل أجر. وعندما خرج في الليلة المشئومة ليعمل كعادته، التقى بشابين يريدان الذهاب إلى قريب لهما في مدينة 6 أكتوبر. كانا عاطلين ومفلسين ويريدان العودة إلى قريتهما بمركز منفلوط ولا يمتلكان إلا عشرين جنيهاً؛ لهذا فكّرا في الذهاب إلى قريبهما لاقتراض ما يتيح لهما العودة وتسديد أجرة مصطفى. لكنهما لم يستطيعا التعرف على عنوان قريبهما في الليل ولم يكن معهما رقمه، فجأة ظهرت الصحراء على حافة المدينة التي تاهت فيها السيارة، ودون تخطيط مسبق قام الراكب في المقعد الخلفي بضرب مصطفى على رأسه بزجاجة مياه غازية حتى فقد وعيه. نزل العاطلان من السيارة ووجدا حبلاً في شنطتها أوثقا به مصطفى وحملاه إلى الصحراء؛ لكنه استعاد وعيه وأخذ يقاوم مستصرخاً أن يتركاه يعيش ويأخذا كل شيء. انهالا عليه ضرباً من جديد حتى خارت قواه ووجدا حفرة عميقة ألقياه فيها. كان يئن ويتوسل وهما يُهيلان عليه الرمل حتى دفناه.. سرقا هاتفه وأربعين جنيهاً كانت معه، وفرّا بالسيارة إلى الصعيد؛ لكن الشرطة توصّلت إليهما ودلّا على مكان الجريمة؛ حيث استُخرجت الجثة! كانت هذه "حكاية جريمة" قرأتها في "الشروق" يوم الجمعة 30 أبريل الماضي، ولم أستطع نسيان صورة الضحية الشاب الذي تفيض ملامحه بطيبة مؤثرة، واحتفظت بصفحة الجريدة؛ مقدّراً أن هذه الجريمة دليل شديد الخطورة على درجة التشوّه التي طالت النفس البشرية بيننا، وهي جرس إنذار من الدرجة القصوى لتغيّرات جنونية التوحش في مصر، ليس في مجال الإجرام وحده؛ ولكن في مناخ الوسط المنتج لهذا الإجرام، أي حياتنا المصرية كلها، التي نظلّ نتجاهل وحشية هوامشها؛ حتى نستيقظ على هول هذه الوحشية في متن وجودنا. لم أكد أبدأ تأمّلي في جريمة صحراء أكتوبر؛ حتى انفجرت في وجهي كما في وجوهنا جميعاً، مصريين وعرباً ومسلمين وبشراً، جريمة القتل والسحل والتمثيل بجثة المصري محمد مسلّم، المتهم بجريمة قتل بشعة راح ضحيتها عجوزان وحفيدتاهما الطفلتان، في قرية "كترمايا" بمنطقة "الشوف" اللبنانية، والتي تطوّر اسمها من السريانية "كفر مايه" وهي تعني "قرية المياه"، في مفارقة تؤكد أن الوحشية البشرية ليست مشروطة بعطش أو ري؛ فهي من كوامن الأحراش النفسية التي تنتظر مجرد الفرصة لانطلاق وحشيتها المسعورة. لم أر جريمة الصحراء المصرية منفصلة عن جريمة قرية الماء اللبنانية، ليس فقط لأن مصريين كانا عاملاً مشتركاً أساسياً فيهما؛ لكن لأن عالمنا العربي كالأواني المستطرقة؛ ما يحدث في أحد بلدانه يدل على ما يحدث في باقي البلدان، كما أن تجاوز الجريمتين لأقصى حدود التخيل السوداوي، يشير حتماً إلى عناصر وأصول مشتركة تصنع كل هذا البؤس المروِّع، ويستلزم الكشف عنها تقصّيات نفسية واجتماعية وفكرية وسياسية لجريمتين بهذا الحجم من الفظاعة. ولأن جريمة "كترمايا" الجماعية هي الأقرب حدوثاً والأسخن حضوراً، والأخطر في تأثيراتها السلبية العابرة للأقطار والمتسللة إلى صدور الشعوب، أراها أوجب بأولوية التناول، دون أي نسيان لجريمة أكتوبر. بداية، لابد من فضح المحاولات الآثمة لاستثمار جريمة سحل المصري في "كترمايا" لإثارة فتنة مصرية لبنانية، وهو ما سارعت إليه إسرائيل عبر إعلامها المُكمِّل لإجرام آلتها العسكرية الدموية؛ فربطت بين جريمة التمثيل بالقتيل المصري وبين الأحكام التي صدرت في القاهرة ضد لبنانيين في قضية ما أسموه "خلية حزب الله"، وهو افتراء مفضوح الغايات، في وقت تهدد فيه إسرائيل كلا من لبنان وسورية، وتسعى لالتهام القدس وتخريب المسجد الأقصى وإحراق غزة من جديد. قرية "كترمايا" اللبنانية ليست قرية شيعية كما يوحي البث الإسرائيلي، ولا حتى مسيحية كما يدّعي المتعصبون على شبكة الإنترنت؛ بل أغلبية سكانها من المسلمين "السُنّة" كما المصريين، وممثلها في البرلمان اللبناني تابع لزمرة 14 آزار التي يقودها سعد الحريري خديج "الاعتدال العربي"، والمرحَب به كثيراً في شرم الشيخ، والرياض؛ فالجريمة أبعد ما تكون عن الطائفية والمذهبية المطلوب إسرائيلياً وظلامياً تأجيج صراعاتها في عالمنا العربي. والجريمة ليست شعوبية أيضاً، وإن كان بها مسحة التحفّز والريبة تجاه الغريب، وهي مسحة نفسية عامة لدى كل الشعوب تجاه الغرباء، ولها جذور عميقة ومشتركة بين الإنسان وحتى الحيوان، وترتبط بغريزة المنافسة على الغذاء والمأوى والتكاثر، كما ترتبط بالحرص الغريزي على حماية خصوصية الحيز الشخصي ومنطقة التواجد والمعاش. ثم إن كل لغو مثار عن أن الجريمة تحطّ من كرامة مصر والمصريين، هو تغطية على حقيقة أن الإهانة بدأت وتبدأ من هنا، من الداخل المصري نفسه؛ حيث المناخ الفاسد يدفع بمئات آلاف المصريين الشباب، للبحث عن مكان آخر في العالم غير وطنهم الذي -بسبب تراكمات سياسية آثمة- لم يعد يوفر لهم فرصة لحياة كريمة أو طموحاً مشروعاً؛ فنفروا إلى هجرة شرعية أو غير شرعية في ظاهرة لم تشهدها مصر من قبل. حيث تحصد زوارق الموت الصدئة أرواح أفواج منهم تطويهم أمواج المتوسط بشكل يكاد يكون يومياً، مأساة لا تشبه في غرابة مأساويتها إلا موجات انتحار الحيتان التي تهرب من أخطار تهدد حياتها في المياه؛ فتموت على الشواطئ مختنقة؛ لأن أوزانها الهائلة تعيق حركة أضلاعها، فتنكتم الأنفاس! وبينما تجد الحيتان المنكوبة بين أنصار الحفاظ على البيئة وجماعات الرفق بالحيوان من يسارع إلى إنقاذها وإعادتها إلى الماء، لا يجد مهاجرو الزوارق الغارقة من المصريين من يمدّ لهم ولو خشبة للنجاة، وإذا وصلوا إلى الشاطئ الآخر يعيشون كالأشباح؛ مهددين بالضبط والترحيل إلى بؤسهم الذي هربوا منه، أو تستوعبهم معسكرات إيواء مؤقتة، ثبت أن معظمها كان حظائر للماشية والخنازير في شمال المتوسط! ثم إنهم في البلدان العربية؛ خاصة من فئة المتعطلين والعمالة غير الماهرة، يتحوّلون إلى أعباء اجتماعية ونفسية وجنائية أحياناً على المجتمعات التي يتواجدون فيها، ولا بد أن ضحية "كترمايا" المصري كان واحداً من هؤلاء. وإن كان هذا لا يُسقط حقه في إدانة وتجريم البشاعة التي لحقت به. ما حدث في "كترمايا" يتعلق بحالة الانحطاط العربي الذي يشملنا جميعاً، وهو انحطاط نفسي وروحي مرتبط بالانحطاط السياسي والاجتماعي الذي يهيمن على عالمنا العربي إلا قليلاً، قليلاً جداً، وهو أمر يتجاوز كثيراً حدود غريزة الثأر التي عادت باندفاع محموم في ظل عدالة بطيئة غير ناجزة، وألاعيب قانونية لمحامي الشياطين، وفساد لا يمكن استبعاد وصوله إلى منصّات القضاء؛ لكن ما حدث للمواطن المصري لم يكن مجرد قتل بزعم القصاص؛ فقد انتُزع من أيدي الشرطة التي أتت به إلى القرية لاستكمال تحرياتها في مسرح الجريمة، ثم نُقل إلى المستشفى شبه ميت بعد الاعتداء الجماعي عليه. وتكرر انتزاعه من المستشفى، وتمت تعريته إلا من سرواله الداخلي وجواربه، وسُحل بسيارة عبر طرقات القرية المشتعلة بهتافات الانتقام والزغاريد، ثم علّقوا الجثة مسلوخة ودامية ومنحورة في عمود كهرباء، وحولها كانت فلاشات الهواتف النقالة تلمع لتصوير المشهد الخالد، مع تهليلات النصر "الله أكبر.. الله أكبر"! لم يكن هذا ثأراً ولا قصاصاً؛ لكنه انحطاط نفسي بالغ الاتضاع، وخطير الدلالة، ولا يمكن استيعابه إلا في حضيض مصطلح شاع في علم النفس الجنائي، هو: البهيمة البشرية human beast، وهو مصطلح ينطبق أيضاً وقطعاً على قاتلي مصطفى في صحراء أكتوبر دفناً وهو حي. الظاهرة خطيرة، ولابد أن في الثنايا خبايا.. تستحق البحث. عن الشروق بتاريخ 6 مايو 2010