أردوغان يعلن عزمه إجراء محادثات مع ترامب حول أوكرانيا    مفاجأة إن حدثت، حاسوب عملاق يتوقع الفائز بكأس العالم 2026    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    عميد حقوق المنصورة: لا صحة لما تداول حول مجاملة ابن رئيس الجامعة    مملكة البحرين تبدأ عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن    مجدي الجلاد: مصر تعزل تحركات إسرائيل في الصومال عبر دبلوماسية ذكية    فعاليته تجاوزت ال90%، الكشف عن لقاح ثوري يقضي على سرطان الجلد وهذا موعد طرحه رسميا    عاجل.. "تنظيم الاتصالات": احتمالية تأثُر بعض الخدمات يوم 3 يناير نتيجًة لأعمال صيانة    «بالدموع والآهات».. أحمد سعد يحتفل بعيد ميلاد تامر عاشور بطريقة ساخرة (فيديو)    محافظ أسيوط يتفقد مقر اللجنة العامة استعدادا لجولة الإعادة ب3 دوائر انتخابية (فيديو)    قضية اللاعب رمضان صبحي تضع المدارس الدولية في مأزق    مطلقات يواجهن حيل الأزواج.. للهروب من حقوقهن    مستوطنون إسرائيليون يقتحمون قرى فلسطينية ويطلقون الرصاص الحي على الأهالي (فيديو)    إيران توجه رسالة عاجلة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن عقب تهديدات ترامب    الأسعار بين الاستقرار والارتفاع.....اسعار الفاكهة اليوم السبت 3يناير 2026 فى المنيا    لانس يحقق فوزا ساحقا على تولوز ويعزز صدارته في الدوري الفرنسي    أمم إفريقيا - المجبري: المنافسة الحقيقية تبدأ من هذه المرحلة.. ومن المهم تحليل مباريات مالي    نائب محافظ كفر الشيخ يشهد ختام الدوري الرياضي لمراكز الشباب    أجبروني على هذا التصرف، حمزة الجمل يكشف سبب تقدمه بشكوى ضد الإسماعيلي    لحظات رعب داخل منزل بدمنهور.. تسريب غاز يُصيب أسرة كاملة بالاختناق    المخدرات حولت الابن إلى قاتل    عندما تتحول ليلة الزفاف إلى مأتم    اليوم، نظر دعوى محاسبة أطباء العباسية لإصدارهم تقارير تسببت في أحكام سجن لسيدات    إن بعض الظن شائعة، قصة محاولة سيدة في المنوفية إلقاء أطفالها أمام القطار بمزلقان قويسنا    سقوط صانع محتوى في قبضة مباحث الدقهلية بتهمة ابتزاز الفتيات    رفع الإشغالات وتكثيف النظافة بمحيط اللجان الانتخابية بمدينة العياط بالجيزة    عمرو يوسف النجم الأكثر إيراداً في 2025    حكاية أغنية رفضها «سامو زين» وكانت سر نجاح فضل شاكر    د. نادين حسني: هدفي علاج الأمراض من جذورها لا تسكين أعراضها| حوار    دمياط تتزين باللون الأخضر في «أسبوع التنمية المستدامة»    تنظيم أم صدمة للسوق؟.. نقل معارض السيارات خارج العاصمة    لأول مرة.. توسيع للمريء باستخدام البالون لمسن بمستشفى كفر شكر بالقليوبية    كيف تحمي صحتك بأطعمة الشتاء؟    ننشر مواقيت الصلاه اليوم السبت 3يناير 2026 فى المنيا    إيبارشية القاهرة الكلدانية تحتفل بعيد مار أنطونيوس الكبير    عبدالملك: الزمالك بحاجة لثورة في الفريق    تنظيف كنيسة المهد استعدادًا لاحتفالات عيد الميلاد المجيد حسب التقويم الشرقي    عاجل- طقس شديد البرودة ليلًا وتحذيرات من الصقيع والشبورة خلال الفترة من 4 إلى 8 يناير 2026    أجواء شتوية مائلة للبرودة....طقس المنيا السبت 3يناير 2026    جوتيريش يدعو إسرائيل للتراجع عن تعليق عمل منظمات دولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة    وزارة الدفاع الإماراتية تعلن استكمال عودة جميع عناصرها من اليمن    فصل التيار الكهربائي عن عدد من مناطق بمدينة دسوق    ثلاثي البريميرليج يتنافس على ضم مهاجم ريال مدريد    الشاعر شعبان يوسف ل العاشرة: 2025 شهد حراكا ثقافيا ملموسا رغم التحديات    استمرار انقطاع مياه الشرب عن بعض مناطق بلطيم والبرلس والمصيف بكفر الشيخ    أخبار × 24 ساعة.. وزارة العمل توفر مليون فرصة عمل فى الداخل والخارج خلال 2025    سلوت قبل مواجهة فولهام: ترتيبنا الحالي عادل.. ونسعى لصناعة الفارق    سباعية نارية تقود مودرن سبورت دبي لصدارة مستحقة    بعد حكم حبس رمضان صبحي.. عمرو أديب: اشتراط مؤهل الأب لدخول بعض المدارس الدولية حرام    نتيجة حلقة اليوم من برنامج "دولة التلاوة"، مفاجأة بخروج هذا المتسابق (فيديو)    المصل واللقاح: شتاء 2026 سيكون عنيفا من حيث الإصابة بالأمراض التنفسية    ضمن المبادرة الرئاسية ... إجراء عملية زراعة قرنية ناجحة بمستشفى رمد المنصورة    وزير شئون المفاوضات الفلسطيني الأسبق: زعامة عبد الناصر ونهرو وتيتو الأولى والأخيرة من نوعها    غدًا.. 667 ألف ناخب يحسمون جولة الإعادة لانتخابات النواب بالدائرة الثالثة في الفيوم    أذكار مساء الجمعة.. سكينة للقلب وتجديد للإيمان مع ختام اليوم المبارك    فى ذكرى ميلاد المسيح    الأقصر تعلن جاهزيتها لماراثون انتخابات النواب فى جولة الإعادة بإسنا والقرنة وأرمنت    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين صلاة الجمعة اليوم 2يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رمزية السرد الحكائي في " لك النيل والقمر"
نشر في صوت البلد يوم 10 - 03 - 2016

"أجمل ما تكون أن تخلخل المدى والاخرون, بعضهم يظنك النداء .. وبعضهم يظنك الصدى, وأجمل ما تكون .. أن تكون مفترقا للصمت والكلام .. يكون فيك أول الكلام آخر الكلام". (أدونيس)
أول الكلام قصة تلامس مواطن التجلي, والمعرفة, والعشق, والجسد الكوني, وأجمل ما يكون أن تعبر إلى تجربة تتجاوز الحالة الإبداعية الجاهزة للوصول إلى لذة النضج الفكري, وسلامة الذوق مع السيد حافظ, والأجمل الأجمل, أن تلج المساحات المخبوءة, والمعلنة, بتناول فني متناسق, عبر المجموعة القصصية "لك النيل والقمر", عنوان يشكل الغلاف القصصي لمساحة إبداعية, تتشابك فيها القصص في عالمها الفني, بالموروث الثقافي الإنساني والعربي, ليرتقي بها إلى التمثيل الرمزي لفكرة الوطن, أو الأمة. هي تجربة تعبر عن القلق الإنساني, باعتباره يشكل بعدا من الأبعاد المعرفية للإنسان.
لك النيل والبحر والهرم يا أميرتي, هي الحكاية المفتاح ومستوى السرد الأول: يطالعنا الفعل الصوفي في هذه المساحة, عندما يفصح السارد عن سبب اختيار اسمه قائلا: قال أبي: "سموه السيد تيمنا بالشيخ السيد البدوي, حتى يكون صوفيا, شيخا مهابا, وقورا, نبيلا, شامخا يأتي بالمعجزات, يسير فوق الماء, يأمر السحاب وينقذ العذارى في عيد وفاء النيل. يأمر النيل أن يجري فيجري, وأن ينهض فينهض, فيصبح نافورة لعنان السماء, كان أبي قوي الشخصية لذا كان اختياره هو الأمثل: السيد."
بهذا المدخل تندفع المعاني, عبر قناة الكاتب الفلسفية والصوفية, وتتأرجح المخيلة بين الواقعي والميثولوجي, بحثا عن الحقيقة عبر تقاطيع التاريخ, "جدّي الأول كان أحد ملوك الفراعنة العظام. وفي غفلة من الزمن. خرج على جدي بعض الزعران, والمرتزقة والأعداء, فاغتصبوا البلاد والنساء .. واستباحوا كل شيء".
يعرض القاص حدث قصته, معتمدا في السرد على الماضي وتجاربه التي تعج بما هو واقعي, فيصارع الذاكرة ويصدم الحاضر, "أنا فرعون ملك البلاد التي جار عليها الزمان وحكمها العبيد والخصيان, بعد موت فرعون الأول" ليسجل الكاتب عبر هذه المحطات واقع البشر في لحظات استرجاع عميقة, حتى أنّك في لحظات انفعال وتفاعل, تتعجل الحدث بحثا عن محطة اللاواقع ليستريح فكرك من كدمات الحوادث الملموسة.
"لك النيل والبحر والهرم أميرتي" شكل سردي تجريبي, يكسر فيه السيد حافظ القواعد الفنية التقليدية, لينتقل عبر مساحات مشهدية مفعمة بالحوار, والمونولوج الداخلي, لشخصيات من الواقع تحمل هواجسها الفكرية وتعيش اغترابا داخل الوطن.
"أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الوطن" قلت: دردشة, فرفشة, نعنشة, هلوسة, هي الوطن ..الوطن أنا "هو الهذيان المحموم في حب الوطن, يحل فيه التشاؤم والحزن بديلا للخير, يبلغ به الكاتب - من خلال رمزية كثيفة – حالة الاضطراب واللاتوازن الضاربة بجذورها في عمق مجتمعاتنا العربية, واقع تحولت فيه النفس البشرية عن حالة الضمير الرقيب, إلى ضياع الضمير في حالة الانفلات والتدهور الفكري.
يتحرك السرد عبر المساحات القصصية, لتتجلى من خلاله, قدرة القاص على تلوين الأداء الفني, وفقا لطبيعة الموضوع, فيفتح فضاء النص أمام المتلقي, ليفصح الكاتب عن الكثير من أوجاع الفكر, في تعامل رمزي, بغرض الوصول بالمعنى إلى مقاصده المنشودة, فيداعبنا سحر السرد القصصي الحافظي في حكايا من الشاطئ ليشركنا معه في استنطاق النص وفق شعورنا الخاص, فتتكشف الحكايا عبر مستوياتها الرمزية, عن قيم جمالية وفنية وفكرية, تتولد في رحمها الدلالات مع كل قراءة "طفح القلب نشيدا بريا فوق أرصفة الجوع الحبلى بالأغاني الخاسرة. لم يعد في النوايا الخبيثة خير. علي رقص في احتفالات الأب باخوس والإسكندر وغنى بين يدي الأميرة شهرزاد أغنية محلية علقها في صدر الأذن المفتوحة بالفضيحة".
هو منعطف قصصي بلمسات رمزية صوفية يتفجر فيها التخييل, ويبدأ معها الحفر في أغوار الذات والتاريخ "لم يعلقوا صورته في جريدة, لم يلتفتوا إليه إنه عزف كل الألحان السرية في أمسية حمراء".
من فضاء مكاني إلى آخر, يرسم الكاتب حالة الصراع التي تعيشها شخصياته فيتعدى المكان مدلوله الواقعي, إلى مدلول رمزي عميق, ليرسم النص حالة من التحول "وهما يسيران على الشاطئ فجأة ظهرت أمامها سمكة كبرى ضحكت هي وقالت. انظر إلى السمكة .. نعم سمكة .. قفز مسرعا اتجاه الشاطئ ليصطاد السمكة التي كانت على الشط. أخذ يدخل اتجاه البحر صرخت هي: ارجع, لم يتراجع, لكنه الآن لن يتراجع مهما كان الثمن".
هي صورة رمزية تجسد التمرد على كل أشكال الاضطهاد, والتجاهل. يشكل خطاب المكان من الشاطئ إلى القرية إلى البلاد البعيدة, التبدل والتحوّل على مستوى العلاقات الاجتماعية, ولم يكن وصف المكان وصفا عابرا, بل هو متعمد عبر ثنايا السرد القصصي, يكشف عن تحول قيمته, ودوره العميق, في تشكل الذات وهويتها, هي أمكنة تلاشت أدوراها, لتخلف شرخا في الذات, وحالة من العقم على مستوى الفكر والمشاعر.
من الجراد إلى النمل إلى الضفادع, تبلغ الذات المثقفة حالة من اليأس. "فلقد كان يريد أن يسمع صوتا من ذاته .. فتح المذياع سمع صوت ضفدعة, وعندما حاصروه حاول ان يخرج ذات مساء وأن يصرخ ويبكي في الطريق وهم خلفه يجرون".
في نسيج قصصي يرتبط فيه الواقعي بالخيالي, تتلبس الكتابة الحافظية بالحركية, نحو ممكنات إبداعية, يمنح في إطارها الكاتب لشخصياته فرصة الحديث بلغتها, ومستواها, وصراعاتها من علي محمود, إلى فاروق حسني, ذوات تعيش التهميش في ظل القمع الرسمي والشعبي للثقافة, الفن لم يعد له مكان في الوطن, الذي فقد دوره وتحول من حالة المقدس إلى الاعتيادي, وأقل من ذلك, الوطن تبدّد تحت وطأة الانتماء الزائف".
عندما يموت الغريب في بلاد غريبة, وعندما يحدث فإن الأحداث كلها في ذهن الغريب أحداث غير معقولة".
شهرزاد تؤجل الموت بالحكي وتحيي وجودها. السيد حافظ يؤجل موت الإبداع بمجموعته القصصية التي تحمل القارئ إلى برزخ الوعي واللاوعي, بقدرة فائقة على فتح الحدود بين الأجناس الأدبية, وتشكيل فضاء إبداعي مشترك يتجانس فيه السردي والغنائي والوجداني.
أربع رسائل من العمر الضائع هي محطة قصصية يلامس فيها القارئ العلاقة الروحانية التي يعيشها الكاتب مع أنثاه التي تكاد لا تبرحه عبر النسيج القصصي "لك النيل والقمر", هذه الأنثى الحاضرة بقوة في كل أعمال السيد حافظ, والتي يتكشف أمامها, ويبوح لها بأوجاعه, هي ليلى, زهرة ووردة, ونرجس, أسماء لا تخلو من الرمزية العميقة, هي الحلم وهي الوطن, وهي الحضور والغياب, حالة من حالات الجنون الحافظي الهادئ "حبيبتي زهرة سقط العمر صريعا على موائد الخديعة ورحلت معك جوف النقاء, طعنتنا خناجر التقاليد والعادات وعدنا لنبحث عن كتلة هذا العالم عن ركن عن زاوية نرسم عليها صور الإنسان".
هي الرسالة الأولى في بناء الحدث القصصي من رسائل العمر الضائع, مساحة يتحد فيها الماضي والحاضر بروابط وشيجة, فلا يستطيع أن يتحرك الزمنان إلا معا, فلا الماضي يبتعد عن الحاضر ولا الحاضر يستطيع الحركة بمعزل عن الماضي, هي لحظات البوح عندما يصير الفرد نهبا لمشاعر الحصار, ويفتقد الأمن ممن يفترض أن يكون مصدرا له.
يتحرك الكاتب من خلال الأنا تارة, وتارة أخرى يلجأ إلى الهو والنحن دفاعا عن ذاته وعن المجتمع. يشكل الخطاب السردي في ثنايا الرسائل الأربع سياقا قصصيا حافلا بالتأمل, مشهد للهزيمة والانكسار "والحقيقة أن كل الأشياء قناع الموت البدء الانتهاء, صوت داخلي للشجن القاتل والأحلام المغتالة, هي آليات الحضارة المادية التي تضع حواجز وعقبات لا تتحقق معها الحياة الروحية. حبيبتي زهرة يمر عمري على حوائط الزمن الأعمى يتسلق أشجار المواجهة .. يا غاضبة مني بإخلاص شديد وبرود شديد وبحب شديد ضعي يدك في عصارة العودة والبدء.. المشكلة هي المجتمع يعني الجميع للجميع".
هكذا أرادها السيد حافظ مناخات, وتساؤلات, وإحالات, إلى الواقع والتاريخ, في بناء قصصي داخل هيكل فني, اعتمد فيه على تداخل مستويات السرد, ليتولد أحدهما عن الآخر, وكأنك تقرأ ألف ليلة وليلة بطابع فكري وسياسي واجتماعي. قصص رمزية تلامس مواطن التجلي وتجمع بين الإيحاء والإدهاش الفني, هي رحلة قصصية, آثرنا من خلالها الكشف عن مكامن التميز في الفضاء الإبداعي الحافظي, مستأنسين فيها بحقائق تاريخية تحرك الذاكرة, في إطار بنية قصصية قوامها الانتقال السلس بين أكثر من فضاء.
........
مباركي هاجر - كلية الآداب والفنون قسم الأدب العربي - جامعة عبدالحميد بن باديس مستغانم (الجزائر)
[email protected]
"أجمل ما تكون أن تخلخل المدى والاخرون, بعضهم يظنك النداء .. وبعضهم يظنك الصدى, وأجمل ما تكون .. أن تكون مفترقا للصمت والكلام .. يكون فيك أول الكلام آخر الكلام". (أدونيس)
أول الكلام قصة تلامس مواطن التجلي, والمعرفة, والعشق, والجسد الكوني, وأجمل ما يكون أن تعبر إلى تجربة تتجاوز الحالة الإبداعية الجاهزة للوصول إلى لذة النضج الفكري, وسلامة الذوق مع السيد حافظ, والأجمل الأجمل, أن تلج المساحات المخبوءة, والمعلنة, بتناول فني متناسق, عبر المجموعة القصصية "لك النيل والقمر", عنوان يشكل الغلاف القصصي لمساحة إبداعية, تتشابك فيها القصص في عالمها الفني, بالموروث الثقافي الإنساني والعربي, ليرتقي بها إلى التمثيل الرمزي لفكرة الوطن, أو الأمة. هي تجربة تعبر عن القلق الإنساني, باعتباره يشكل بعدا من الأبعاد المعرفية للإنسان.
لك النيل والبحر والهرم يا أميرتي, هي الحكاية المفتاح ومستوى السرد الأول: يطالعنا الفعل الصوفي في هذه المساحة, عندما يفصح السارد عن سبب اختيار اسمه قائلا: قال أبي: "سموه السيد تيمنا بالشيخ السيد البدوي, حتى يكون صوفيا, شيخا مهابا, وقورا, نبيلا, شامخا يأتي بالمعجزات, يسير فوق الماء, يأمر السحاب وينقذ العذارى في عيد وفاء النيل. يأمر النيل أن يجري فيجري, وأن ينهض فينهض, فيصبح نافورة لعنان السماء, كان أبي قوي الشخصية لذا كان اختياره هو الأمثل: السيد."
بهذا المدخل تندفع المعاني, عبر قناة الكاتب الفلسفية والصوفية, وتتأرجح المخيلة بين الواقعي والميثولوجي, بحثا عن الحقيقة عبر تقاطيع التاريخ, "جدّي الأول كان أحد ملوك الفراعنة العظام. وفي غفلة من الزمن. خرج على جدي بعض الزعران, والمرتزقة والأعداء, فاغتصبوا البلاد والنساء .. واستباحوا كل شيء".
يعرض القاص حدث قصته, معتمدا في السرد على الماضي وتجاربه التي تعج بما هو واقعي, فيصارع الذاكرة ويصدم الحاضر, "أنا فرعون ملك البلاد التي جار عليها الزمان وحكمها العبيد والخصيان, بعد موت فرعون الأول" ليسجل الكاتب عبر هذه المحطات واقع البشر في لحظات استرجاع عميقة, حتى أنّك في لحظات انفعال وتفاعل, تتعجل الحدث بحثا عن محطة اللاواقع ليستريح فكرك من كدمات الحوادث الملموسة.
"لك النيل والبحر والهرم أميرتي" شكل سردي تجريبي, يكسر فيه السيد حافظ القواعد الفنية التقليدية, لينتقل عبر مساحات مشهدية مفعمة بالحوار, والمونولوج الداخلي, لشخصيات من الواقع تحمل هواجسها الفكرية وتعيش اغترابا داخل الوطن.
"أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الوطن" قلت: دردشة, فرفشة, نعنشة, هلوسة, هي الوطن ..الوطن أنا "هو الهذيان المحموم في حب الوطن, يحل فيه التشاؤم والحزن بديلا للخير, يبلغ به الكاتب - من خلال رمزية كثيفة – حالة الاضطراب واللاتوازن الضاربة بجذورها في عمق مجتمعاتنا العربية, واقع تحولت فيه النفس البشرية عن حالة الضمير الرقيب, إلى ضياع الضمير في حالة الانفلات والتدهور الفكري.
يتحرك السرد عبر المساحات القصصية, لتتجلى من خلاله, قدرة القاص على تلوين الأداء الفني, وفقا لطبيعة الموضوع, فيفتح فضاء النص أمام المتلقي, ليفصح الكاتب عن الكثير من أوجاع الفكر, في تعامل رمزي, بغرض الوصول بالمعنى إلى مقاصده المنشودة, فيداعبنا سحر السرد القصصي الحافظي في حكايا من الشاطئ ليشركنا معه في استنطاق النص وفق شعورنا الخاص, فتتكشف الحكايا عبر مستوياتها الرمزية, عن قيم جمالية وفنية وفكرية, تتولد في رحمها الدلالات مع كل قراءة "طفح القلب نشيدا بريا فوق أرصفة الجوع الحبلى بالأغاني الخاسرة. لم يعد في النوايا الخبيثة خير. علي رقص في احتفالات الأب باخوس والإسكندر وغنى بين يدي الأميرة شهرزاد أغنية محلية علقها في صدر الأذن المفتوحة بالفضيحة".
هو منعطف قصصي بلمسات رمزية صوفية يتفجر فيها التخييل, ويبدأ معها الحفر في أغوار الذات والتاريخ "لم يعلقوا صورته في جريدة, لم يلتفتوا إليه إنه عزف كل الألحان السرية في أمسية حمراء".
من فضاء مكاني إلى آخر, يرسم الكاتب حالة الصراع التي تعيشها شخصياته فيتعدى المكان مدلوله الواقعي, إلى مدلول رمزي عميق, ليرسم النص حالة من التحول "وهما يسيران على الشاطئ فجأة ظهرت أمامها سمكة كبرى ضحكت هي وقالت. انظر إلى السمكة .. نعم سمكة .. قفز مسرعا اتجاه الشاطئ ليصطاد السمكة التي كانت على الشط. أخذ يدخل اتجاه البحر صرخت هي: ارجع, لم يتراجع, لكنه الآن لن يتراجع مهما كان الثمن".
هي صورة رمزية تجسد التمرد على كل أشكال الاضطهاد, والتجاهل. يشكل خطاب المكان من الشاطئ إلى القرية إلى البلاد البعيدة, التبدل والتحوّل على مستوى العلاقات الاجتماعية, ولم يكن وصف المكان وصفا عابرا, بل هو متعمد عبر ثنايا السرد القصصي, يكشف عن تحول قيمته, ودوره العميق, في تشكل الذات وهويتها, هي أمكنة تلاشت أدوراها, لتخلف شرخا في الذات, وحالة من العقم على مستوى الفكر والمشاعر.
من الجراد إلى النمل إلى الضفادع, تبلغ الذات المثقفة حالة من اليأس. "فلقد كان يريد أن يسمع صوتا من ذاته .. فتح المذياع سمع صوت ضفدعة, وعندما حاصروه حاول ان يخرج ذات مساء وأن يصرخ ويبكي في الطريق وهم خلفه يجرون".
في نسيج قصصي يرتبط فيه الواقعي بالخيالي, تتلبس الكتابة الحافظية بالحركية, نحو ممكنات إبداعية, يمنح في إطارها الكاتب لشخصياته فرصة الحديث بلغتها, ومستواها, وصراعاتها من علي محمود, إلى فاروق حسني, ذوات تعيش التهميش في ظل القمع الرسمي والشعبي للثقافة, الفن لم يعد له مكان في الوطن, الذي فقد دوره وتحول من حالة المقدس إلى الاعتيادي, وأقل من ذلك, الوطن تبدّد تحت وطأة الانتماء الزائف".
عندما يموت الغريب في بلاد غريبة, وعندما يحدث فإن الأحداث كلها في ذهن الغريب أحداث غير معقولة".
شهرزاد تؤجل الموت بالحكي وتحيي وجودها. السيد حافظ يؤجل موت الإبداع بمجموعته القصصية التي تحمل القارئ إلى برزخ الوعي واللاوعي, بقدرة فائقة على فتح الحدود بين الأجناس الأدبية, وتشكيل فضاء إبداعي مشترك يتجانس فيه السردي والغنائي والوجداني.
أربع رسائل من العمر الضائع هي محطة قصصية يلامس فيها القارئ العلاقة الروحانية التي يعيشها الكاتب مع أنثاه التي تكاد لا تبرحه عبر النسيج القصصي "لك النيل والقمر", هذه الأنثى الحاضرة بقوة في كل أعمال السيد حافظ, والتي يتكشف أمامها, ويبوح لها بأوجاعه, هي ليلى, زهرة ووردة, ونرجس, أسماء لا تخلو من الرمزية العميقة, هي الحلم وهي الوطن, وهي الحضور والغياب, حالة من حالات الجنون الحافظي الهادئ "حبيبتي زهرة سقط العمر صريعا على موائد الخديعة ورحلت معك جوف النقاء, طعنتنا خناجر التقاليد والعادات وعدنا لنبحث عن كتلة هذا العالم عن ركن عن زاوية نرسم عليها صور الإنسان".
هي الرسالة الأولى في بناء الحدث القصصي من رسائل العمر الضائع, مساحة يتحد فيها الماضي والحاضر بروابط وشيجة, فلا يستطيع أن يتحرك الزمنان إلا معا, فلا الماضي يبتعد عن الحاضر ولا الحاضر يستطيع الحركة بمعزل عن الماضي, هي لحظات البوح عندما يصير الفرد نهبا لمشاعر الحصار, ويفتقد الأمن ممن يفترض أن يكون مصدرا له.
يتحرك الكاتب من خلال الأنا تارة, وتارة أخرى يلجأ إلى الهو والنحن دفاعا عن ذاته وعن المجتمع. يشكل الخطاب السردي في ثنايا الرسائل الأربع سياقا قصصيا حافلا بالتأمل, مشهد للهزيمة والانكسار "والحقيقة أن كل الأشياء قناع الموت البدء الانتهاء, صوت داخلي للشجن القاتل والأحلام المغتالة, هي آليات الحضارة المادية التي تضع حواجز وعقبات لا تتحقق معها الحياة الروحية. حبيبتي زهرة يمر عمري على حوائط الزمن الأعمى يتسلق أشجار المواجهة .. يا غاضبة مني بإخلاص شديد وبرود شديد وبحب شديد ضعي يدك في عصارة العودة والبدء.. المشكلة هي المجتمع يعني الجميع للجميع".
هكذا أرادها السيد حافظ مناخات, وتساؤلات, وإحالات, إلى الواقع والتاريخ, في بناء قصصي داخل هيكل فني, اعتمد فيه على تداخل مستويات السرد, ليتولد أحدهما عن الآخر, وكأنك تقرأ ألف ليلة وليلة بطابع فكري وسياسي واجتماعي. قصص رمزية تلامس مواطن التجلي وتجمع بين الإيحاء والإدهاش الفني, هي رحلة قصصية, آثرنا من خلالها الكشف عن مكامن التميز في الفضاء الإبداعي الحافظي, مستأنسين فيها بحقائق تاريخية تحرك الذاكرة, في إطار بنية قصصية قوامها الانتقال السلس بين أكثر من فضاء.
........
مباركي هاجر - كلية الآداب والفنون قسم الأدب العربي - جامعة عبدالحميد بن باديس مستغانم (الجزائر)
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.