"فيها حاجة حلوة".. قس قبطي يشارك في وضع حجر الأساس لمسجد بقنا    "تموين الإسكندرية" يحتفل بفوز "خدمات شرق" بالمركز الأول لجائزة التميز الحكومي    أخبار مصر: توقف خدمات شحن عدادات المياه، العناية الإلهية تنقذ ركاب قطار قرب الإسكندرية، عاصفة تضرب مصر، فضائح إبستين تهز أمريكا    وزير الخارجية يلتقى وزيرة الدولة البريطانية للتنمية الدولية والشئون الأفريقية    زيلينسكي يحث الشركاء الأوروبيين على تسريع إمدادات الدفاع الجوي    إغلاق ميناء نويبع البحري لسوء الأحوال الجوية    عودة إمام عاشور تشعل استعدادات الأهلي لموقعة الجيش الملكي بدوري الأبطال    أخبار فاتتك وأنت نايم| الأهلي يستعيد «عاشور».. وجيش الاحتلال يستهدف عنصر من حزب الله    صلاة الجمعة للمرأة في يوم الجمعة بالمسجد    ترامب: يمكن أن نبرم اتفاقاً مع إيران خلال الشهر المقبل    بعد مصرع صاحب المعاش.. المعمل الجنائي يفحص آثار حريق كفر شكر    أسعار الخضروات واللحوم والدواجن في الأسواق اليوم الجمعة 13 فبراير 2026    الدعاء المستحب يوم الجمعة وآدابه    صلاة الجمعة: حكمها وآدابها وسننها وفضلها    نقيب الأطباء: التبرع بالجلد لا يشوه الجثمان.. نأخذ رقعة سطحية بميليمترات والمتوفى يُدفن بجلده كاملا    سان جيرمان وتشيلسي وقمة الهلال والاتفاق، مواعيد مباريات اليوم الجمعة والقنوات الناقلة    الجيش الإسرائيلي: استهداف عنصر من «حزب الله» في منطقة الطيري جنوبي لبنان    التصريح بدفن مُسن ضحية حريق كفر شكر.. وتحريات لكشف الملابسات    انهيار وطلب الطلاق.. لقاء الخميسي تكشف مفاجأة: شخصية شهيرة تعمدت إبلاغي بزواج عبد المنصف    إدارة ترامب تتوصل إلى اتفاق تجاري لخفض الحواجز الجمركية مع تايوان    نهاية الطريق.. المحكمة تقضي بالمشدد 15 سنة لعصابة مخدرات بالقناطر الخيرية    وزير التربية والتعليم يكشف الخطوات الإصلاحية للمنظومة التعليمية    بعد غياب عن السعودية، محمد حماقي يتألق في موسم الرياض (فيديو)    حكم الاعتماد على ال«Ai» في تفسير القرآن    الأهلي يبدأ اليوم استعداداته لمواجهة الجيش الملكي.. وفحوصات لمروان عثمان    مصطفى بكري: الناس كانوا ينتظرون التغيير وفُوجئوا بالتعديل.. والحكومة قد تستمر حتى يوليو 2027    «بلطة الشائعات».. شاب يقتل عمته ويشعل النار في بيتها بالفيوم    مشاجرة على الهواء بين ضيوف "خط أحمر" بسبب الخيانة الزوجية.. فيديو    القومي لعلوم البحار بالإسكندرية: التحول إلى المصايد الرقمية مدخل حاسم لسد فجوة 400 ألف طن سنويًا    خروج عربة عن القضبان يوقف حركة قطارات «القاهرة – الإسكندرية» مؤقتًا    فلسطين.. طائرات الاحتلال المسيرة تقصف منازل في حي الزيتون جنوب شرق غزة    الحزب الوطني يكتسح انتخابات بنجلاديش و"الجماعة الإسلامية" تقر بخسارتها    هاني محمود: مصر تتربع على عرش أفريقيا في سرعة الإنترنت الأرضي    اليوم، توقف خدمات شحن عدادات المياه مسبقة الدفع    إصابة 3 أشخاص في انقلاب ميكروباص بالطريق الدولي الساحلي    نائب المدير الرياضي ل نورشيلاند: انتقال إبراهيم عادل للأهلي؟ لن ننخرط في هذه الممارسات    الرقم صادم.. هذا هو أجر يارا السكري في برنامج رامز ليفل الوحش    من "كمل يا كامل" إلى حقيبة واحدة على كفّ عفريت.. مراقبون: السيسي جزء من تراجع نفوذ كامل الوزير    مدبولي: كل التقارير الدولية والمؤشرات تؤكد تحسن الاقتصاد.. وهدفنا توفير الخدمات الأساسية لنيل رضا المواطن    تضافر "قوى الشر "..5 دقائق لتمرير حكومة المفسدين: برلمان يبصم ووجوه مشبوهة في مواقع القرار    أتلتيكو ضد برشلونة.. 5 أرقام سلبية للبارسا بعد سقوطه في كأس الملك    شقيق هاني رمزي يوثق سيرة والدته في كتيب تخليدًا لذكراها    انطلاق مهرجان برلين فى دورته ال76.. السياسة تسيطر على الأجواء.. فلسطين حاضرة فى النقاشات ورفع شعارات إيران حرة على السجادة الحمراء.. المهرجان يمنح ميشيل يوه الدب الذهبى الفخرى.. صور    "انتكاسة للعدالة" ..محكمة ألمانية ترفض دعوى لمنع بيع "إسرائيل" السلاح    أرتيتا: ملعب برينتفورد صعب للغاية.. ونحتاج إلى بعض الحظ    تجديد حبس المتهمة بخطف رضيع منذ 11 عامًا من مستشفى في الإسكندرية 15 يوما    رايا: تقلص الفارق ل4 نقاط؟ مازلنا في وضع ممتاز    استعدادًا لشهر رمضان المبارك.. الأوقاف تفتتح (117) مسجدًا غدًا الجمعة    التحقيق في سقوط فتاة من القطار أمام محطة معصرة ملوي بالمنيا    أرسنال يتعادل مع برينتفورد ويشعل صدارة الدوري الإنجليزي    سفير أحمد أبو زيد: مصر واحة استقرار لأوروبا وشراكتنا انتقلت إلى شراكة استراتيجية    ألف مسجد في (23) يومًا.. فرش وافتتاح بيوت الله في ملحمة إعمار غير مسبوقة للأوقاف    باتفاق جمهور المحققين| العلماء: المسيئون لوالدى النبى سفهاء وعقابهم الحجر    إنقاذ حياة مريضة كلى من توقف مفاجئ بالقلب بمستشفى دمياط العام    إجراء 20 عملية عيون مختلفة لغير القادرين في بني سويف ضمن مشروع مكافحة العمى    رئيس جامعة دمياط يفتتح حملة "اطمن على وزنك وصحتك" بكلية الطب    وزير الصحة يستقبل سفير اليابان لبحث تعزيز التعاون الصحي وإنشاء مستشفى مصري ياباني بالعاصمة الجديدة    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : حكومة برؤية جديدة !?    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سيد قطب‮ يجادل‮ "‬القرضاوى‮" في‮ حضرة‮ "‬أفندية‮" الإخوان
نشر في الوفد يوم 05 - 01 - 2011

هي ليلة بهيجة تلك التي‮ كانت من شهر أكتوبر سنة‮ 1952‮ في‮ شعبة الإخوان بشبين القناطر،‮ في‮ يوم الخميس،‮ حيث‮ يقام الاحتفال الديني‮ الأسبوعي‮ الذي‮ يقيمه قسم نشر الدعوة‮.
‬وهو قسم‮ يتولي ترتيب الدعاة والخطباء في‮ المدن والقري‮ بنظام حيث تحتل القاهرة وما حولها صفوة هؤلاء المتحدثين،‮ ولكن لابد من وجود نشاط أسبوعي‮ طول الوقت‮.. وكان هذا النشاط هو أحد الأسباب في‮ زيادة عدد أفراد الجماعة في‮ مصر وفي‮ خارجها‮.‬
كان نصيب شبين القناطر في‮ هذا اليوم الشيخ‮ يوسف القرضاوي‮ وأظنه لم‮ يكن قد تخرج بعد في كلية أصول الدين وكان طويلاً‮ مهيباً‮ شديد سواد اللحية قوي‮ البنية كالجمل الأروق جهور الصوت له اعتداد واضح بشخصه تكاد تقترب من الكبر‮.‬
وكان من عادة الإخوان في‮ الزمن القديم‮ »‬التعارف‮« بأن‮ يذكر الواحد اسمه للآخر وعمله وأين‮ يسكن وحالته الاجتماعية وكل شيء عنه‮.. وتقدم الأستاذ عبدالرازق إمام ليتعرف علي‮ الشيخ القرضاوي‮.. وقال له‮:‬
‮- أخوك في‮ الله عبدالرازئ إمام‮.‬
وقاطعه القرضاوي‮:‬
‮- أعتقد أنك تقصد عبدالرازق بالقاف‮.. وليس ما ذكرت‮.‬
وغمغم عبدالرازق إمام‮:‬
‮- نعم‮.. نعم‮.‬
وكان المتحدثون والمعقبون كثيرين في‮ هذه الليلة‮.. فهي‮ أول ليلة للإخوان بعد نجاح حركة الجيش وانتظام المدارس التي‮ كانت تمثل شريان الدم الرئيسي في‮ حركة الإخوان المسلمين في‮ المجتمع المصري‮ وقرأ القرآن وقدم الشيخ حسن عيسي‮ عبدالظاهر زميله‮ يوسف القرضاوي‮ الذي‮ كان‮ يجلس في‮ مقدمة الصفوف علي‮ عكس سيد قطب الذي‮ كان‮ يجلس في‮ آخر صف ببذلته الغالية عالية الروعة والأناقة‮.. ولم‮ يكن أحد‮ يعرفه في‮ الشعبة‮.. ولكني‮ كنت أعرفه‮.. ففي‮ تلك الفترة عرفته من خلال مقالاته ومن خلال كتاب‮ »‬العدالة الاجتماعية في‮ الإسلام‮« وكتاب‮ »‬الأطياف الأربعة‮« والذي‮ شاركه في‮ كتابته إخوته‮.. و»المدينة المسحورة‮« تلك الرواية الجميلة صغيرة الحجم والتي‮ صدرت في‮ العدد الثالث من سلسلة اقرأ التي‮ كانت تقوم علي‮ إصدارها دار المعارف،‮ تلك المؤسسة اللبنانية المسيحية التي‮ قامت بدور عظيم ولها أعظم الفضل علي‮ الثقافة الإسلامية‮. وكانت شهرة سيد قطب أكبر عندي‮ من شهرة‮ يوسف القرضاوي‮ في‮ ذلك الوقت‮.. فالأول‮ - قطب‮ - فيلسوف وأديب ومفكر وله نظرة واضحة في‮ حل المشكلات من خلال الاشتراكية التي‮ وجدها مختفية في‮ طيات الثوب الإسلامي‮.. وكان سيد قطب قد بدأ‮ يفك هذه اللفائف من فوق الثوب الإسلامي‮.‬
ولم تكن للقرضاوي‮ تلك الشهرة آنذاك‮.. وكان كتاب الإخوان ومفكروهم‮ ينقسمون إلي‮ قسمين‮.. المشايخ والأفندية‮!!‬
وكنت تجد مشايخهم فيهم تجبر وتكبر وعظمة‮.. ويقول بعضهم إن هذا‮ يليق بالعلماء‮.. وقد ساعدهم في‮ ذلك تمكنهم من اللغة العربية نحوها وصرفها وعدم اللحن وندرة‮ »‬التلعثم‮« فهم أقرب الناس إلي‮ قلوب العامة والبسطاء‮.‬
كتيبة عرب الصوالحة
وكان الشيخ محمد الغزالي‮ ورئيسه صالح عشماوي‮ وبعض التلامذة هم جانب الشيوخ وفيهم الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي‮ والشيخ عبدالمعز عبدالستار وبعض المشايخ المنتثرين في‮ البلاد‮.. الوجه القبلي‮ مثل أحمد شريف والوجه البحري‮ مثل الشيخ محمد عبدالفتاح عارف‮.. وهناك بعض العباقرة ليسوا بأفندية وما هم بالمشايخ مثل البهي‮ الخولي‮ رحمه الله،‮ الذي‮ كان‮ ينطق سحراً‮ ويحلق بسامعيه إلي‮ عنان السماء‮.. وسرعان ما اعترض علي‮ ما‮ يدور‮.. وقال‮.. وهذا سمعته منه‮.. ألغينا الملكية وجئنا بقوم من عندنا من بين صفوفنا‮.. فليسيروا بالأمة ونحن وراءهم‮.. ولندع الشقاق والخلاف‮.‬
وأذكر أنني‮ استمعت إلي‮ هذا الرجل في‮ كتيبة بعرب الصوالحة‮.. وذلك قبل أن‮ يعتزل الإخوان‮.. وأذكر أنه كأنما‮ يلقي‮ علينا سحراً‮ لا‮ يقدر الواحد منا أن‮ ينطق بحرف طالما هو‮ يتحدث،‮ ونحن لا نسأله فهو‮ يجيب عن كل الأسئلة التي‮ تدور في‮ مخيلتك أو تطرأ علي‮ ذهنك‮. وكان زاهداً‮ عابداً‮ عالماً،‮ وفصله الإخوان‮! فقد كانوا‮ يفصلون من الدعوة والجماعة كل من لا‮ يسمع الكلام‮.‬
وكانت مجموعة الأفندية‮ - في‮ نظري‮ - أحسن من مجموعة المشايخ لأنهم‮ يقرأون ويفكرون،‮ أما المشايخ فكانوا‮ يحفظون ويعيدون عليك ما‮ يحفظون‮. وكان البعض‮ يختلف هنا وهناك إلا من رحم ربي‮.‬
كان من الأفندية عبدالعزيز كامل وحسان حتحوت وعلي‮ سامي‮ النشار قبل أن‮ يستقيل‮.. وكانوا بشكل عام أبعد نظراً‮ وأقوي فكراً‮ وأكثر استنارة وأعرف بما‮ يقولون‮.‬
ونحن لا نقارن هنا بين شيخ قد جاوز الثمانين وأفندي‮ لم‮ يصل إلي الخمسين،‮ ولكننا نقارن بين أناس قريبين في‮ أعمارهم‮ يعيشون زمناً‮ واحداً‮ هم فيه‮.‬
أفندية الإخوان
وكان جمهور الإخوان أقرب إلي‮ ما‮ يكتب سيد قطب ومحمد قطب أو من معهم من الأفندية وهو ما كان‮ يجعل صدور المشايخ في‮ ضيق وحرج‮.. وسمعت أنهم كانوا‮ يرددون‮.. والقصد هنا الشيخ محمد الغزالي‮ والشيخ القرضاوي‮.. عن سيد قطب وأمثاله من الأفندية أنهم لا علم لهم بالعلوم الشرعية‮.. وهي‮ أصول الكتاب والسنة‮.. وعلي‮ ماذا أجمع المسلمون‮.. وهم‮ - المقصود بهم الأفندية‮ - أبعد الناس عن هذه العلوم‮.. وسرعان ما خرجت علي‮ الناس الأجزاء الأولي من كتاب سيد قطب العمدة‮: »‬في‮ ظلال القرآن‮«. وكانوا‮ يسخرون من كتاب‮: »‬التصوير الفني‮ في‮ القرآن‮« وكتاب‮: »‬مشاهد القيامة في‮ القرآن‮« وهي‮ من أحسن كتب سيد قطب الأدبية والتي‮ تربي‮ عليها جيلنا وأدخلنا بها إلي‮ خظيرة القرآن الكريم‮.‬
كيف سار الحفل الكريم؟
قدم حسن عيسي‮ الشيخ‮ يوسف القرضاوي‮ الذي‮ وقف عند المنصة كالجمل الأروق وصال وجال في‮ الحديث عن الضلال الذي‮ كنا فيه وكيف مَنَّ‮ الله علينا برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فقاموا فقالوا ربنا الله وطردوا الملك وغيروا الحال في‮ مصر وحققوا الأمل الذي‮ كانت الجماعة تحلم به منذ أن قامت عام‮ 1928.‬
وتذكرت عندما قامت الحركة وجاءوا بالمؤلفين والمطربين والملحنين وجعلوهم‮ يقيمون الأغنيات والأناشيد علي‮ عجل‮.‬
وأذكر أغنية علي‮ الدوار تأليف حيرم الغمراوي‮ وغناء محمد قنديل‮. علي‮ الدوار علي‮ الدوار‮.. راديو بلدنا فيه أخبار‮.. ياللي‮ في‮ قاعة‮.. ياللي‮ في‮ خص‮.. قوم دي‮ الساعة ثمانية ونصف‮.. والراديو عمال بيرص من الأخبار قلبك‮ يتهني‮.. كنا في‮ نار وبقينا في‮ جنة‮.. واللي‮ ظلمنا راح في‮ النار‮.. علي‮ الدوار‮..‬
وكانت أغنية كارم محمود الشهيرة‮.. إيدك في‮ إيدي‮ يا عم‮ يا عم نفدي‮ الوطن بالدم‮.. ونبقي‮ وحدة ويد واحدة‮.. إيدك في‮ إيدي‮.. إيدك في‮ إيدي‮ نار علي‮ الخاين الغدار‮.‬
ثم كثرت الأغاني‮ مع ظهور الشعارات‮.. وها هي‮ ليلي‮ مراد تغني‮.. علي‮ الإله القوي‮ الاعتماد بالنظام والعمل والاتحاد‮.. انهضي‮ يا مصر‮ يا خير البلاد واصعدي‮ للمجد وامضي‮ للرشاد‮.. بالاتحاد والنظام والعمل‮.‬
قطب ورضوان
وكان محمد نجيب قد رأي‮ سيد قطب‮ يجلس مع فتحي‮ رضوان حتي‮ يكتبا مبادئ الثورة الست‮.. وقرأ محمد نجيب بعض ما‮ يكتبانه وأبدي‮ إعجابه بهذه المبادئ التي عملوا عكسها بعد ذلك‮.. وطلب محمد نجيب من سيد قطب كلمتين أو ثلاث مافيش فيهم إسلام‮.. وقال له سيد قطب‮: الاتحاد والنظام والعمل‮.. صارت هذه الكلمات هي‮ شعار مصر لعدة سنوات‮.. يقولها الخطيب عندما‮ يخطب‮.. ويرسمها الراسم عندما‮ يرسم‮.. وتراها مكتوبة ومقروءة في‮ كل صحيفة أو كتاب‮.‬
وسرعان ما جاء شعار آخر قاله عبدالناصر‮: ارفع رأسك‮ يا أخي‮ فقد مضي‮ عهد الاستعباد‮.‬
وأذكر أنني‮ سمعت هذا الشعار للمرة الأولي من جمال عبدالناصر في‮ بلدة الشوبك من أعمال مركز شبين القناطر عندما أقام لهم توفيق بك بدوي‮ حفلاً‮ علي‮ شرف‮ »‬هيئة التحرير‮« وكان علي‮ رأس الضيوف الرئيس محمد نجيب‮.. ولكنه لم‮ يأت وجاء بدلاً‮ منه علي‮ رأس الوفد جمال عبدالناصر‮.. واعتبرها توفيق بك بدوي‮ إهانة له وسمعته بأذني‮ وهو‮ يقول‮:‬
‮- لو جاء الرئيس محمد نجيب لكنت سلمت خمسة فدادين عن طيب خاطر تبرعاً‮ لهيئة التحرير‮.. ولكني‮ أقدم فدانين لصحبة الكرام‮.. وأسرها جمال عبدالناصر في‮ نفسه ثم نكَّل به بعد ذلك‮..‬
عودة إلي‮ الحفل‮.. صال القرضاوي‮ وجال وقال كيف إن الإسلام ليس دين الملوك ولكنه دين الجمهوريات ورؤسائها‮.. وأن النظام الأقرب إلي‮ مفاهيم الإسلام هو النظام الجمهوري‮ الذي‮ تأخذ به مصر‮.. ولم تكن مصر قد أخذت به بعد‮.. ولكنه هكذا قال‮.‬
وكان جمهور الإخوان‮ يقاطعه بالهتاف المشهور‮.. الله أكبر ولله الحمد‮.. لا إله إلا الله عليها نحيا وعليها نموت وعليها نلقي‮ الله‮.‬
وهتفت جماهير الإخوان للمرة الأولي‮: جمهورية جمهورية‮.. لا ملكية في‮ الإسلام‮.. جمهورية جمهورية‮.. لا شرقية ولا‮ غربية‮.‬
وكان رؤساء الإخوان‮.. وكلهم من الشباب‮ يبتسمون‮.. واشتعل الحماس وارتفع الهتاف‮.. ويبدو أن أحد العقلاء قد نبه المسئولين عن الحفل أن هذه الهتافات ضد الدستور الذي‮ تحكم به مصر والذي‮ يقضي‮ بأن الدولة ملكية‮.. ومن ثم صاروا‮ يسكتون الناس ويمنعون ارتفاع هذا الهتاف رغم سعادة الجميع‮.‬
كان‮ يسيطر علي‮ المكان شباب الإخوان المتحمس الذي‮ يشتعل ناراً‮ من هتافاته الساخنة،‮ وسرعته إليها،‮ وسبقه للحوادث مثل هتافات الجمهورية التي‮ لم تنشأ بعد،‮ وكان الأعيان من جمهور حزب الوفد‮ ينظرون في‮ ارتياح مشوب بالقلق إلي‮ ما‮ يدور،‮ فهم أول من‮ يعلم أن هذه الحركة من صناعة الإخوان‮.. وأنهم سادة المستقبل الذي‮ بدأ إن أحسنوا ركوب عربة الجيش‮. وكان من الواضح في‮ الاستقبال والترحيب أن سيد قطب ومن كان معه وهم تحديداً‮ لا أذكرهم ولكنهم لم‮ يزيدوا عن ثلاثة أشخاص ربما لهم أسماء وحيثية ولكني‮ لا أعرفهم‮.. وكان‮ يبدو الترحيب بالمشايخ وأصحاب العمائم بشكل واضح‮.. أما الآخرون فهي‮ تحية عابرة من باب المجاملة ليس أكثر‮.‬
وكانت قصة إعلان الجمهورية في‮ مصر قديمة قد فكَّر فيها النحاس باشا وكاد أن‮ يصدر قانوناً‮ من البرلمان بهذا‮.. وكانت أحداثاً‮ محدودة ومشاورات ضيقة في‮ نطاقها‮.. وقيل إن النحاس باشا قد طلب ورقة صغيرة فيها تصور عن هذا القانون الذي‮ يمكن أن‮ يعلن‮.‬
وقيل إن الذي‮ نهي‮ النحاس باشا عن هذا المشروع هو مكرم عبيد باشا وأخبره بأنه سابق لأوانه وأن الإنجليز لن‮ يقبلوا به ولن‮ يوافق عليه الجيش‮.‬
الحوار بين سيد قطب وبين الوفد
قام سيد قطب مدعواً‮ للتعقيب علي‮ محاضرة‮ يوسف القرضاوي،‮ وكان رحمه الله منخفض الصوت ولولا الميكروفون لما سمعه أحد وكان شديد الحياء،‮ تبدو عليه أمارات الارتباك من الخجل ولكن دون أن‮ يؤثر هذا في‮ حديثه،‮ أو في‮ ترتيب جمله‮.‬
وتكلم رحمه الله عن الثورة أو الحركة المباركة،‮ وكان من أشد المؤمنين بها شأنه شأن الإخوان وأغلب المثقفين والكتاب علي‮ اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم‮.‬
وقال سيد قطب إن هذه الحركة أو هذه الثورة هي‮ نقلة نوعية في‮ تاريخ البلاد قد تدوم ألف عام‮.‬
وندعو الله أن‮ يكون هذا التقدير من باب الحماسة وألا‮ يكون‮! وقال إن ثورة‮ 1919‮ قد فشلت لأنه لم‮ يترتب عليها شيء‮.. نرجو ملاحظة أنه‮ يتكلم عن حركة‮ 23‮ يوليو بعد شهرين فقط‮!! وهنا وقف له أحد الوفديين المرحوم الشاعر عبدالمنعم عواد‮ يوسف وهو من أكبر شعراء العربية،‮ وقد مات رحمه الله منذ عدة أسابيع وهو زوج الدكتورة ثريا العسيلي‮ أستاذة الأدب العربي‮ وأبوها المرحوم الأستاذ عبدالفتاح العسيلي‮ من أقطاب الإخوان ومن الذين التقوا الإمام الشهيد حسن البنا وكتب اسمه ضمن من قابلهم في‮ شبين القناطر في سنين الإعداد منذ زمن‮. وخالها هو الدكتور حسن عيسي‮ عبدالظاهر مقدم الحفل وزميل الشيخ‮ يوسف القرضاوي‮.‬
كان سيد قطب‮ يتكلم بصوت خفيض،‮ وانتفض عبدالمنعم عواد‮ يوسف صاحب قصيدة،‮ وكما‮ يموت الناس مات لا لم تنح أرض عليه ولا تهاوت شامخات‮.. والتي‮ هزت وجدان المثقفين العرب في‮ الخمسينيات‮.. وكانت لها وله شهرة عالية‮.‬
وقف عبدالمنعم عواد وقال لسيد قطب بصوت جهير‮:‬
‮- ثورة‮ 19‮ لم تفشل‮ يا أستاذ‮!!‬
وكان الغضب‮ يملأ عبارة الأستاذ عبدالمنعم ورد عليه الأستاذ سيد قطب بوداعة‮:‬
‮- هي‮ يا أخي‮ لم‮ يترتب عليها شيء‮.. لم تكن سبباً‮ في‮ أية خطوة إلي‮ تقدم البلاد‮.‬
وقال له الأستاذ عبدالمنعم عواد‮:‬
‮- وما الذي‮ ترتب علي‮ الحركة المباركة؟
‮- لقد مَرَّ‮ شهران حتي‮ الآن‮.. انتظر وستري‮.‬
‮- أنت تتكلم عن‮ غيب لم‮ يحدث لنعرف ماذا‮ يكون فيه‮.. أما ثورة‮ 1919‮ فكانت سبباً‮ في‮ قيام الدولة المصرية الحديثة وكانت سبباً‮ في‮ الدستور‮.. ولو خرجت سيادتك إلي‮ الشارع لرأيت الملصقات التي‮ ألصقتها الحكومة‮.. وصورة الجندي‮.. وشعار الجيش‮ يحمي‮ الدستور‮.. وهذا الدستور هو الذي‮ خلق المناخ الذي أدي إلي‮ قيام هذه الحركة المباركة‮.‬
وحتي‮ ينهي‮ سيد قطب الموقف أعلن أنهم‮ يناقشون هذه الحكاية سوياً‮ بعد انتهاء المحاضرة وتوابعها‮.‬
وقد اجتمع بعد انتهاء المحاضرة عدد للمناقشة‮.. ولكن هذه المناقشة قد أنهاها موعد آخر قطار‮ يذهب إلي‮ القاهرة‮. وكان‮ يقوم في‮ تمام الساعة الحادية عشرة مساء‮. وكانت الأمور منضبطة انضباطاً‮ كبيراً‮.‬
وأذكر في‮ الجلسة التي‮ تمت بعد المحاضرة بعضاً‮ من أقوال عبدالمنعم عواد‮ يوسف رحمه الله‮:‬
‮- العسكر عندما‮ يحكمون لا نعرف إلي‮ أين‮ يذهبون‮.‬
‮- لا‮ ينبغي‮ أن‮ يكون العسكر هم الحكام بل‮ ينبغي‮ أن‮ يكونوا في‮ خدمة الحكام‮.‬
‮- العسكر لا‮ يعرفون القانون إلا قانون العسكرية وهو‮ يقضي‮ علي‮ المجتمعات ولا‮ ينهض بها أبداً‮.‬
وكان سيد قطب‮ يرد عليه بأنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدي‮.. وربطنا علي‮ قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً‮.. وجعلهم كفتية أهل الكهف‮. كان عبدالمنعم عواد في‮ العشرين من عمره وسيد قطب في‮ الأربعين ولكنه كان شديد الحماسة للثورة وللرئيس محمد جمال عبدالناصر حفظه الله‮.‬
ظلم وفساد
وبعد مرور هذه العقود ورأينا الظلم والفساد الذي‮ أصاب مصر والذي‮ زرعه العسكر والإخوان‮.. ولم تعد دعوة الإخوان هي‮ دعوة الحق والقوة والحرية بل صارت شيئاً‮ آخر بعيداً‮ عن هذه الكلمات‮.‬
وقد حدثني‮ أحد المستائين من السماعين للكلم الأكالين للسحت أنهم كادوا‮ يغيرون النصوص،‮ ويقول هذا الأخ الكريم‮:‬
‮- لو أحببت فسوف أريك كيف أن الصدقات قد صارت في‮ زعمهم للعاملين عليها فقط‮..‬
وقلت له هذه مبالغة سببها بعض الأخطاء التي‮ قد تقع من هذا أو ذاك‮.‬
وختم حديثه معي‮:‬
‮- حديث الفلوس‮ يطول بدء من التقوي‮ والإغاثة والأسلحة في‮ أفغانستان إلي‮ مدارس المدينة المنورة ومكة المكرمة والقدس العتيقة‮. واتفقنا أن نتكلم عن هذا فيما بعد‮..‬
مجزرة الإسكندرية
ما حدث مع بداية العام من التفجير الذي‮ حدث عند كنيسة القديسين أمر مؤسف ومحزن ويثير الأسي‮ الشديد‮. وهو قد‮ يتكرر ولا تتوقف مثل هذه الحوادث أبداً‮. والظن أنها ليست مصرية المنشأ لأن الأمن هو أعظم منجزات الحكومة‮.. أقصد بالأمن هنا هو أمن الدولة‮.. ويصعب التدرب في‮ مصر علي‮ مثل هذه الحوادث لأن الأمن‮.. أمن الدولة‮.. مخترقة جميع التنظيمات الدينية وغير الدينية‮.. وهم أحرار في‮ ذلك‮.. فالصراع علي‮ أشده‮.. وعلي‮ هذا‮ يصعب أن‮ يفكر فصيل إسلامي‮ في‮ شيء من هذا دون أن تكتشفه الدولة‮.. هذا ناهيك عن أن أصحاب الاتجاهات الإسلامية‮ يستنكرون هذا‮.‬
وما المشكلة في‮ السماح للمسيحيين ببناء ما‮ يشاؤون من كنائس؟
وحادث الكنيسة قد جاء بعد ضبط خلية التجسس الإسرائيلية هل هناك علاقة بين الحادثين؟
لماذا‮ ينفرد المسلمون بهذه التهمة؟ قتل المواطنين العزل الأبرياء‮!!‬
كانت الوكالة اليهودية أيام هتلر تقوم بأعمال ضد اليهود مثل تحطيم المحلات والضرب والقتل بغرض إرغام اليهود علي‮ الهجرة إلي‮ إسرائيل‮.. هذه مجرد ملاحظة‮!!‬
تأملات
‮* من الذي‮ ضيع السودان وجوبا وكردفان ودارفور ومن قبلها سوريا واليمن والعراق وليبيا؟ من الذي‮ قضي‮ علي‮ حلم الوحدة العربية في‮ القرن القادم؟ لا‮ يغضب أحد إن قلت إنه الرئيس المؤمن محمد جمال عبدالناصر‮.. والذي‮ لا‮ يعرف‮ يقرأ التاريخ‮.‬
‮* نحتاج إلي‮ قرن من الزمن لديمقراطية وحرية بشرط أن‮ يذهب الإخوان للعمل في‮ بورصة الأوراق المالية من أجل تحسين دخولهم‮.. وترك أموال الصدقات‮.‬
إشراقات
قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)
الأعلي‮: 14‮ - 19


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.