كوستا جافراس يحب العود، الكلاسيكي كما يعزفه منير بشير.. ويعشق سماع صوت أم كلثوم منذ أن رآها في قاعة «الأولمبيا» في باريس.. تعجبه الطريقة العربية في التوزيع الأوركسترالي.. ولكنه عاشق لصوت فيروز.. ومتابع متيم بالموسيقى الجزائرية «الراي» ويراها صرخة جزائر على وشك الولادة.. كوستا جافراس النابغة الذى وظف فنه لمحاربة الفاشية فى كل صورها؛ والمخرج الفرنسي الأكثر حيازة للجوائز الدولية والذى لم يجد موزعاً فى فرنسا لآخر الأفلام التى تحمس لها وأنتجها يحل ضيفاً شرفياً على مهرجان كان فى دورته الحالية التى تبدأ يوم 13 مايو إلى 24 مايو». «كوستا جافراس» يجىء إلى «كان» والتى حصل فيها على سعفتها الذهبية من قبل؛ رغم أن فرنسا خذلته مؤخراً ولم يجد موزعاً للفيلم الذي أنتجه «الآن بإمكانهم المجيء» وأخرجه الجزائري سالم براهيمي، بعد أن رفضت عدة قنوات المساهمة في تمويله منها قناة «آر تي»، و«تي إف 1»، وقناة «كنال بلوس»، إضافة إلى بعض القنوات الفرنسية. ويعود الفيلم لسنوات التسعينيات في الجزائر، والتي عرفت صعود التيار الإسلامي. وقال «جافراس» إن الفيلم بإمكانه أن يساعد الفرنسيين على فهم ظاهرة التطرف، ورغم ذلك لم يجد أي موزع يتكفل بعرضه في فرنسا.. ويعد «كوستا جافراس» البصمة الحقيقية للسينما السياسية في العالم وفيلمه «زد» هو نقطة الانطلاق لتلك النوعية من الأفلام التى اتخذت من أسلوبه بترونا سينمائيا لأفلام عالمية عديدة، وفى مصر كان فيلم زائر الفجر هو أحد تلك الأعمال, والمخرج الفرنسي اليوناني «كوستا جافراس» يعد أحد فلاسفة السينما أصحاب الرؤى لذلك لم يكن غريبا رأيه إن «القادة الذين اخترناهم ليسوا هم من يقودون بلدانهم، بل البنوك الأمريكية والعالمية الكبيرة». ويقول: «أنا أصنع أشرطة فيلمية عن ما أراه وأحسه حواليّ، لكنني أرى أن شوارزنجر، على سبيل المثال، يتناول السياسة في أفلامه أكثر مني». وعن فيلمه «رأس المال» قال «جافراس»: «لم تكن في نيتي تقديم موضوع أو فيلم سياسي بقدر ما كان اهتمامي عرض قصص تشغلني وتغضبني في نفس الوقت أحاول ترجمتها بلغة سينمائية وتقديمها للمشاهد، وفى هذا العمل يضيف «كوستا جافراس» ثمرة عمل تحليله المستوحاة من وضع الأزمة المالية العالمية التي لا تزال قائمة وتبعاتها تلحق بالاقتصاد العالمي». ولد «كوستا» في 12 فبراير 1933 في لوترا ارياس في اليونان، حيث أمضت أسرته، الحرب العالمية الثانية في قرية في مقاطعة بيليونس، بعدها انتقلوا إلى العاصمة اليونانية أثينا، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. والده كان عضوا في الجناح الأيسر للمقاومة اليونانية (آي. آي. إم)، وقد اتهم بالشيوعية. وهذا ما جعل كوستا يعاني كثيراً، بل إنه حرم من دخول الجامعة، أو حتى الهجرة، إلى الولاياتالمتحدةالأمريكية بعد انتهائه من المرحلة الثانوية، استطاع الهجرة إلى فرنسا، حيث شرع أولا بدراسة القانون (المحاماة) في عام 1951، وكما كانت انتماءات والده السياسية، اليسارية والشيوعية سبباً مباشراً في عدم بقائه في أثينا، حيث رفضت أوراقه لانتساب والده إلى الحزب الشيوعي، وهكذا رفضت السفارة الأمريكية أوراقه للسفر إلى أمريكا، إبان الحملة المكارثية. في الخمسينيات من القرن الماضي. وخلال دراسته القانون، ارتبط بعلاقات وثيقة مع أهل السينما، ما دفعه، لأن يترك دراسة القانون ويتجه إلى دراسة السينما من خلال المدرسة الوطنية للفيلم في فرنسا (ايدك) والتي تعتبر المدرسة السينمائية الأهم في أوروبا لتدريس الفن السابع،. وأتيحت له الفرصة للتعلم على يد «ايف الفريد»، ثم عمل مساعداً للمخرج جان جينو ورينيه كلير. وفيلمه زد (z) حول قاضي تحقيقات لعب دوره النجم الفرنسي جان لوي ترتنتيان، وهذا العمل عن ملابسات اغتيال السياسي اليوناني «جريجوري لامبراليس» في عام 1963 وقد فاز الفيلم بأوسكار أفضل فيلم أجنبي وفاز كوستا مع الكاتب جورج سيمرين بجائزة ادجار (جائزة كتاب السينما الأمريكية) عن سيناريو فيلم اعتراف 1970 متناولاً عملية التحقيق مع سياسي تشيكي. مستعرضاً ما يحدث مع السلطات القمعية وممارساتها أثناء التحقيقات؛ والتعذيب في السجون والمعتقلات السياسية، وهو مقتبس من السيرة الذاتية لآرثر لندن نائب وزير العلاقات الخارجية التشيكوسلوفاكي مما تسبب في ردود فعل عنيفة ضد الفيلم من طرف الأحزاب الستالينية في أوروبا في الثلاثينيات، حيث اتهم جافراس بمحاولة تشويه الأنظمة التي كانت تدعي الاشتراكية بأوروبا الشرقي.. وفي عام 1973 يقدم تحفة أخرى، بعنوان «تحت الحصار»، ويكشف الفيلم جوانب من ممارسات هيئة الاستخبارات الأمريكية، وتدخل أمريكا في حياة ومصائر الكثير من شعوب العالم. فى 1982 كان فيلمه المفقود عن اختطاف صحفي أمريكى في تشيلي أثناء حكم «اوجيستون بيونشيه» بطولة جاك ليمون مع سيسلي سباسك وقد فاز الفيلم بجائزة السعفة الذهبية لمهرجان كان.. ومع الممثلة الأمريكية «جيل كليبورج» وفى عام 1983 قدم المخرج كوستا جافراس فيلم «حنا ك» حيث قامت بدور محامية إسرائيلية تدافع عن حقوق ملكية الفلسطينيين لبيوتهم؛ ما دفع اللوبى الصهيونى فى هوليوود إلى الوقوف ضد الفيلم؛ وفيلم «حنا ك» كما يقول جافراس «مثل نبوءة ما لما يجري الآن من دعوة للتعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفكرة «حنا ك» جاءت له عن طريق صديقة فلسطينية، اسمها عبير، اعتادت أن تأتي إليه.. وفى إحدى المرات قالت له: «لماذا لا تفعل شيئاً عن الفلسطينيين.. أما فيلمه «سيدي العقيد» الذي انتجه وكتب السيناريو له، فقال جافراس إنه يشبه في أحداثه ما يجري في العراق حالياً من حيث التعذيب والاضطهاد والمقاومة. أما فيلمه «صندوق الموسيقى» 1989، فعن حياة رجل نازي متورط بمعاداة السامية اليهود وفاز الفيلم بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الدولي. وفيلمه «إلى الغرب من عدن» فهو عن شاب يدخل الاتحاد الأوروبي بصورة غير شرعية، مستخدماً أسلوب الكوميديا السوداء؛ يعتبره جافراس الأكثر ذاتية في مسيرته الفنية. وهو لا يتكلم عنه بشكل مباشر متحدثاً عن الآلاف من الآباء الأوروبيين اليوم، الذين هم أصلاً من المهاجرين، وهذا العمل كما يقول «جافراس»: (على نحو اوديسي، حيث الشخصية الأساسية كما عوليس تعبر البحر المتوسط ثم تخوض المحن وتتخطى العواقب وتواجه وحوش الحداثة وتقلب أساطير مرحلتنا)؛ والفيلم لا يخلو من نفحات فانتازية فجافراس يقول من خلال فيلمه ومن خلال وعيه الذاتي بقضية الهجرة ونجاحه الشخصي في فرنسا: «أن تذهب يعني ان تموت قليلاً لتولد في مكان آخر من جديد». وفيلمه الساطور ينقلك إلى باريس مع التقيد بتفاصيل رواية دونالد ويستليك التي بنى عليها سيناريو الفيلم والذي يقوم ببطولته خوزيه جارثيا بدور (برونو دافير) الموظف العاطل عن العمل منذ ثلاث سنوات فيلجأ إلى تصفية خصومه؛ وكما يقول «جافراس»: «كل فيلم يحمل فلسفة مؤلفه. نحن نعيش أكثر فأكثر داخل نظام ليبرالي، رأسمالية وحشية تهتم بالاقتصاد أكثر مما تهتم بالإنسان. الأمر لا يتعلق بموقف حزبي فلم يسبق للمؤسسات الرأسمالية أن حققت أرباحاً كالتي تحققها اليوم كما لم يسبق أن كان عدد العاطلين عن العمل في العالم بهذه الكثرة. وأكرر أنه لا يتطلب من أن أكون رجل اقتصاد أو عالماً اجتماعياً ولا حتى سياسياً لأرى صحة الربط بين هذه المجالات».. وفى النهاية تبقى السياسة هي الحاضرة في كل أعمال «كوستا جافرس» ولا يقف أمام الكاميرا إلا ليقدم فكراً وفناً سياسياً مهما نفى هو نفسه ذلك.