رافقت زيارة جون كيري، وزير الخارجية الأميركية، والتحضيرات للزيارة القريبة للرئيس اوباما إلى المنطقة العربية، تقديرات وتوقعات متفائلة صدرت عن العديد من المعنيين بإيجاد حلول لقضايا العلاقات العربية الأميركية، وخصوصاً على صعيد الصراع العربي/ الفلسطيني الإسرائيلي، فلقد صرح الرئيس الفلسطيني بأن زيارة اوباما سوف تطلق حراكاً سياسياً يخلق فرصة مناسبة لتطبيق حل الدولتين. وساند الإعلام العالمي المساند للقضية الفلسطينية هذه التوقعات، ففي مقال افتتاحي أعربت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن تفاؤلها بالزيارة التي سوف «تعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة في البيت الأبيض وتؤكد أنها من اولوياته». ونالت زيارة كيري شيئاً من هذه التوقعات المتفائلة، حيث قيل إنه يحظى بدرجة عالية من التقدير، لسلوكه المهني العالي ومواقفه المتوازنة. وتضاعفت هذه التوقعات المتفائلة في الأوساط العربية وفي أوساط المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، مع بروز مؤشرات تدل على انزعاج إسرائيل المكبوت بسبب تعيين كيري على رأس الديبلوماسية الأميركية، وتخوفها من أن يحد هذا التعيين من دعم واشنطن لإسرائيل. في غمرة هذه الزيارات وردود الفعل عليها، تتداول الأوساط الدولية المعنية بالأوضاع العربية وبالقضية الفلسطينية، أسئلةً متعلقة بحجم التدخل الأميركي في قضايا المنطقة، وبمسوغات ردود الفعل المتفائلة على زيارتي كيري واوباما، وذلك بدءاً من السؤال التقليدي الذي يتردد عقب كل مبادرة اميركية تجاه هذه القضايا: أيهما أفضل بالمعايير العربية والدولية: أن تزيد الولاياتالمتحدة من تدخلها في المنطقتين العربية والشرق اوسطية، أم أن يقل هذا التدخل وينحسر؟ يعتبر البعض أن الجواب البديهي على هذا السؤال هو ما كان يردده الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، من أنه نظراً لإمساك الولاياتالمتحدة ب 99% من أوراق الصراع العربي-الإسرائيلي، وحيث إنها هي وحدها القادرة على الضغط على إسرائيل وعلى جرّها إلى تقديم التنازلات للعرب، فإن المطلوب عربياً هو المزيد من التدخل الأميركي في الشؤون العربية. ولقد اعتُبر استرجاع مصر لسيناء برهاناً حاسماً على صواب هذا الرأي، فتحرير سيناء لم يكن ليتم لولا الضغط الأميركي على إسرائيل. ويجدر ذكر أن الانتقادات التي أخذت تصدر عن الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر إلى إسرائيل بعد خروجه من البيت الأبيض، جاءت لتعزز هذه النظرية، ذلك أن هذه الانتقادات ساهمت في إعطاء انطباع بأن إدارة كارتر التي رعت معاهدة «كامب ديفيد» كانت غير منحازة تجاه إسرائيل، بل إنها كانت أقرب إلى العرب والفلسطينيين. ولكن هذا التفسير التبسيطي لخروج إسرائيل من سيناء يحتاج إلى مراجعة واسعة وإلى تذكير بأهم الحقائق والمعطيات التي أثرت على مفاوضات كامب ديفيد. وهذا يتطلب الإجابة الأمينة على أسئلة عديدة، من أهمها: هل كانت الولاياتالمتحدة تمسك بالفعل ب 99% من أوراق الصراع العربي-الإسرائيلي؟ وإذا افترضنا أن واشنطن باتت تمسك بأكثر هذه الأوراق، فهل ساهمت المواقف العربية في الوصول إلى ذلك الحال؟ ما هو العامل الحاسم في خروج إسرائيل من سيناء؟ هل كان الضغط الأميركي؟ أم قبول مصر التوقيع على معاهدة كامب ديفيد؟ ومن وجهة اسرائيلية بحتة، وسواء كان هناك ضغط أميركي أم لا، ألا يستحق توقيع معاهدة سلام مع بلد مثل مصر، بما تمثله من طاقات سياسية وعسكرية، وبسبب مكانتها في المنطقة العربية والعالم الثالث والمجتمع الدولي، أن تخرج إسرائيل من سيناء؟ إن تجارب العلاقات الدولية-العربية التي مرت بها المنطقة، تقدم لنا إجابات كثيرة على الأسئلة المطروحة اليوم، وذلك بدءاً بتلك النظرية التي تبالغ في تقدير فاعلية الدور الأميركي، بغرض تبرير التنازل غير المشروع للإسرائيليين، فخلافاً لهذه الصورة، نجد أن الولاياتالمتحدة اليوم هي القوة العظمى الوحيدة في النظام الدولي، ونراها تقف على رأس الهرم الدولي من حيث حجم اقتصادها، بينما تقف روسيا في المرتبة الثانية عشرة، كما أن مجموع الإنفاق العسكري للولايات المتحدة يصل حالياً إلى ما يعادل مجموع الإنفاق العسكري للدول الأربع عشرة التي تليها في هذا المضمار، ومن بينها روسيا نفسها. بتعبير آخر، إن الولاياتالمتحدة هي اليوم في وضع افضل بكثير من السبعينات، عندما كانت تعاني خسائر حرب فيتنام، وعندما انتشرت نظرية تراجع الزعامة الأميركية، وحين كان الاتحاد السوفياتي لا يزال قوة عظمى. ورغم المصير الذي لحق بروسيا وتراجُع مكانتها الدولية، نجد أن واشنطن لا تتصرف اليوم في الشأن السوري أو في أي شأن عربي آخر وكأنها تملك 99% من أوراق الصراع، ونراها مضطرة إلى اعتماد مقاربات ذات طابع تعددي ودولي أو ثنائي أميركي-روسي تجاه أي قضية عربية أو شرق أوسطية، سواء كانت المسألة الليبية، أو السورية، أو اليمنية أو غيرها من القضايا. وحتى لو تجاهلنا هذه المتغيرات وسلمنا جدلاً بنظرية السادات، ووافقنا الذين يتوسلونها اليوم للاستبشار بالتحرك الأميركي الجديد، فلا بد أن نجيب عن سؤال آخر: عندما تمسك واشنطن ب 99% من أوراق الصراع، كيف تستخدم هذه الأوراق؟ هل تستخدمها كوسيط نزيه بين العرب والإسرائيليين؟ هل تستخدمها كشرطي العالم الذي يحرص على تحقيق السلام وعلى تطبيق مبادئ العدالة الدولية؟ هل تستخدمها لمصلحة احد طرفي النزاع؟ إن الزعماء الأميركيين يرددون بلا انقطاع الأهداف الاستراتيجية لتدخلهم في المنطقتين العربية والشرق أوسطية. ويأتي في مقدمة هذه الأهداف، الحرص على أمن إسرائيل وسلامتها ودعمهم لها عسكرياً واقتصادياً، كما أكد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون. كما يأتي من بين هذه الأهداف الحفاظ على تدفق النفط العربي إلى الولاياتالمتحدة والغرب بأسعار «معقولة». ومن هذه الأهداف الاستراتيجية أيضاً ضمان استمرار الاستثمارات والودائع العربية في المصارف والأسواق الأميركية والغربية، التي تصل إلى حوالى التريليون دولار، والتمكن من الإمساك بالمواقع المهمة في البلدان العربية من الناحية الجيو-استراتيجية، وذلك في سياق الاستعداد لمنازلات دولية أوسع وأكبر مع الصين ومع القوى البازغة في العالم. ومن المؤكد أن هناك نقاط اختلاف كثيرة بين العرب والأميركيين في هذه المجالات، فكيف نعالج هذه الخلافات؟ وما هي الظروف الأفضل لتنظيم العلاقات العربية-الأميركية بما يحقق المصالح المشتركة بين الطرفين؟ من الصعب أن يجد المرء في الأوضاع الراهنة في المنطقة العربية مدخلاً مناسباً لإرساء العلاقات العربية-الأميركية على أسس سليمة، ومن الأصعب أن يجد المرء في هذه الأوضاع ما يصلح معبراً للوصول إلى تسوية مع إسرائيل. من المؤكد أن الانقسام الفلسطيني العمودي ليس الوضع الأفضل للتوصل إلى تسوية مع إسرائيل. وإذا كنا مقتنعين فعلاً بأن القضية الفلسطينية لن تجد حلاً عادلاً في غياب أوضاع عربية سوية، فإننا سوف نجد أن محاولة التوصل إلى مثل هذا الحل اليوم هي ضرب من الوهم والمقامرة بمصير الشعب الفلسطيني. بالمقابل، فإن الانكباب على ترتيب أوضاع البيت العربي، والبيت الفلسطيني خصوصاً، يبقى المدخل الأفضل للوصول إلى الأهداف العربية والفلسطينية المنشودة. وبالمقابل، فإن تجربة المقاومة اللبنانية التي أخرجت الإسرائيليين من جنوب لبنان تبقى النموذج الأفضل لتحرير الأرض العربية في فلسطين والجولان من تجارب السلام الفاشلة التي نقلت الحروب إلى الديار العربية. نقلا عن صحيفة الحياة