يعيش المصريون مرحلة ريبة وتخوف مما يُجرى حولهم.. ولهم كل الحق فى ذلك.. بعد أن رأوا ورصدوا صورة تكتمل أبعادها يوماً بعد يوم.. ولم يكن يتوقع حدوثها بعد قيام ثورة (25 يناير 2011) المجيدة.. والتى راح ضحيتها بالقرب من 1000 شهيد وما يزيد على 8000 مصاب من خيرة أبناء مصر.. وكان ذلك فى سبيل تحقيق حلم.. تحرير البلاد من نظام استبدادى فاسد والسعى لعودة مصر لمكانتها كدولة لها قيمتها وتأثيرها المترامى على مدى التاريخ القديم والحديث. ولكن طبيعة الأحداث ووقعها خلال الثمانية عشر شهراً الماضية أدخلتنا فى نفق وأشاعت جواً من الفوضى المحسوبة والارتباك المتعمد حتى لا تتضح الرؤية.. ولا نرى إلى أين يسير بالبلاد فصيل واحد من أبنائها.. وكأنه كان منتظراً للوقت والفرصة لحصد وجنى مكتسبات الثورة.. وتجاهل كل من قام بها واشترك فى إنجاحها وحماها لتستمر، بل العكس كان.. ومازال مستمراً من هجوم غير مبرر على الثوار وعلى كل مؤسسات الدولة الأساسية التى بدونها تضيع البلاد.. وتهلك ولم يستثن من هجومهم أحد.. حتى من سعوا هم أنفسهم للتوافق معهم فى بدايات الثورة من أحزاب وجماعات وفئات لها تأثيرها.. بعد أن وصلوا إلى ما ابتغوه انقلبوا عليهم.. بكل بساطة وكأنه لم يكن بينهم وثيقة وعهود!! والصورة الصادمة حقاً لأبناء الوطن.. والسبب وراء خيبة الأمل التى لا حدود لها هو أن بعد أن اعتقد الجناح السياسى لجماعة الإخوان المسلمين حزب الحرية والعدالة.. إنه نجح فيما خطط له للاستحواذ على الأكثرية فى البرلمان.. والكل يعلم الوسائل والطرق التى أُستخدمت والتى لم تختلف عما كان يستخدمه الحزب الوطنى.. بل زيد عليها طرق مبتكرة من حملات طرق الأبواب.. والتخشيب، وكان للسيدات دور بارز.. وأيضاً تقديم عطايا عينية من بطاطس وزيت وسكر.. وما يعتبر إهانة بالغة أمام الحصول على صوت الناخب الذى هو فى عداد (شهادة حق)!! والغريب حقيقة أن الجماعة وحزبها كانا وراء الإصرار على الترشح كحزب على المقاعد الفردية للمستقلين.. وكان هذا السبب فى حكم المحكمة الدستورية باعتبار أن البرلمان وجوده فى حكم المنعدم. ولم يتقبل فصيل الأكثرية فى البرلمان ذلك بل لأول مرة فى تاريخ القضاء المصرى الشامخ انهالت الاتهامات غير المقبولة على المحكمة الدستورية.. بل على القضاء بأكمله بحجة أنهم يريدون استقلال القضاء.. وهم الذين تدخلوا فى استقلاله بالقرار الرئاسى رقم (11 لسنة 2012) بدعوة إعادة انعقاد المجلس.. ثم تم التراجع السريع بعد أن أكدت المحكمة الدستورية الحكم وعواقب عدم تنفيذه!! كذلك على سبيل المثال وليس الحصر.. كيف دعوا لاستفتاء (19 مارس 2011) وأدخلوا البلاد فى التيه والمتاهات التى ندور فيها حتى الآن، وكان وسيلتهم فى الموافقة على التعديلات التى رأوا أنها فى صالحهم هى الدخول إلى الجنة.. أما عدم الموافقة فهو الخروج على الدين.. والمصير جهنم والعياذ بالله!! إن أسلوب الجماعة وحزب الحرية والعدالة لم يعد خافياً على أحد، بل وضح للجميع.. فلقد دأبوا على محاولة إطلاق تصريحات أو إصدار قرارات لا هدف لها إلى الاستحواذ الكامل على الوطن وإعادة هيكلة مؤسساته التى تضمن لهم البقاء والسيطرة على أمل تمرير تلك القرارات وتوجيه الرأى العام بالتصريحات.. بدون التنبيه إلى خطورتها. ولكن عندما يعلمون أن الرأى العام ليس بغافل عما يفعلون.. سرعان ما يحدث التراجع.. ويبررون بأنهم أخطأوا.. أو لم يقصدوا.. أو من صرح بالتصريحات المهنية غير اللائقة وتلفظ بألفاظ جارحة لا يمثل إلا نفسه.. شيء محزن ومخيب للآمال أن يصدر ذلك عن فصيل يتصدر المشهد السياسى الآن. إن المصريين ليسوا حقلاً للتجارب.. وليعلم من يستهين بقدراتهم أنهم شعب متحضر يغير ولا يتغير.. فهو نتاج حضارة آلاف السنين وليست دويلة أو دولة أنشئت منذ عشرات السنين. الكلمة الأخيرة هناك مقولة.. يمكنك أن تخذع كل الناس بعض الوقت وأن تخدع بعض الناس كل الوقت.. ولكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت!