وفي ما يلي ترجمة للتقرير الذي كتبته كارولين غليك حول هذا الموضوع تحت عنوان «أصدقاؤنا السوريون»: قبيل انتخابات مجلس الدوما يوم الأحد 2 كانون الأول/ ديسمبر أخذ الرئيس الروسي خطوة أخرى نحو إذابة الجليد الذي خيم على علاقات روسيا مع الغرب ما بعد الحرب الباردة وذلك عبر توقيع قانون تعليق اشتراك روسيا في معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا. وبدءاً من الأسبوع المقبل، ستوقف روسيا تفتيش ومراقبة بلدان حلف شمالي الأطلسي (الناتو) لمواقعها العسكرية وستصبح غير مرغمة على الحدّ من أسلحتها التقليدية المنتشرة غرب جبال الأورال. هذه الإشارة التي أرسلتها هذه الخطوة إلى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة والدول التابعة لها مثل أوكرانيا، جورجيا، بولندا ورومانيا تثير الرعب. لقد امتدت عدائية روسيا تجاه الغرب من أوروبا إلى الشرق الأوسط. فخلال حرب إسرائىل ضد «حزب الله» عام 2006، قدم المستشارون العسكريون الروس في سورية عملاً استخباراتياً فعلياً لكل من سورية و«حزب الله». وكان يتمّ نقل الصواريخ كما هي موضبة في بلد المنشأ لحزب الله عبر وزارة الدفاع في سورية التي كانت تتسلم تلك الصواريخ من روسيا. لقد باعت روسيا، منذ الحرب، كميات هائلة من الأسلحة المتطورة لكل من سورية وإيران. وما زالت الأسلحة الروسية تساهم في بناء مخزون «حزب الله» الجديد من الصواريخ. ديبلوماسياً، كانت روسيا بمثابة درع واقٍ لسورية وإيران في مجلس الأمن وفي محافل دولية أخرى. فقد وضعت عراقيل أمام التحقيق الذي باشرته الأممالمتحدة الخاص باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وقد منعت مجلس الأمن من اتخاذ أي إجراءات حاسمة ضد برنامج إيران النووي. كما وأنها استمرت في رعايتها برنامج إيران النووي عبر الاستمرار في مشاركتها في مفاعل بوشهر النووي الذي قامت ببنائه. ووافقت هذا الأسبوع، وكالة الطاقة النووية الدولية المؤيدة لإيران على خطة روسيا بإرسال شحنة وقود نووية إلى بوشهر. وسط كل هذا، قرر رئيس الوزراء إيهود أولمرت وحكومته، قبول روسيا لتكون الوسيط الذي يقود المفاوضات بين إسرائيل وسورية والتي تدور حول تخلي إسرائىل عن مرتفعات الجولان المهمة استراتيجياً. ووفقاً لتقارير نشرتها صحيفة «معاريف»، فإن أولمرت قام بإجراء محادثات سرية مع الأسد عبر نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر سلطانوف تتناول انسحاباً إسرائيلياً من مرتفعات الجولان. وفي مؤتمر أنابوليس جرى الإفصاح عن تلك المحادثات في ظل الدور الرئيسي الذي لعبته روسيا في تقديمها. وافق أولمرت على المشاركة الإسرائيلية في مؤتمر مشابه لأنابوليس سيُعقد في موسكو في كانون الثاني/ يناير. وهناك سيحتل مطلب سورية بانسحاب إسرائيل من منطقة الجولان المركز الرئيسي. ووفقاً لتقرير «معاريف»، فإن الرسميين الإسرائيليين متحمسون جداً لقيادة روسيا للمحادثات. أما سورية فيخالجها الشك تجاه الولاياتالمتحدة، غير أنها تثق وتحترم المدافع الروسي بوتين. ووفق رأي أولمرت فإن ذلك أمر جيد. عدائية روسيا تجاه الولاياتالمتحدة وإسرائيل وعلاقاتها الوطيدة مع أهم أعداء إسرائىل، سورية وإيران، يجعل تلقف إسرائىل للوساطة الروسية أمراً يصعب إدراكه، سواء أكان ذلك مثيراً للاشمئزاز أو لم يكن، فقد كان من المنطقي لو أن موسكو قَلَّلت من حدّة ردة فعلها السيئة ضد الشرعية الإسرائىلية. لكن ليس هناك ما يشير بأن ذلك يمكن حدوثه. وتدّعي صحيفة «معاريف» أن زيارة أولمرت المفاجئة إلى الكرملين الشهر الماضي جاءت نتيجة لتطورات في الجولة الديبلوماسية التي قام بها سلطانوف. قد يكون ذلك صحيحاً. لكن حدوث ذلك بالطريقة التي حدث بها حيث جاءت الزيارة بعد عودة بوتين من زيارته إلى إيران حيث أعاد تأكيد دعمه للتطور التكنولوجي النووي الإيراني وتعهّد بإنهاء مفاعل بوشهر، كل ذلك دفع إلى الاعتقاد بأن الزيارة هي بمثابة موافقة إسرائيلية على الدعم الذي تقدمه روسيالإيران. هناك احتمال بسيط بأن يكون الرسميون الذين تحدثوا لصحيفة «معاريف» على حق. ربما في ظل الوساطة الروسية سيكون السوريون أكثر استعداداً للموافقة على توقيع اتفاقية مع إسرائىل تلتزم فيها إسرائىل بتسليم مرتفعات الجولان إلى دمشق بدلاً من أن يكون ذلك تحت الرعاية الأميركية. إلا أن اتفاقية كهذه ستكون كارثة استراتيجية لإسرائيل. وبناءً على الطبيعة المناهضة للديموقراطية للنظامين السوري والروسي، فمن الواضح أن اتفاقية كتلك لن تتضمن أيّ بند قوي خاص بالتحرير السياسي السوري. وبما أن تحرير السياسة السورية هو الطريقة الوحيدة التي ستجعل دمشق تتخلى عن دعمها للجهاد وعن تحالفها الاستراتيجي مع إيران وعن تطويرها لأسلحة دمار شامل، فمن الواضح أن اتفاقاً مع إسرائىل لن يقود إلى تخفيف المشاكسة السورية. عدائية سورية المستمرة تجعل شعار الانسحاب الإسرائىلي من مرتفعات الجولان أمراً لا يمكن تبريره استراتيجياً، حيث سيجعل ذلك شمالي إسرائيل كله مفتوحاً أمام القوات السورية، وهذه القوات التي أضحت أكثر قوة بكثير هذه الأيام مما كانت عليه قبل عام 1967 عندما جعلت الحياة صعبة جداً للمجتمعات الإسرائيلية الواقعة تحت المنطقة الاستراتيجية. من المؤكد، بوجود الأسلحة الروسية المتطورة لدى سورية، سيكون من المستحيل أمام إسرائيل إعادة غزو مرتفعات الجولان والانتصار في حرب مستقبلية. في غضون ذلك، وبمجرد إجراء مفاوضات تديرها روسيا مع سورية، تمنح حكومة أولمرت دمشقوموسكو شرعية لا تستحقانها. وبالتالي، فإن الحكومة تزيد في تفتيت وضعية إسرائىل في المنطقة. حكومة أولمرت ليست وحدها في تقبّل دمشق، إذ أن إدارة بوش تتبع سياسة خاصة بها مؤيدة لسورية، تنطوي على النتائج الكارثية ذاتها. ووفقاً لحديث مع «نيويورك تايمز» حول قرار الإدارة بدعوة سورية إلى مؤتمر أنابوليس، احتج مسؤول رسمي بارز بالقول: «اسمعوا؛ عدد من دول الجامعة العربية قالوا إنهم لا يستطيعون حضور المؤتمر إلا إذا كانت سورية مدرجة على جدول الأعمال، لذا وضعنا سورية على جدول الأعمال. ماذا كلفنا ذلك؟ لا شيء». رغم أنه لم يجرِ دفع نقود فعلية، لكن القول إن الولاياتالمتحدة لم تدفع ثمناً بدعوتها سورية لحضور المؤتمر هو تجاهل للحقيقة. الثمن الذي دفعته الولاياتالمتحدة لقاء اشتراك سورية في أنابوليس هو لبنان. فوراً بعد المؤتمر، وافقت الأكثرية المناهضة لسورية في لبنان على دعم مرشح سورية، الجنرال ميشال سليمان ليكون الرئيس اللبناني التالي ليحل مكان الوكيل السوري، الرئيس السابق إميل لحود. وكما صرّح طلال عتريسي، محلل سياسي في الجامعة اللبنانية لمجلة «التايمز» فإن السوريين لم يرغبوا في الذهاب إلى أنابوليس ومن دونهم لكان المؤتمر فاشلاً... السوريون قايضوا على اشتراكهم - الأمر الذي لم يكلفهم شيئاً - بعقد اتفاق يتعلق بالرئاسة اللبنانية». ووفقاً لتقرير نشره لي سميث في مجلة «ويكلي ستاندارد» (Weekly Standard) يقول فيه إن القوى اللبنانية المناهضة لسورية فسّرت قرار الولاياتالمتحدة بدعوة السوريين إلى أنابوليس على أنه تخلّ عن الديموقراطية اللبنانية. في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر زار قائد القوى المناهضة لسورية واشنطن. وكما ذكر سميث فإن الحريري أخبر المراسلين بعد لقائه مع الرئيس جورج دبليو بوش وقادة الكونغرس، أنّ هناك في سورية، آلة قتل. أتينا إلى واشنطن لنقول، «إن كنتم ستفعلون شيئاً حيال ذلك، أخبرونا، وإن كنتم لا تريدون فعل شيء حياله، أخبرونا، لكن أيّاً يكن قراركم، فإننا لن نستسلم!». بدعوة سورية إلى أنابوليس، بلّغ الأميركيون القوى المناهضة لسورية في لبنان كل ما يريدون معرفته. فما كان من هذه الأخيرة منحنية أمام حقيقة تخلي أميركا عنها، إلا الإستسلام وإعلان تأييدها لسليمان. صعود سليمان إلى سدّة الرئاسة أمر كارثي على الولاياتالمتحدة، لسببين: أولاً؛ إنه يحطم مصداقية الولاياتالمتحدة كحليف. إذ بين قرار رايس للضغط على إسرائيل للقيام بتنازلات كثيرة للفلسطينيين الداعمين للإرهاب، وموقفها الفاتر تجاه استغلال روسيا لحلفاء الولاياتالمتحدة في أوكرانيا وبولندا وتخليها عن اليابان لحساب استرضاء كوريا الشمالية، وتجاهلها للقوى السياسية المؤيدة للولايات المتحدة في العراق، وتفضيلها لسورية على الديموقراطيين اللبنانيين جعل من الواضح أن لا فائدة ستتحقق من تأييد أميركا. إضافة لذلك، وبعد أن أظهرت هجمات 11 أيلول/ سبتمبر أنه عندما تقع الدول تحت سيطرة الإرهاب فإنها تشكّل أخطاراً واضحة ليس على المنطقة التي تقع فيها فقط إنما على العالم. ففي ظل نظام طالبان، استطاعت قوى في منطقة الأفغان الداخلية من التخطيط بنجاح لهجمات على الولاياتالمتحدة. القوة القاتلة للبنان يحكمه الإرهاب، وهو البلد الذي يحتل موقعاً استراتيجياً على ساحل الشرق الأوسط تشكّل تهديداً أكبر لأمن الولاياتالمتحدة الوطني. هذا ما هو ظاهر، آخذين بعين الاعتبار أمرين: 1 - إن المتهمة ندى نديم بروتي عميلة «حزب الله» استطاعت دخول وكالتي الاستخبارات الأميركيتين ال«الاستخبارات الفيدرالية» FBI والاستخبارات المركزية CIA. 2 - حقيقة أن «حزب الله» يزرع عملاءه في كل أرجاء الولاياتالمتحدة وكندا. أما في ما يختص بأولمرت ورايس ربما كان أن قبولهما لسورية هو فعلاً خطوة لم تكلفهما شيئاً. فأولمرت استطاع عبر تقوية موقفه مع الإعلام الإسرائيلي اليساري المأخوذ بالاسترضاء، إبعاد نفسه أكثر عن نقاده. أما رايس فقد تمّ أخذ صور لها مع الحكّام العرب في أنابوليس. لكن، وفيما قبولهما بسورية قد ينعكس عليهما إيجاباً سياسياً، فمما لا شك فيه أن مكاسبهما جاءت على حساب أمن الشعب الإسرائيلي، اللبناني والأميركي. \r\n » \r\n \r\n