فى الآونة الأخيرة، أصبح اسم القارئ طه النعمانى حاضرًا بقوة فى المشهد القرآني، بعد سلسلة من المشاركات اللافتة التى كشفت عن صوت متزن، وأداء واعٍ، وشخصية تدرك معنى أن تكون قارئًا فى زمن تتسارع فيه الأضواء، لم يكن ظهوره مجرد حضور عابر، بل تأكيد على أن التميز الحقيقى يبدأ من الداخل قبل أن يسمعه الجمهور. فى هذا الحوار، نقترب من كواليس التألق، ونكشف أصعب محطة فى حياته، ونستمع إلى نصيحته الصادقة لجيل القراء الجدد، فإلى نص الحوار. اقرأ أيضًا | للعام الثانى إطلاق أكبر مسابقة لحفظة القرآن الكريم ببنها وكفر شكر.. و4 آلاف متسابق بالمراحل المختلفة بداية .. لاحظ الجميع تألقك الواضح فى الفترة الأخيرة.. ما سر هذه النقلة ؟ أرى أن السر ليس فى لحظة، بل فى تراكم سنوات، منذ بدايتى وأنا أؤمن أن القارئ لا يُولد مكتملًا، بل يتشكل بالتعلم والصبر، فى الفترة الأخيرة ركزت كثيرًا على فهم المعانى قبل الأداء، لأننى مقتنع أن الإحساس الصادق يصل أسرع من أى مهارة صوتية، كما حرصت على تطوير نفسى علميًا، فكل مقام لابد أن يخدم المعنى، لا أن يستعرض الإمكانات فقط، وأعتقد أن هذا الوعى هو ما لمسَه الجمهور. كيف تتعامل مع حالة الإشادة الواسعة والانتشار السريع؟ - أتعامل معها بحذر شديد، الإشادة تسعدنى بالتأكيد، لكنها تذكرنى بالمسئولية، كلما زاد عدد المستمعين، زادت محاسبتى لنفسى؛ أخاف أن يتحول القارئ إلى أسير للمديح، لذلك أحرص على أن أبقى قريبًا من أسرتى ومن شيوخي، فهم الميزان الحقيقى؛ النجاح إن لم يصاحبه تواضع، يتحول إلى عبء. ما أصعب موقف واجهته فى مسيرتك وكان له أثر عميق فى نفسك؟ - أصعب موقف كان عندى اختبار فى الإذاعة وهذا اختبار مهم كنت أستعد له منذ سنوات مع أزمة صحية مفاجئة لوالدى؛ فى تلك اللحظة شعرت أننى أمام امتحانين: امتحان مهنى قد يفتح لى أبوابًا واسعة، وامتحان إنسانى يتعلق ببرّ أبى، لم يكن القرار سهلًا، لكننى اخترت أن أطمئن عليه كنت هعتذر عن الامتحان لكنه حسم معايا الأمر وقالى «روح الاختبار ده مستقبلك يا ابنى.. ولو بلغوك إنى مٌت أوعى تيجي،، وأنا هلاقى اللى يكفّنى ويدفني..» موت والدى هو أسوأ يوم فى حياتى رغم إن فى نفس اليوم ده أتحقق فيه حلم عمرى كله.. يعنى اليوم ده زى ما كسرنى بوفاة أبويا هو نفس اليوم اللى نجحت فيه واعتمدونى قارئاً رسمياً بالإذاعة للقرآن الكريم.. أنا بكيت عند قبر أبويا مرتين، مرة لما اتذاع لى أول قراءة قرآن فى الإذاعة، والتانية لما نجحت فى برنامج دولة التلاوة والناس بقت تشاور عليَ. وماذا تعلمت من هذه التجربة القاسية؟ - تعلمت أن الطموح ينبغى ألا يكون على حساب القيم، أدركت أن رضا الوالدين أعظم من أى شهادة أو اعتماد، كما تعلّمت أن الإنسان مهما خطط ، فالتوفيق من الله وحده، بعد هذا الموقف أصبحت أكثر هدوءًا، وأكثر يقينًا أن كل تأخير قد يحمل فى طياته خيرًا لا نراه فورًا. برأيك، ما الفرق بين قارئ عادى وقارئ يترك أثرًا؟ - القارئ العادى قد يمتلك صوتًا جميلًا، لكن القارئ الذى يترك أثرًا يمتلك رسالة، الرسالة تعنى أن يكون واعيًا بما يقرأ، مستشعرًا لمعانيه، ملتزمًا بأخلاق القرآن فى سلوكه، الناس قد تُعجب بنغمة، لكنها تتأثر بصدق، لذلك أقول دائمًا: اعملوا على قلوبكم قبل حناجركم. اختياركم ضمن لجنة تحكيم برنامج دولة التلاوة لفت الأنظار.. ما سر هذا الاختيار؟ وكيف ترون دوركم فى البرنامج؟ - أعتبر اختيارى أمانة قبل أن يكون تكريمًا، ربما جاء القرار بعد ما شهدته الفترة الأخيرة من اجتهاد وثبات فى الأداء، لكننى أؤمن أن السر الحقيقى هو توفيق الله ثم ثقة القائمين على البرنامج، دورى لا يقتصر على تقييم الأصوات، بل دعمها وتوجيهها، دولة التلاوة ليست مسابقة فحسب، بل مصنع إعداد لجيل يحمل القرآن علمًا وخلقًا، وأسأل الله أن أكون منصفًا، وأن أضع كل موهبة فى مكانها الصحيح دون مجاملة أو قسوة. ما أهم نصيحة توجهها للشباب القراء الجدد الذين يحلمون بالصعود السريع؟ - أنصحهم بثلاثة أمور: أولًا: إتقان الأحكام قبل التفكير فى المقامات، لأن الأساس هو صحة التلاوة. ثانيًا: الصبر؛ فالمشوار طويل، ومن تعجل الشيء قبل أوانه ربما حُرم منه. ثالثًا: الحفاظ على الأخلاق والتواضع، لأن القارئ قد يكون قدوة دون أن يشعر، لا تجعلوا الشهرة هدفًا، بل اجعلوا القرآن هو الهدف، وكل ما سواه سيأتى فى وقته إن كتب الله له القبول.