مع غروب شمس القاهرة، تخفت الأصوات تدريجيا في ممرات "مدينة البعوث الإسلامية"، وتتحول الساحة الكبرى إلى "لوحة فسيفسائية" بشرية، هنا في قلب هذا الحي الأزهري العريق يصطف آلاف الطلاب من أكثر من 100 جنسية من أدغال أفريقيا إلى سهول آسيا وصولا إلى أطراف أوروبا، ينتظرون نداء واحدا يجمع شتات لغاتهم وتشوق قلوبهم " الله أكبر". تتوحد القلوب خلف الآذان، وتروي الأطباق الممتدة على الموائد حكايات تفرقت في الجغرافيا واتحدت في الروح، فبينما يميل الطالب الأندونيسي لنثر توابل "السامبال" الحريفة على أرزه، يبحث زميله النيجيري عن طعام "اليام" في طبقه، ويتشوق القادم من طاجيكستان لرائحة البلوف البخاري. مائدة الإفطار في مدينة البعوث، ليست مجرد وجبة لكسر الصيام، بل هي تجسيد يومي للتعايش ونبذ العنصرية، حيث تذوب الفوارق العرقية واللونية، ويصبح ذهاب الظمأ وارتواء العروق هي اللغة لتي يتحدث بها هؤلاء المغتربون عن أوطانهم التي تركوها ليجمعهم الأزهر على مائدة مدينة البعوث. وفي حوار خاص لجريدة الأخبار أكد د.عصام القاضي رئيس قطاع مدينة البعوث الإسلامية بالأزهر الشريف، أنه يتم التخطيط لقائمة الطعام وفق دراسة مسبقة لطبيعة الطلاب الوافدين الذين يمثلون ما يقرب من مائة دولة، فنراعي التنوع الثقافي والاختلافات الغذائية بشكل نسبي في التحسينات، مع الالتزام بالمعايير الصحية والتوازن الغذائي، في ضوء لجنة علمية متخصصة لدراسة السعرات الحرارية والاحتياج من البروتين والكربوهيدات والدهون لبناء الجسم، وهذه اللجنة مشكلة بمعرفة فضيلة أ. د محمد الضويني وبتعليمات فضيلة الإمام الأكبر أ. د.أحمد الطيب شيخ الأزهر. وتابع "نعتمد على وجبات أساسية مقبولة لدى الجميع، مثل الأرز، اللحوم، الدواجن، البقوليات، مع التنويع اليومي حتى لا يحدث ملل، ونضيف أحيانًا أصنافًا تحسينات، مؤكدا أن هناك روح مشاركة وبعض الطلاب يشاركون في التنظيم والترتيب واستقبال زملائهم، مما يعزز روح الانتماء والمسؤولية، ويكون الإفطار ليس مجرد وجبة، بل مشهد أخوي يتكاتف فيه الجميع. وأوضح أن الطاقة الاستيعابية لموائد الإفطار هذا العام بلغت 4000 وجبة، وأن المدينة هذا العام تستقبل تقريبًا من 3500 إلى 4000 طالب يوميًا على موائد الإفطار،ويتم تجهيز أطنانا من الأرز واللحوم والدواجن على مدار الشهر، وآلاف الأرغفة يوميًا، وكميات كبيرة من التمور والعصائر ومنتجات الألبان، وفق خطة تشغيل دقيقة لضمان وصول الوجبة ساخنة ومنظمة وفي التوقيت المناسب. وأوضح أن نجاح المدينة في تقديم آلاف الوجبات لطلاب يمثلون ما يزيد عن 100 دولة، يقوم على ثلاث ركائز، هي التخطيط المسبق، والعمل بروح الفريق، والمتابعة اليومية الدقيقة، كما أن هناك منظومة عمل تبدأ من التوريد مرورًا بالطهي والتعبئة والتنظيم وحتى الإشراف المباشر على التغذية، تحت متابعة إدارية مستمرة لضمان الجودة والانضباط. وأشار إلى أنه في بعض الأحيان تراعي المدينة بعض العادات الخاصة ببعض الجاليات الكبيرة العدد، ولكن الأصل هو توحيد الوجبة مع مراعاة المقبول العام، حتى نحافظ على روح الجماعة والمساواة بين الجميع. وتساهم مائدة الإفطار في مدينة البعوث تساهم في تعزيز قيم التعايش ونبذ العنصرية، وفي ذلك أكد القاضي لأن مشهد الإفطار بها يعتبر صورة مصغرة للأمة الإسلامية؛ طلاب من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا يجلسون على مائدة واحدة، بلا تفرقة في لون أو لغة أو جنسية، المائدة تُجسِّد عمليًا معنى الأخوة الإسلامية والتعايش، وتُرسِّخ في نفوس الطلاب أن الأزهر يجمع ولا يفرِّق. وأكد أن هناك أنشطة اجتماعية ودينية في رمضان لتعويض الطلاب عن الجو الأسري، ومنها صلوات جماعية وتراويح ودروس دينية ولقاءات توعوية بمسجد المدينة الذي تم افتتاحة بعد التجديد الشامل له ويعد هذا المسجد قلعة للعلم ومكان للتجمع والعبادة وجميع الأنشطة يتم الاهتمام بها من دورات رمضانية، وملعب مدينة البعوث وهو ملعب دولي، كما تمارس انشطة اجتماعية وثقافية والمدينة بها أجواء روحانية داخل جميع ارجائها زينة رمضان وفرحة بالمسجد بعد التطوير وأفتتاح لصالة الألعاب الرياضية بعد التجديد الشامل ، فنحن نحرص أن يشعر الطالب أن المدينة بيته، وأن رمضان هنا له طعم الأسرة الواحدة. واختتم رئيس قطاع مدن البعوث الإسلامية بالأزهر حديثه بأن التحدي الأكبر في هذا الماراثون الرمضاني اليومي، هو الحفاظ على نفس مستوى الجودة والانضباط يوميًا مع هذا العدد الكبير، لكن بفضل الله ثم بروح الفريق والمتابعة المستمرة، يتحول التحدي إلى إنجاز يومي، فرسالة الأزهر الشريف ليس مجرد رسالة مؤسسة تعليمية، بل رسالة إنسانية عالمية، فمصر تحتضن أبناءها من أكثر من مائة دولة في أمن وأخوة ومحبة، لنشر الوسطية والسلام. اقرأ أيضا | وكيل الأزهر يحضر إفطارًا جماعيًا بمدينة طالبات مدينة البعوث الإسلامية