تتوحد القلوب خلف الأذان، وتروى الأطباق الممتدة على الموائد حكايات تفرقت فى الجغرافيا واتحدت فى الروح، بينما ينثر الطالب الأندونيسى توابل «السامبال» الحريفة على أرزه، يبحث زميله النيجيرى عن طعام «اليام» فى طبقه، ويتشوق القادم من طاجيكستان لرائحة البلوف البخارى، مائدة الإفطار فى مدينة البعوث، ليست مجرد وجبة لكسر الصيام، بل تجسيد يومى للتعايش ونبذ العنصرية، حيث تذوب فوارق العرق واللون، ويصبح ذهاب الظمأ وارتواء العروق اللغة التى يتحدث بها هؤلاء المغتربون عن أوطانهم التى تركوها ليجمعهم الأزهر تحت مظلة أم الدنيا. أكد د. عصام القاضى رئيس قطاع مدينة البعوث الإسلامية بالأزهر الشريف فى تصريح ل«الأخبار»، أنه تم التخطيط لقائمة الطعام وفق دراسة مسبقة لطبيعة الطلاب الوافدين الذين يمثلون ما يقرب من مائة دولة، فنراعى التنوع الثقافى والاختلافات الغذائية مع الالتزام بالمعايير الصحية والتوازن الغذائى، فى ضوء لجنة علمية متخصصة لدراسة السعرات الحرارية والاحتياج من البروتين والكربوهيدرات والدهون، وهذه اللجنة مشكلة بمعرفة فضيلة أ. د محمد الضوينى وبتعليمات فضيلة الإمام الأكبر أ. د. أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف. اقرأ أيضًا | احذر الإفراط في المخبوزات على مائدة الإفطار والسحور وتابع «نعتمد على وجبات أساسية مقبولة لدى الجميع، مثل الأرز، اللحوم، الدواجن، البقوليات، مع التنويع اليومى حتى لا يحدث ملل، مؤكدًا أن هناك روح مشاركة وبعض الطلاب يساهمون فى التنظيم والترتيب واستقبال زملائهم، مما يعزز روح الانتماء والمسؤولية، ويكون الإفطار ليس مجرد وجبة، بل مشهد أخوى يتكاتف فيه الجميع. وأوضح أن الطاقة الاستيعابية لموائد الإفطار هذا العام بلغت 4000 وجبة، وأن المدينة هذا العام تستقبل تقريبًا من 3500 إلى 4000 طالب يوميًا على موائد الإفطار، ويتم تجهيز أطنان من الأرز واللحوم والدواجن على مدار الشهر، وآلاف الأرغفة يوميًا، وكميات كبيرة من التمور والعصائر ومنتجات الألبان، وفق خطة تشغيل دقيقة. وأوضح أن نجاح المدينة فى تقديم آلاف الوجبات لطلاب يمثلون ما يزيد على 100 دولة، يقوم على 3 ركائز هى التخطيط المسبق، العمل بروح الفريق، والمتابعة اليومية الدقيقة، كما أن هناك منظومة عمل تبدأ من التوريد مرورًا بالطهى والتعبئة والتنظيم وحتى الإشراف المباشر على التغذية.. وأشار إلى أنه فى بعض الأحيان تراعى المدينة بعض العادات الخاصة ببعض الجاليات كبيرة العدد، ولكن الأصل هو توحيد الوجبة مع مراعاة المقبول العام.. مشهد الإفطار فى مدينة البعوث يعتبر صورة مصغرة للأمة الإسلامية؛ طلاب من آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا يجلسون على مائدة واحدة، بلا تفرقة فى لون أو لغة أو جنسية، المائدة تُجسِّد عمليًا معنى الأخوة الإسلامية والتعايش، وتُرسِّخ فى نفوس الطلاب أن الأزهر يجمع ولا يفرِّق. وأكد أن هناك أنشطة اجتماعية ودينية فى رمضان لتعويض الطلاب عن الجو الأسرى، ومنها صلوات جماعية وتراويح ودروس دينية ولقاءات توعوية بمسجد المدينة الذى تم افتتاحه بعد التجديد الشامل، كما تقام دورات رمضانية على ملعب مدينة البعوث بمقاييسه الدولية. واختتم رئيس قطاع مدن البعوث الإسلامية بالأزهر حديثه بأن التحدى الأكبر فى هذا الماراثون الرمضانى اليومى، هو الحفاظ على نفس مستوى الجودة والانضباط يوميًا مع هذا العدد الكبير، لكن بفضل الله ثم بروح الفريق والمتابعة المستمرة، يتحول التحدى إلى إنجاز يومى، فرسالة الأزهر الشريف ليس مجرد رسالة مؤسسة تعليمية، بل رسالة إنسانية عالمية، فمصر تحتضن أبناءها من أكثر من مائة دولة فى أمن وأخوة ومحبة، لنشر الوسطية والسلام.