◄ حلقة الوصل الأخطر بين الفكر السياسي للجماعة والعمل المسلح ◄ أصدر التكليف وحدد موعد اغتيال المستشار هشام بركات ◄ استغل نفوذه لتجنيد شباب الجماعة وإرسالهم للخارج لتدريبهم عسكريا بغزة ◄ كان كادراً إدارياً.. و«العقل المدبر» لإعادة هيكلة جناح الجماعة المسلح كان محمود عزت مرشد جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية السابق يمثل رأس الأفعى التى أدارت وأشرفت على العمليات الإرهابية التي نفذها التنظيم الإرهابى على مدى 7 سنوات - خلال الفترة من 2013 إلى 2020 - والتى حصدت أرواح ضباط جيش وشرطة وقضاء كانوا يؤدون عملهم فى الحفاظ على سلامة الوطن وأمنه وتحقيق العدالة، كما امتدت جرائمهم لتحصد أرواح المدنيين، بخلاف تنفيذ عمليات تخريب البنية التحتية، وتدمير أقسام الشرطة والكنائس. ولم يكن محمود عزت تلميذ سيد قطب «مُنظِّر عنف الجماعة» قائد العمليات الإرهابية الوحيد بالجماعة، فهناك آخرون ينتمون للتيار القطبى بالجماعة الذى يعد تطويرا ل«النظام الخاص» الذى تم إنشاؤه فى فترة حسن البنا المرشد الأول ومؤسس الجماعة الإرهابية، وبعض هؤلاء سبقوا عزت فى ارتكاب جرائم العنف والإرهاب، ومنهم من عاونه أو حمل راية الإرهاب بعده عقب القبض عليه، وفى هذا المقال نسلِّط الضوء على يحيى موسى أحد قادة العنف بالجماعة، الذى يمثل حلقة الوصل الأخطر بين الفكر السياسى للجماعة وبين العمل المسلح على الأرض، حيث حوّل «المكاتب الإدارية» بالخارج إلى «غرف عمليات» عسكرية لإدارة الصراع ضد الدولة. منذ عام 2013 شكّل يحيى موسى نقطة التحول الأكثر دموية فى تاريخ جماعة الإخوان المسلمين الحديث، حيث نقلها من «التنظيم السياسى الدعوى» إلى «التنظيم المسلح العنقودى، وارتبطت العمليات التى خطّط وأشرف عليها وموّلها بما يُعرف ب«العمليات النوعية» أو «الجناح المسلح» الذى وُلد من رحم جماعة الإخوان المسلمين بعد عام 2013. الطبيب يحيى السيد إبراهيم موسى كان يعمل مدرساً بكلية الطب جامعة الأزهر، وقد عُيِّن متحدثاً رسمياً باسم وزارة الصحة فى عهد المعزول محمد مرسى، وحاليا هو هارب للخارج، حيث أقام لفترة طويلة فى تركيا، كما أنه مدرج على قوائم الإرهاب فى مصر والولايات المتحدةالأمريكية منذ عام 2021. يحيى موسى لم يكن مجرد كادر إدارى، بل كان «العقل المدبر» لإعادة هيكلة الجناح المسلح للجماعة من الخارج، حيث أشرف على تأسيس حركة سواعد مصر «حسم» التى تبنَّت العديد من العمليات الإرهابية، وكان دوره يتمثل فى «الربط والسيطرة»، حيث كان يربط بين المجموعات العنقودية فى مصر والقيادة فى الخارج عبر تطبيقات مشفرة. كما استغل نفوذه لتجنيد شباب الجماعة وإرسالهم للخارج لتلقى تدريبات عسكرية، والتنسيق مع عناصر فى قطاع غزة للتدريب، حيث رتب خروج عناصر من الجماعة عبر الأنفاق إلى قطاع غزة لتلقى تدريبات على «حرب العصابات» وتصنيع المتفجرات «نترات الأمونيوم» ثم العودة لتنفيذ العملية، كما تولى مسئولية تحويل الأموال اللازمة لشراء الأسلحة والمواد المتفجرة وتجهيز «الأوكار» بالمحافظات. اعتمد يحيى موسى على مبدأ الخلايا المنفصلة، بحيث لا تعرف خلية عن الأخرى شيئاً، لكن هذا النظام انهار بعد أن نجحت الأجهزة الأمنية فى اختراق قنوات التواصل المشفرة التى كان يديرها موسى من الخارج، مما أدى للقبض على قيادات ومنفذى العمليات الإرهابية، كما أدى إلى القبض على قيادات وسيطة لكشف مخازن السلاح و«المعامل الكيميائية» البدائية فى المحافظات، وهذا ما جعل الخلايا المتبقية تعيش حالة من الذعر التنظيمى. وبعد جفاف منابع التمويل، والتى كان يحيى موسى يعيد ضخها تحولت بقايا هذه الخلايا من عمليات كبرى (اغتيالات وتفجيرات موثّقة) إلى محاولات يائسة وفردية، خاصة مع افتقار العناصر الجديدة للتدريب العسكرى الذى كان يوفره موسى سابقاً، مما جعل معظم محاولاتهم تبوء بالفشل قبل التنفيذ، هذا بجانب أن هذه الخلايا فقدت الحاضنة الشعبية تماماً؛ فأصبح المواطنون هم أول من يبلغ عن أى تحركات مشبوهة فى الأحياء الشعبية أو القرى، كما أنه اتجه بعض بقايا هذه الخلايا − بسبب انقطاع التمويل من يحيى موسى والمكاتب الإدارية بالخارج − نحو عمليات السطو المسلح لتوفير المال، وتزوير المحررات الرسمية (حيث كشفت قضية خلية العجوزة الثانية فى 2026)، وأفقدها هذا التحول صبغتها الأيديولوجية المزعومة وحوّلها فى نظر القانون والمجتمع إلى عصابات إجرامية صرفة كما ظهرت حالة من تخوين القيادات أصبحت تسود القواعد الشبابية لهذه الخلايا فى مصر، فالشباب الذين غُرِّر بهم يشعرون أن يحيى موسى وغيره يعيشون فى «رغد» بالخارج، بينما هم يواجهون أحكام الإعدام والمؤبد أو الموت فى المواجهات الأمنية، مما أدى إلى موجات انشقاق، وتبرؤ الكثير من العناصر من فكر اللجان النوعية. وارتبط اسم يحيى موسى بعمليات إرهابية منها اغتيال المستشار هشام بركات النائب العام عام 2015، فهو من اختار الشهيد هشام بركات كهدف استراتيجى لكسر هيبة القضاء، حيث كشفت اعترافات المتهمين الموثقة بالصوت والصورة أن يحيى موسى هو من أصدر التكليف المباشر للعملية، وحدد الموعد عبر تطبيق «لاين»، بل وطلب تأجيل التنفيذ يوماً واحداً بسبب تغيير خط سير الموكب فى اليوم الأول، وتعتبر قضية اغتيال النائب العام (رقم 289 لسنة 2015 حصر أمن دولة) «البصمة» الأكبر ليحيى موسى، التى أدارها عن بعد، حيث كشفت اعترافات المتهمين مثل محمود الأحمدى وأبو القاسم أحمد أن يحيى موسى كان يتواصل معهم عبر تطبيقى Threema وLine. واتُهم موسى بالتخطيط لمحاولة اغتيال اللواء مصطفى النمر مدير أمن الإسكندرية الأسبق باستخدام سيارة مفخخة، كما ورد اسمه فى التحقيقات المتعلقة بالتخطيط لتفجير «الكنيسة البطرسية» بالعباسية عام 2016، والإشراف على خلايا استهدفت كنائس فى طنطاوالإسكندرية، وصدر ضده حكم بالإعدام فى هذه القضية التى شملت تكوين مجموعات مسلحة لاستهداف قوات الشرطة ومنشآت الكهرباء. ولم تكن الحركات المسلحة (حسم ولواء الثورة) مجرد مسميات، بل كانت خلايا عنقودية صمّمها يحيى موسى لتجنب الرصد الأمنى التقليدى، وقد تخصصت حركة حسم فى اغتيال رجال الشرطة والقضاة مثل محاولة اغتيال المفتى السابق د.على جمعة، بينما تخصصت لواء الثورة فى العمليات النوعية الكبرى مثل اغتيال العميد عادل رجائى أمام منزله. وأثبتت تحريات قطاع الأمن الوطنى أن يحيى موسى أدار «إمبراطورية مالية» سرية فى الخارج، تعتمد على اشتراكات الأعضاء وشركات «واجهة» فى دول أوروبية وآسيوية لتمويل شراء المتفجرات وتأجير الشقق السكنية (الأوكار) ، وتعد شبكة التمويل التى أدارها يحيى موسى من الخارج واحدة من أعقد الملفات التى واجهت أجهزة الأمن والقضاء، حيث اعتمد على استراتيجية التمويل الهجين الذى يمزج بين المصادر التقليدية للجماعة والطرق الملتوية لتجنب الرصد الدولى، حيث اعتمد يحيى موسى بشكل أساسى على ميزانية تخصصها الجماعة لما يُسمى بمكتب الإدارة بالخارج، كما استمرت الجماعة فى تحصيل الاشتراكات الشهرية من الأعضاء الهاربين فى الخارج خاصة فى دول الخليج وأوروبا وتركيا، وكان جزء كبير من هذه الحصيلة يوجه لقطاع العمليات النوعية «حسم ولواء الثورة»، بالإضافة إلى صناديق التبرعات، فتحت ستار إغاثة أسر السجناء أو العمل الخيرى كانت تُجمع تبرعات ضخمة من الجاليات المسلمة فى الغرب، ليتم تحويل مسارها لاحقاً لتمويل شراء السلاح وتجهيز المتفجرات. كما أثبتت تحقيقات قضية تمويل الإرهاب أن يحيى موسى أدار شبكة من الشركات فى تركيا ودول أخرى تعمل فى المقاولات والتجارة العامة وهذه الشركات تستخدم لغسل الأموال، وإظهار التحويلات البنكية الضخمة كأنها أرباح تجارية أو ثمن بضائع، كما اعتمد على مكاتب صرافة محددة فى دول وسيطة لتحويل الأموال إلى مصر عبر نظام المقاصة «التحويل الورقى دون انتقال فعلى للأموال عبر البنوك» . كما كان يحيى موسى من أوائل قادة التنظيم الإرهابى الذين استغلوا التكنولوجيا الحديثة فى التمويل، مثل العملات المشفرة «البيتكوين»، حيث رصدت التقارير الأمنية استخدام خلايا «حسم» لمحافظ إلكترونية مشفرة لتلقى الدعم من الخارج، مما يصعب تتبع هوية المرسل والمستقبل. ولم يكن يحيى موسى يرسل الأموال فقط، بل كان يرسل أكواداً لاستلام مبالغ مالية يتم وضعها فى أماكن مخفية (ما يُعرف بالنقاط الميتة داخل مصر)، ليقوم المنفذون باستلامها دون مقابلة الممول. كما تورط فى شبكة لتزوير شهادات جامعية، وجوازات سفر، ورخص قيادة، وكانت هذه الوثائق تُباع لعناصر التنظيم أو المتعاطفين بمبالغ كبيرة، وتُستخدم عوائدها فى تمويل العمليات اللوجستية مثل تأجير الشقق، وشراء السيارات المستعملة لاستخدامها فى التفخيخ. واستغل علاقاته ببعض المنظمات غير الحكومية التى تدعى العمل الحقوقى فى أوروبا، حيث كانت هذه المنظمات تتلقى منحاً دولية، ثم تقوم بتحويل مبالغ تحت بند «مساعدات إنسانية» لأشخاص تابعين للتنظيم داخل مصر، الذين يقومون بدورهم بتسليمها لقادة الخلايا المسلحة، فبمجرد وصول الأموال سواء عبر الصرافة أو التهريب أو العملات الرقمية كان يحيى موسى يوزعها وفقاً لميزانية العملية، حيث يتم تقسيم هذه الميزانية لعدة بنود، أولها بند التجهيز، حيث يتم شراء نترات الأمونيوم، والبلى، والدوائر الإلكترونية، بينما يتضمن بند المعيشة رواتب شهرية للمنفذين المتفرغين الذين تركوا منازلهم واختبأوا فى الأوكار، بينما يخصص بند الاستطلاع لدفع مبالغ لأفراد لمراقبة الأهداف مثل موكب النائب العام وتصويرها. وقد كشفت قضية خلية العجوزة الثانية فى فبراير 2026 وجهاً جديداً ليحيى موسى، حيث ثبت قيامه بتزوير شهادات جامعية ومحررات رسمية لتسهيل هروب عناصر الجماعة إلى الخارج أو تنقلهم داخل مصر بهويات مزيفة، كما أثبتت المحكمة قيادته لمكتب الإدارة بالخارج، وهو الكيان البديل لمكتب الإرشاد، مما يعنى أنه كان المحرك الفعلى للجماعة من تركيا. تورط يحيى موسى فى هذه العمليات الإرهابية أحدث هزة ضخمة داخل تنظيم الإخوان الإرهابى، وتسببت فى انقسام داخلى بالجماعة (جبهتا لندن وإسطنبول) حيث تسبب نهج يحيى موسى الصدامى المسلح إلى انقسام الجماعة تاريخياً، فقد ظهر تيار «الكماليين» (نسبة لمحمد كمال ويحيى موسى) الذى يؤمن بالعنف، مقابل تيار «العجائز» أو «لندن» الذى يفضل التَّخفى السياسى، وأضعف هذا الانقسام المركزية التنظيمية للجماعة وجعلها تعيش حالة «تفتت» غير مسبوقة. كما فقدت الجماعة ورقة المظلومية السياسية أو الغطاء السياسى الدولى بعد إدراج يحيى موسى والكيانات التابعة له (حسم ولواء الثورة) على قوائم الإرهاب الأمريكية والدولية، حيث أصبح من الصعب على أى دولة غربية الدفاع عن الإخوان كفصيل سياسى مضطهد، طالما أن قياداتها مثل يحيى موسى متورطون فى اغتيالات وتفجيرات موثقة، كما ترتب على إدراج أمريكا يحيى موسى ضمن قوائم الإرهاب إجراءات تنفيذية صارمة، منها تجميد الأصول، حيث تم حظر جميع ممتلكات يحيى موسى ومصالحه فى الممتلكات التى تقع تحت الولاية القضائية الأمريكية، ومنع أى شخص أو مؤسسة أمريكية بما فى ذلك البنوك العالمية التى تتعامل بالدولار من إجراء أى معاملات مالية معه، كما يواجه أى شخص يقدم دعماً مادياً أو تكنولوجياً أو خدمات ليحيى موسى خطر التعرض لعقوبات أمريكية مماثلة، مما جعل الممولين يخشون التواصل معه. وكانت عمليات يحيى موسى خاصة استهداف الكنائس واغتيال النائب العام بمثابة «المسمار الأخير» فى نعش علاقة الجماعة بالشارع المصرى، حيث تحول التصور الشعبى للجماعة من منافس سياسى إلى تنظيم إرهابي يهدد أمن المواطن العادى، مما جعل عودتها للمشهد السياسى شبه مستحيلة فى المدى المنظور. كما تعرضت الجماعة للتآكل التنظيمى والأمنى بسبب النهج العنيف الذى قاده موسى، حيث تسبب هذا النهج فى توجيه ضربات أمنية موجعة أدت لتصفية أو سجن أغلب كوادر الصف الثانى والثالث، فأصبحت الجماعة الآن تعانى من «فراغ قيادى» حاد، حيث يقبع أغلب قادتها خلف القضبان أو يعيشون فى الخارج مطاردين دوليًا. وقد صدرت ضد يحيى موسى عدة أحكام بالإعدام غيابياً فى قضايا اغتيال النائب العام، وكتائب حلوان، بالإضافة إلى أحكام بالمؤبد، كان آخرها كان فى فبراير 2026، حيث قضت محكمة بدر بالسجن المؤبد عليه فى قضية خلية العجوزة الثانية بتهمة قيادة مكتب إدارة الإخوان بالخارج وتزوير شهادات جامعية وتمويل الإرهاب. كما أدرجته وزارة الخارجية الأمريكية فى يناير 2021 كإرهابى عالمى مصنف بشكل خاص»، مما فرض قيوداً على تحركاته وأمواله دوليًا.