في ليالي رمضان حين يهدأ الصخب وتعلو أصوات التراويح يعود إلى الذاكرة صوتٌ لا يشبه إلا نفسه... صوتٌ إذا تلا خشعت القلوب، وإذا رتّل بكت العيون. إنه صوت عبد الباسط عبد الصمد، الذى لقّبه الملايين ب"صوت السماء". في هذا الحوار يفتح لنا نجله اللواء القارئ طارق عبدالباسط عبدالصمد قلبه وذاكرته، ليروي أسرار طفل لقب ب«الشيخ» في السابعة.. ◄ رفض الجنسية المغربية وقال: «أنا صعيدي وأعتز بمصريتي» ◄ والدي كان يقرأ لأنيس منصور والعقاد وطه حسين ◄ نسأله: كيف بدأت رحلة الوالد مع القرآن؟ يبتسم اللواء طارق ويقول: الوالد رحمه الله وهب للقرآن منذ صغره، جدي كان محبا للقرآن، فأهداه له وهو طفل، في الكتّاب ظهرت سرعة حفظه، ودقة نطقه، وجمال صوته، شيخه لاحظ نبوغه المبكر، وبدأ يصطحبه إلى الاحتفالات والمناسبات. ومن المواقف المؤثرة أنه كان يسير قرابة خمسة كيلومترات في صعيد مصر ليستمع إلى تلاوات الشيخ محمد رفعت عبر جهاز راديو وحيد في البلدة. كان يعود مرددا ما سمعه فى الطريق، فانبهر الناس بتمكنه، وأطلقوا عليه لقب «الشيخ» وهو لم يتجاوز السابعة من عمره. كان الشيخ محمد رفعت قدوة الوالد الأولى، وهو الذى حببه فى جمال الأداء وروحانية التلاوة. ◄ متى كانت اللحظة الفاصلة في حياته؟ فى أوائل الخمسينيات ذهب الوالد إلى مسجد السيدة زينب بالقاهرة ليستمع إلى كبار القراء، وأثناء الاستراحة طلب منه أحد المشايخ أن يقرأ عشر دقائق فقط.. تردد فى البداية، فالمكان يعج بكبار قراء الإذاعة وجمهور غفير، لكنه توكل على الله.. وتحولت الدقائق العشر إلى أكثر من ساعة، والناس فى صمت مهيب. كان يصل نهايات السور ببدايات ما يليها بسلاسة عجيبة، بصوت عذب غير مقلد لأحد وعندما انتهى، دوى المسجد بالتهليل والدعاء، وخرج محمولا على الأعناق، وكان لم يبلغ العشرين بعد، بعدها التحق بالإذاعة، لتبدأ مرحلة الانتشار الواسع داخل مصر وخارجها. ◄ اقرأ أيضًا | القارئ ياسر عبد الباسط عبد الصمد: صوت والدي أدهش العالم ◄ هل كانت هناك منافسة بينه وبين كبار القراء؟ بالتأكيد كان هناك تنافس، لكنه تنافس شريف. كانت العلاقة قائمة على المحبة والاحترام. كان قريبا من الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ محمد صديق المنشاوي، والشيخ أبو العينين شعيشع وغيرهم، كانوا يتنافسون ليخرجوا التلاوة فى أبهى صورة، لا ليُسقط أحدهم الآخر. ◄ صوته جاب العالم هل عُرضت عليه إقامة خارج مصر؟ نعم، عرض عليه الملك محمد الخامس فى المغرب الإقامة الكاملة والجنسية المغربية، لكنه رفض وقال: «أنا رجل صعيدى وأعتز بمصريتى». كان يحب وطنه بشدة، رغم كثرة الأسفار والتكريمات. ◄ كم عدد أولاد الشيخ عبدالباسط؟ أنجب الشيخ أحد عشر ابنا وبنتا. لقد كان بيتنا ممتلئا بالحركة والحياة، اشترى الوالد فيلا فى العجوزة لتستوعب الأسرة والضيوف الدائمين من الصعيد، وكانت هناك «مضيفة» خاصة لاستقبالهم. أما والدتنا رحمها الله فكانت العمود الحقيقى للبيت. تستيقظ في السادسة صباحا لتجهزنا للمدرسة، ثم توقظ الوالد وتعد إفطاره وتشرف على مظهره قبل خروجه، وتنتظره حتى الفجر إن كان لديه حفل. ◄ ماذا عن مقتنيات الشيخ اليوم؟ الأسرة تواصلت مع صندوق التنمية الثقافية، وتم تسليم عدد من مقتنيات الشيخ لعرضها فى متحف قراء القرآن الكريم بالعاصمة الجديدة، ومنها: العباءة، والعمامة، والشال، ونظارته، وجواز سفره، وصور تذكارية مع ملوك ورؤساء، ومراسلات شخصية، وجهاز التسجيل الذي كان يسجل عليه حفلاته، والمصحف الذى كان يقرأ منه، كما سلمت الأسرة المصحف المرتل والمجود كاملًا مسجلا على أشرطة، إضافة إلى تلاوات نادرة، بينها تسجيل برواية ورش عن نافع سجله فى المغرب عام 1987 قبل وفاته بفترة قصيرة. ◄ لماذا اخترت كلية الشرطة؟ كنت أحب الانضباط والعمل الشاق.. التحقت بكلية الشرطة أواخر السبعينيات وتخرجت فى أوائل الثمانينيات والدى لم يعترض، لكنه اشترط ألا أبتعد عن القرآن، والتحقت بمعهد القراءات بالأزهر، وحصلت على إجازة في رواية حفص عن عاصم، ثم قالون عن نافع، وأدرس الآن ورش عن نافع، القرآن كان وما زال يجري في عروقى. ◄ ماذا عن أول ظهور أمام الجمهور؟ كنت طالبا بكلية الشرطة حين طلب أحد كبار المشايخ من والدي أن يسمع صوتي في حفل بالصعيد، قرأت أمام الجمهور، وكانت تلك البداية بعدها أوصاني الوالد بدراسة القراءات رسميا، وألا أتعجل الشهرة، بل أركز على الإتقان. ◄ ماذا تعلمت من والدك؟ تعلمت الصبر وطول البال، كان يقول لي دائما «كل شيء يؤخذ بالصبر»،. وكان يؤكد على إعطاء الحرف حقه، لأن الناس قد تحفظ من ورائك وكان يوصينا بالاعتزاز بالنفس دون تكبر والقرآن ليس صوتا جميلا فقط، بل رسالة ومسئولية وأخلاق. بعيدا عن التلاوة، كان الشيخ يحب القراءة في الصحف اليومية، وكتب الأدب والفكر، خاصة لأنيس منصور وعباس محمود العقاد وطه حسين، إلى جانب كتب السيرة النبوية. لكن هوايته الأولى والأخيرة كانت قراءة القرآن وتفسيره. في ختام الحوار، يقول اللواء القارئ طارق عبد الباسط إن رمضان شهر القرآن، وأتمنى أن يعود الناس للإنصات الحقيقي لكلام الله، لا أن يكون مجرد صوت في الخلفية. القرآن حياة، ومن تمسك به ارتقى. ويصمت قليلًا ثم يضيف: والدي لم يكن يبحث عن شهرة، كان يبحث عن رضا الله ولذلك رزقه الله القبول في الأرض. هكذا يبقى عبد الباسط عبد الصمد حاضرا في ليالي رمضان، ليس فقط كصوت محفوظ على أشرطة، بل كمدرسة قائمة بذاتها، مدرسة عنوانها الإخلاص، وعمادها الإتقان، وروحها المحبة.