ترويض اللسان في مدرسة الصيام، يتجاوز كونه انضباطا لفظيا عابرا؛ ليصبح استراتيجية تربوية رصينة؛ لبناء الذات؛ فمن أحكم رباط لسانه، فقد ملك ملاك أمره كله، وفتح لنفسه آفاقا من السكينة، والقبول الربانيّ؛ إذ نوقن أن اللسان هو المرآة العاكسة؛ لاستقامة الجوارح، أو اعوجاجها؛ فبصلاحه يشرق الوجدان بنور اليقين، وبزلاّته يتبدد ثمر الجهد، وتضيع أجور الطاعات في موازين المفلسين. لذا فإن استثمار هذا الميقات في "التبرؤ" من شوائب القول، و"التزين" بجميل المنطق، ليس مجرد شعيرة، بل هو دعوة؛ لرفع سقف الطموح الأخلاقي، والارتقاء من ضيق العادة إلى سعة التحرر المسؤول، فليكن رمضاننا هذا معراجا؛ لإصلاح النفس؛ حيث نتحرّى فيه أطايب الكلام، كما نتحرّى أطيب الطعام، محوّلين لغة الصمت إلى تأمل، ونطقنا إلى ذكر؛ لتغدو كل كلمة، نلفظها خطوة محسوبة نحو صناعة قدر، يليق بنبل نقاء إنسانيتنا. في الشهر الكريم؛ حيث يتنفس الكون عبير الكلم الطيب، يقف الإنسان على أعتاب نفسه بوقفةِ محبّةٍ مشفقة، ينادي في ملكوت الذات: يا نفسُ بين الجنبين، ويا لسانُ رِقَّ الفؤاد، وتُرجمان الشعور، قِفا رويداً، وتأملا في مآلات الشجون؛ فلا يكون الإنسان إلا سراً مخبوءاً، وكنزاً مستوراً تحت طيّات قوله، فإذا نطق استبان فجره، أو غسقه، وكل حرف تهمسين به، وكل لفظة تبذرينها في أثير المدى الفسيح، ليست مجرد صوت يذوي في الريح، بل غرسٌ في أرض الغيب، ورسمٌ دقيق لمسار قدرك المكتوب، ومنهاج يُبنى من لَبِنات الحروف؛ ليُعبّد لك طريقاً، إما إلى رياض الخير الوارفة؛ حيث الرضا، والسكينة، أو إلى مآزق الشر المظلمة؛ حيث الندم، والحسرة. كوني يا نفس على ثغرك حارسةً، يقظة، لا تغفل عين بصيرتها عن نبض الحروف، وللضبط، والتهذيب ممارسةً صبورة، فاللسان دَفّة السفينة في بحر الوجود، وجوارح الجسد بكل طاقاتها، وأشواقها تبعٌ لبوصلة البيان، فإذا استقام اللسان على جادة الحق، والجمال، صلحت الجوارح، وزكت، واستبشرت بفيض الطمأنينة، والنور، وأما إذا اعوجّ، ومال عن طيب القول، ضلّت الأركان، وتخبطت في تيهِ الشتات، وباتت تقتات على زفرات التحسّر، والأسى. قفْ مليّا، يا أيها القلب، الذي تاه في دروب الحيرة، وأضنته لوافح القلق، تثبّت، وبخشوع عند أعتاب هذا الشهر الفضيل، الذي يتنزل على الروح، كغيث بارد، أحيا أرضا مواتا؛ استنشق من نسيمه العليل أنفاس الطمأنينة، ودع سكينته الهادئة، تتسلل إلى أدق تفاصيل الوجدان؛ لتمسح كدر الأيام؛ واعلمْ، واجعلْ العلم يقينا راسخا في سويداء الفؤاد، أن الصيام سبيل إلى جلاّد الصدر في معركة النقاء، وقدرة الجوارح على لجم النزوات، وكسر طغيان الأهواء، التي تكبّل الإنسان. الصيام، في جوهره الأعمق، ومعناه الأسمى، هو " تبتّل مع النفس"، تلك الرحلة السرية، التي لا يراها بشر، ويقود دفّتها لسانك؛ ذلك العضو الصغير في جرمه، العظيم في أثره، وهيبته؛ فهو البرزخ، الذي يحمل في طياته قدرة مذهلة على قذفك نحو معاريج النور، والصفاء، أو الانحدار بك في دهاليز الضعف القيمي؛ حيث تتوّه الروح في غياهب الظلام والضلال، والشتات. لنجعل من صمتنا المهيب في ظلال رمضان تفكرا، يلامس شغاف الحقيقة، وهدية تليق بمقام النفس المكرمة، ولنجعل من نطقنا ذكرا، يحيي الموات، ورفقا، يضّمد الجراح، ورحمة، تفيض على العالمين؛ ولا تكن، يا رعاك الله-عزوجل-، كمن قطع المسافات الطوال في رحلته الروحية صائما، محتسبا، ثم أضاع الوجهة، والبوصلة في لحظة غفلة، بكلمة طائشة خرجت دون إدراك، فبدّدت سعي السنين؛ كنْ أنت، أيهُّا الإنسان الرفيع بمعدنك، "الجمال"، الذي يتجسّد في قدرك المكتوب، وانصبْ من لسانك حارسا أمينا على بستان نفسك المورق؛ لتجني في ختام رحلتك ثمار السكينة، وتقطف زهور الرضا، والسلام الداخلي؛ اخرجْ من صيامك هذا إنسانا وليدا، صاغته الكلمة الطيبة من جديد، وأعادت تشكيل ملامح روحه بصور من النور، والبهاء. اللهم اجعلْ صيامنا صقلاً للروح، وبيانًا يزهر طيبات، وطهّر ألسنتنا من لغو القول، وزلل الفكر، وارزقنا قلوبًا خاشعة، تفيض بنور السكينة، وتسير بنا إلى معارج القبول، والرضوان، ممتلئة بمكارم الأخلاق، وجمال السلوك.