\r\n \r\n والواقع أنني كنت متواجداً في أوروبا يوم 12 سبتمبر 2001، حيث لم أتمكن من الحصول على تذكرة للعودة إلى واشنطن؛ ثم إنني لم أقل أبداً ل(تينيت) إن العراق مسؤول عن هجمات 11 سبتمبر، لا وقتها، ولا في أي مناسبة أخرى. ويُفترض أن تنتهي القصة عند هذا الحد على اعتبار أن الأمر ربما يتعلق بخطأ في الذاكرة فقط؛ وأن تينيت ربما نسب إليَّ شيئاً سمعه في مكان آخر، أي أنه خطأ بحُسن النية. \r\n بيد أنني فوجئت عندما كرر تينيت هذا الزعم حتى بعد أن تم تنبيهه إليه، قائلاً: (ربما كنت مخطئاً بخصوص ذلك اليوم، ولكنني لم أكن مخطئاً بخصوص ما قاله وما كان يعتقده). ففي برنامج (واجه الصحافة) الذي أذيع على شبكة إن بي سي التلفزيونية الأميركية يوم الأحد الماضي، زعم تينيت بأن روايته يمكن تصديقها في ضوء التصريح الذي أدليت به للكاتب الصحفي (روبرت نوفاك) يوم 17 سبتمبر عام 2001، والرسالة التي وقعتها برفقة 40 شخصاً آخر يوم 20 سبتمبر وبعثنا بها إلى الرئيس بوش. غير أن التصريح الذي يتكون من عشر كلمات والذي أدليت به ل(نوفاك) لم يَرِد فيه إطلاقاً ما يفيد بأن العراق مسؤول عن هجمات 11 سبتمبر. وكذلك الحال بالنسبة للرسالة التي جاء فيها أن (أي استراتيجية تهدف لاستئصال الإرهاب ورعاته يجب أن تشمل جهوداً واضحة لتنحية صدام حسين عن السلطة). \r\n ويصر تينيت على أن يساوي بين تصريحين هما في الواقع مختلفان: أن العراق مسؤول عن هجمات 11 سبتمبر وهو ما لم أقله أبداً وأن خلع صدام حسين قبل أن يتبادل الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية والنووية مع الإرهابيين أصبح مسألة ضرورية وملحة، وهو ما قلته بالفعل. ويستمر زوراً في التأكيد على أن المعلومات الملفقة حول مسؤولية العراق عن هجمات 11 سبتمبر شجعت الرئيس على اتخاذ قراره بشن حرب على العراق من أجل اسقاط الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. \r\n وسعى تينيت، الذي كان حريصاً بشكل يمكن تفهمه، على نسف أسطورة أننا ذهبنا إلى العراق على أساس المعلومات الاستخباراتية الخاطئة التي وفرتها وكالته، إلى استبدال هذه الحقيقة بأسطورة أخرى، مفادها أن قرار خلع صدام حسين إنما يرجع إلى التأثير القوي لنائب الرئيس ومجموعة المثقفين المنتمين إلى تيار (المحافظين الجدد). ولم يتردد تينيت في أن ينسب لي ولأشخاص آخرين تصريحات مختلقة من أجل الترويج لهذه الفكرة. \r\n ولاشك في أن القراء اليقظين لاحظوا على الفور أن تصريحات تينيت مجانبة تماماً للحقيقة والصواب. ومن المؤكد أن تينيت ليس واحداً من القراء اليقظين وهو عيب كبير بالنسبة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق وكارثة كبيرة لهذه الوكالة. ويمكن القول ان التحليل غير المتأنِّي وعدم توخي الدقة بخصوص الأدلة، هما اللذان تسببا في تعرض تينيت لأزمة مصداقية مازالت آثارها السلبية مستمرة على سياستنا الخارجية إلى يومنا هذا. \r\n وطوال السنوات الماضية، فشلت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في توخي الدقة بخصوص الحقائق الأساسية بالنسبة لمهمتها الاستخباراتية. والواقع أن تقرير الوكالة الذي ذهب إلى أن صدام حسين كان يمتلك أسلحة كيماوية وبيولوجية، يعد مثالاً آخر على ذلك الفشل. فقد كان الرئيس ونائب الرئيس والكونغرس وآخرون يعتمدون على المعلومات الاستخبارتية التي وفرتها وكالة الاستخبارات المركزية في عهد تينيت إلى درجة أنهم كرروا استنتاجات الوكالة علناً باعتبارها حقائق مسلمة. \r\n وعندما طلب مسؤولو وزارة الدفاع الأميركية من وكالة الاستخبارات المركزية إعادة تقييم النقطة المتعلقة بحقيقة دعم جهاز الاستخبارات العراقي في عهد صدام للجماعات الإرهابية، وحقيقة علاقته بتنظيم (القاعدة)، أبدى تينيت معارضة في البداية؛ وبعد ذلك تعامل باستخفاف مع الشواهد التي كان محللو الوكالة قد أغفلوها. ورغم أنه اعترف لاحقاً بهذا الأمر في رسالة بعثها إلى السيناتور الديمقراطي السابق (بوب غراهام)، إلا أنه مازال يقلل من أهمية هذه المسألة في الوقت الذي لا يتوانى فيه عن مهاجمة منتقدي وكالة الاستخبارات المركزية. \r\n غير أن أكبر فشل استخباراتي حدث خلال العقدين الماضيين هو فشل وكالة الاستخبارات المركزية في فهم الجماعات الأصولية الجهادية ودق ناقوس الخطر للتحذير من تهديدها. ذلك أن التطرف الديني والدعوة إلى الجهاد ضد المشركين، هو الذي أنجب مرتكبي هجمات الحادي عشر من سبتمبر والكثير من الأعمال الإرهابية التي أعقبته. ولم ينجح تينيت في محاولاته لإلقاء اللوم على الآخرين وتحميلهم مسؤولية إخفاقات وكالة الاستخبارات المركزية عندما قال في مذكراته: (لقد أخبرت الرئيس بأن بعض حلفائنا يمولون آلاف المساجد والمدارس الدينية عبر العالم حيث يتم تلقين أفكار الجهاد والعنف لإرهابيين شبان محتملين). وقد فشلت وكالة الاستخبارات المركزية في إشعار زعمائنا بخطر التطرف الديني والتهديد الكبير الذي يشكله بالنسبة للولايات المتحدة. \r\n لقد تمكن جورج تينيت على نحو ما، ومعه أهم وكالة استخبارات وطنية، من إيجاد أسلحة دمار شامل لا وجود لها، بينما فشل في إيجاد روابط بالإرهابيين كانت موجودة وكل ذلك بينما تم إغفال صعود حركات التشدد الديني. والواقع أننا لم ندفع سوى الدفعة الأولى من ثمن ذلك الفشل. \r\n \r\n ريتشارد بيرل \r\n رئيس مجلس سياسات الدفاع الأميركي خلال الفترة من 2001 2003. \r\n خدمة واشنطن بوست خاص ب(الوطن)