وزير البترول يعلن إنهاء وتسوية مستحقات شركاء الاستثمار والغاز بنهاية يونيو    انطلاق منتدى الكوميسا للاستثمار 2026 بمشاركة 17 دولة وأكثر من 400 مسؤول ومستثمر    عبدالرحيم علي: العالم على حافة أزمة طاقة بسبب مضيق هرمز.. ومصر تتحرك لتفادي كارثة عالمية    علوم لا غنى عنها لإنتاج الوعي!    عبدالرحيم علي: المقاتلات الأمريكية تتحرك في سماء إيران دون أدنى مقاومة    عبدالرحيم علي: التحركات المصرية خلال الحرب الحالية هدفها إنقاذ العالم بأكمله    مباشر - برايتون (1)-(0) ليفربول.. الثاني يضيع    الأرصاد تكشف موعد تحسن حالة الطقس    إصابة 3 شباب فى مشاجرة وضبط المتهمين بقنا    السيطرة على حريق محل بقالة فى بحرى بالإسكندرية    سينتيا خليفة تعبر عن استيائها من منع عرض فيلم "سفاح التجمع": "زعلانة على مجهود فريق العمل والممثلين"    الانتهاء من مشروع إعادة تركيب بوابة سور الملك رمسيس الثالث شمال معابد الكرنك    «الصحة» تنفذ 35 زيارة ميدانية لمتابعة مشروعاتها في 27 منشأة بالمحافظات    17 مليون مواطن يستفيدون من مبادرة الصحة للكشف عن الأورام السرطانية    «الصحة» تفعّل خدمات «عيادات الفيروسات» بالمستشفيات النفسية    الدور المصري.. وأبواق الفتنة والتحريض    "الدفاع الإماراتية" تتصدى ل 3 صواريخ باليستية و8 مسيرات إيرانية    وزير المالية: سنعمل معًا على صون المسار الاقتصادي الآمن للدولة    رئيس جامعة العاصمة يهنئ الأمهات بعيد الأم: أنتن صانعات الأجيال ورمز العطاء    فيلم «برشامة» يتصدر إيرادات أول أيام عيد الفطر ب16 مليون جنيه    حنان مطاوع تهنئ والدتها بعيد الأم: كل سنة وانتى طيبة يا أغلى واحدة فى حياتى    "بر أبها" توزّع زكاة الفطر ل3837 أسرة مستفيدة    أزمة صحية مفاجئة في ساسولو قبل مواجهة يوفنتوس    محافظ قنا: حملات رقابية لضبط التعديات خلال العيد وإزالة 20 مخالفة بالمحافظة    بحضور السيسي، وفد طلابي من جامعة القاهرة يشارك في احتفالية العيد بالعاصمة الجديدة (صور)    وزير التعليم العالي: تطوير المستشفيات الجامعية والارتقاء بجودة الرعاية والتعليم الطبي    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : نعم سيظل العيد فى "بقطارس" ..حاجة ثانية !?    حافظ الشاعر يكتب عن :حين تصبح الكاميرا دعاء لا يُرى    خبير: تأثير القرار الأمريكي بالسماح ببيع النفط الإيراني سيكون محدودا للغاية على الأسعار    رغم تقلبات الطقس.. قلعة قايتباي تستقبل آلاف الزوار في ثاني أيام عيد الفطر    الأنبا أغناطيوس يناقش ترتيبات الخدمة مع كهنة إيبارشية المحلة الكبرى    سحب 542 رخصة لعدم تركيب الملصق الإلكتروني    الجريمة في مصر القديمة.. كيف تعامل الفراعنة مع قضايا التحرش والاغتصاب والسرقة؟    بعثة منتخب الناشئين تصل ليبيا    الشناوي: درسنا نقاط قوة وضعف الجيش الملكي.. وبيراميدز أصبح يُحسب له ألف حساب    طلاب جامعة القاهرة يشاركون في احتفالية "عيد سعيد" بالعاصمة الجديدة    في يومهم العالمي، أصحاب متلازمة داون يتمتعون بطبيعة إنسانية مميزة    المصري بالزي الأبيض أمام شباب بلوزداد الجزائري    محافظ أسيوط: إقبال على مراكز الشباب في ثاني أيام عيد الفطر    ذهبية عالمية جديدة تزين سجل إنجازات جامعة قناة السويس    الإفتاء: يجوز الجمع بين نية صوم النافلة مع نية صوم قضاء الفرض    دار الإفتاء: الاحتفال بعيد الأم مظهرٌ من مظاهر البر والإحسان    حبس شخصين لقيامهما ببيع أسطوانات بوتاجاز معبأة بالمياه في المنوفية    هجوم أمريكي إسرائيلي على منشأة "نطنز" النووية    68 عامًا على "ست الحبايب".. القصة الكاملة وراء أغنية عيد الأم الخالدة    مساء اليوم.. انتهاء الأوكازيون الشتوي 2026    جامعة القاهرة تتقدم بالتهنئة لأمهات مصر بمناسبة عيد الأم    محافظ المنوفية : تحرير 237 محضر مخالفات مخابز وأسواق    «القابضة الغذائية»: استلام 4.2 مليون طن قصب لمصانع «السكر والصناعات التكاملية».. وتوريد 71 ألف طن بنجر سكر لمصنع أبو قرقاص    عارضات أزياء يحتفلن باليوم العالمي لمتلازمة داون في بوخارست    رياح نشطة وارتفاع الأمواج ثانى أيام عيد الفطر فى العريش    تراجع تأخيرات القطارات اليوم وانتظام الحركة على كافة الخطوط    انعقاد الاجتماع الفني لمباراة الزمالك وأوتوهو اليوم    حبس المتهم بالتحرش بطالبة لفظيا خلال سيرها بأحد شوارع القاهرة    زيلينسكي يقدم تعازيه في وفاة البطريرك فيلاريت    طارق لطفي: اللجان الإلكترونية تصنع «الأعلى مشاهدة»| حوار    الشرطة النسائية.. تاريخ من الإنجاز والعطاء المستمر    البيت الأبيض يعلن خطة الحسم ضد طهران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أول مذكرات عن «مبارك »و«طنطاوي »
نشر في النهار يوم 17 - 10 - 2014

منذ أيام قليلة صدرت مذكرات «ليون بانيتا»، مدير المخابرات المركزية الأمريكية السابق فى الفترة التى اندلعت فيها ثورة يناير، والذى تولى فيما بعد منصب وزير الدفاع الأمريكى فى فترة حكم المجلس العسكرى الانتقالية، منذ أبريل 2011. لا يصرّح «بانيتا» بالكثير مما يعرف عن فترة عمله. ما زال يحمل فى داخله عقلية «رجل المخابرات» التى تكتم بأكثر مما تفصح، ولا تُظهر إلا أقل القليل مما تملكه من معلومات وأسرار، إلا أن «دقة» المناصب التى تولاها الرجل، و«حساسية» الفترة التى تولى فيها هذه المناصب بالنسبة لنا فى مصر، تجعلان «أقل القليل» من كلماته بالنسبة لنا أمراً يستحق التوقف أمامه، كأننا نختلس ولو نظرة خاطفة إلى عقل المخابرات الأمريكية الأول فى تحليله لما كان يجرى فى القاهرة.
«بانيتا»، فى مذكراته التى صدرت فى كتاب حمل عنوان «معارك تستحق»، كان يحكى عن فصول كثيرة من حياته ومعاركه التى رأى أنها كانت جديرة بخوضها. لكنه، على غير المعتاد من باقى مذكرات رجال الإدارة الأمريكية حول ثورة يناير، لا يُغرق فى الحديث عن «رؤيته وفطنته وتحذيراته التى تتوقع ما سوف يحدث فى مصر دون أن يستمع إليه أحد». يكتفى «بانيتا» بالقول إنه «قام بعمله»، إنه حذر من «الضغوط» التى يمكن أن تؤدى لثورة فى مصر، لكنه لم يتوقع السرعة التى حدثت بها. هذه هى شهادة «ليون بانيتا»، أقصى ما أمكنه الإفصاح عنه بحكم طبيعته ومنصبه عن قادة مصر الذين عاصرهم، وإن كانت الأيام ستكشف حتماً فى المستقبل عن أكثر وأخطر مما قال بكثير.
«مبارك» اعتمد على «كتائب الأمن».. وإخلاء الطرق المحيطة بمسافات كبيرة أثناء تحركه يعكس «الفجوة المتباعدة» بينه وبين شعبه
يعتبر مدير المخابرات الأمريكية الأسبق «ليون بانيتا» أن بداية الثورة الحقيقية فى مصر كانت مع انفجار كنيسة القديسين، الذى أشعل التوترات الطائفية بين المسلمين والأقباط. ويقول: فى يناير 2011، حدث انفجار كنيسة القديسين القبطية فى مصر، أدى هذا التفجير إلى مصرع ما يقرب من 20 شخصاً، وإلى إطلاق اضطرابات ودخول المسلمين والمسيحيين فى حالة من الصراع. وتعهد الرئيس (الأسبق) حسنى مبارك ب«قطع يد الإرهابيين» وانحدرت مصر إلى حالة من العنف السياسى والطائفى، ولم يمر وقت طويل بعدها قبل أن يندفع المحتجون إلى شوارع ليبيا والجزائر، وبدا أن «الربيع العربى» فى طريقه إلى النور.
ويصف «بانيتا» ثورات «الربيع العربى»، كما عرفت فيما بعد، بأنها «اضطرابات امتدت لجزء كبير من العالم العربى منذ نهايات عام 2010، كانت بشكل ما تمثل نجاحاً للمخابرات الأمريكية، وتعبر عن فشلها من زاوية أخرى فى نفس الوقت. الواقع أنه لسنوات طويلة، ظل المحللون فى المخابرات المركزية الأمريكية يحذرون من تراكم الضغوط التى يمكن أن تؤدى لانفجار فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة مع ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب، وزيادة الفوارق فى مستويات الدخل والمعيشة، وتزايد حدة الغليان الشعبى بسبب انتشار الفساد. كانت تلك هى الأسباب الكامنة التى أدت لانفجار ثورات الربيع العربى. وكانت المخابرات المركزية، التى أجادت أداء عملها القائم على أن تقدم لصناع القرار رؤيتها وتحليلاتها الخاصة لما يجرى فى العالم، تصنف هذه الأسباب على أنها مصادر محتملة للضغط قبل لحظة انفجاره بوقت طويل».
ويواصل: «لكن فى الوقت نفسه، لم نتوقع فى المخابرات الأمريكية، تلك الوتيرة التى تسارعت بها الأحداث فى المنطقة. ففى 14 يناير 2011، بعد أقل من شهر من إشعال التونسى محمد البوعزيزى للنار فى نفسه، أنهى الرئيس زين العابدين بن على حكمه الطويل الذى استمر لأكثر من 20 عاماً فى تونس، وطار هارباً إلى المملكة العربية السعودية. كان هذا هو أول نجاح لثورات الربيع العربى، الذى قام بعد ذلك بتغذية مزيد من الحراك عبر المنطقة كلها، إلى الحد الذى كنا نجاهد فيه للحاق به».
ويروى «بانيتا» فى مذكراته: أذكر أن أولى جولاتى كمدير للمخابرات المركزية الأمريكية كانت تتضمن التوقف فى مصر كمحطة، حيث التقيت بالرئيس المصرى حسنى مبارك عام 2009، كنت قد التقيت به من قبل خلال فترة رئاسة «بيل كلينتون»، كان «مبارك» حاضراً فى البيت الأبيض لحضور مفاوضات السلام النهائية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية حول الضفة الغربية، وطلب منى «كلينتون» أن أجلس مع «مبارك» فى الوقت الذى ذهب فيه هو للتواصل مع ياسر عرفات زعيم السلطة الفلسطينية، ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق إسحاق رابين.
«كان هذا منذ 14 عاماً مضت، لكن، عندما تحدثت مع مبارك هذه المرة فى 2009، كان يبدو حازماً وجاداً، ويؤكد أنه أصبح الآن حليف الولايات المتحدة الرئيسى فى المنطقة، وأنه فى أفضل وضع حالياً يمكنه من الحفاظ على السلام. كان يرى أن حكومته مستقرة، وأن علاقته ثابتة وراسخة مع إسرائيل، كما أنه يتمتع بمصداقية بين القادة العرب فى نفس الوقت. لم أجادله فى أى مما قال، على الرغم من أننى كنت ألحظ بعض الدلائل التى تثير القلق بالنسبة لى».
ويواصل «بانيتا»: كانت أهم هذه الدلائل أو الإشارات التى تثير القلق، أنه كانت هناك كتائب من قوات الأمن تقوم على حراسة مبارك، وكان يتم إخلاء الطرق المحيطة بمقر حكمه لمسافات كبيرة، كأنها تشير إلى المسافة والفجوة المتباعدة التى صارت تفصل بين الرئيس المصرى وشعبه فى ذلك الوقت. لقد كان اشتعال الأحداث وتطوراتها فى تونس، نهاية 2010، سبباً فى إذكاء جذوة غضب شعوب غير راضية على امتداد المنطقة كلها. وبدا فى تلك اللحظة أن ثقة «مبارك» فى نفسه كانت فى غير محلها. لقد قلب قرار «بن على» بالفرار من تونس كل الحسابات الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط ككل، وليس بدولته وحدها. لقد تسربت «احتمالية» الإصلاح إلى المحتجين والمعارضين فى الدول الأخرى، وحتى «إمكانية» التغيير الفعلى للنظام القائم. كان هذا إيذاناً بأن تصبح هذه الإمكانية التى كانت يوماً ما «احتمالاً» تستبعده تحليلات المخابرات المركزية الخاصة بالمنطقة، إلى محور تتحرك من حوله الأحداث فيها.
ويواصل مدير المخابرات الأمريكية الأسبق: كان الملاحظ فى هذه الفترة أن معلوماتنا عن هذه الأحداث، وتحديداً تلك المعلومات الخاصة بجماعات المتظاهرين، كانت تزداد تدهوراً وانكماشاً مع تزايد حدة اندفاع تلك المظاهرات إلى الشوارع. كان ذلك يرجع فى الأساس إلى أننا كنا نعتمد فى حالات كثيرة على أجهزة «مخابرات الدولة» لفهم ما يحدث فيها، ومن هم اللاعبون على ساحتها الداخلية. بالتالى كان «الربيع العربى» يتمدد سريعاً، بينما تنكمش مساحة معلوماتنا عنه بسرعة مماثلة.
ويتابع: وفى 25 يناير 2011، اندفعت موجة من الاحتجاجات المنظمة حشدت آلاف المصريين فى الشوارع. ودخل المتظاهرون فى مواجهات عنيفة مع الشرطة والجيش. لم يرضَ هؤلاء المتظاهرون بمجرد الإصلاح، وأصبحوا يطالبون بتخلى «مبارك» عن السلطة. كان هذا يضع الولايات المتحدة فى موقف دقيق: لقد كان «مبارك» حليفاً عتيداً وقديماً لنا، وتركه يسقط لم يكن يعنى فقط أننا ندير ظهورنا لعشرات السنين من التعاون والتنسيق، ولكنه كان يرسل إشارة لباقى الأنظمة فى الشرق الأوسط بأننا نتخلى عنهم ونتركهم للمعارضين لهم.
اتصلت ب«طنطاوى» خلال أحداث السفارة الإسرائيلية.. وكان رد مكتبه علينا وعلى «أوباما» أنه «غير متاح»
ويصل «بانيتا» إلى نقطة مهمة فى حديثه عن طريقة تفكير الإدارة الأمريكية فى أحداث مصر وقتها، ويقول: «كان السؤال الأخطر الذى كنا نواجهه فى تلك الفترة، السؤال الذى كان قائماً طيلة الوقت هو: ماذا بعد؟ من الذى سيأتى بعد مبارك؟ ربما كان من التخلى عن مبارك، لكن الثقة فى أن من سيأتى بعده سيكون أفضل منه قصة أخرى. فى الوقت نفسه، كان مبارك قائداً عنيفاً بشكل ما، بينما كان المعارضون لحكومته يملكون أساساً أخلاقياً لاحتجاجهم، ومن المؤكد أنهم كانوا يشعرون بأن لهم الحق فى الحصول على دعم وتفهم الولايات المتحدة التى ولدت هى نفسها من خضم احتجاجات مماثلة، من الناحية التاريخية على الأقل».
ويواصل: «حاولنا أن نجد وسيلة ما لكى يتخلى مبارك عن السلطة من دون جر مصر إلى الفوضى، فسعينا للتواصل معه من خلال وسطاء. وطلب البيت الأبيض من نائبى (مايك موريل) أن يتواصل من خلال القنوات الاستخباراتية مع مدير المخابرات المصرية (وقتها) اللواء عمر سليمان، لكى ينقل له رسالة محددة: بأن محاولات مبارك للتمسك بالسلطة تجعله يدمر نفسه بنفسه».
ويستمر «بانيتا» فى شرح مدى «حرص» الولايات المتحدة على مصلحة مصر وقتها، ويقول: «اقترحنا على اللواء عمر سليمان وقتها بعض الحلول والنقاط التى يمكن أن تساعد مبارك على أن يتنازل عن السلطة من دون أن يكون مضطراً لمغادرة البلاد، ووافق اللواء سليمان على نقل هذه المقترحات لمبارك. وعندما أعلن الرئيس المصرى الأسبق عن نيته لتوجيه خطاب للأمة فى 28 يناير 2011، شعرنا بالتفاؤل، وظننا أن رسالتنا قد وصلت إليه».
ويتابع: «وفى مساء 28 يناير، انضممت إلى زملائى فى غرفة متابعة الموقف فى البيت الأبيض. وجلسنا جميعاً نستمع إلى مبارك يدلى بخطابه الذى طال انتظاره لشعبه. كنا فى واشنطن نترقب بشدة أن يعلن عن نيته للتنحى وتسليم السلطة لمن سيأتى بعده. لكنه لم يفعل، واكتفى باللجوء لأنصاف الحلول، على غرار إقالة الحكومة، والاستمرار فى السلطة مع الإعلان عن أنه لم يكن ينتوى الترشح لفترة رئاسية جديدة. وهكذا، خيم الصمت على غرفة متابعة الموقف فى البيت الأبيض. فحتى من على بُعد آلاف الأميال، كان من الواضح أن هذه القرارات لن تنجح فى تهدئة المتظاهرين.
وفى اليوم التالى، عيَّن (مبارك) عمر سليمان نائباً له، بما يشير إلى عملية انتقال للسلطة. لكن، مرة أخرى، كان ذلك أقل مما ينبغى عمله فى تلك اللحظة التى تأخرت كثيراً. ومع حلول شهر فبراير، أخذ الرئيس الأمريكى باراك أوباما بحسم جانب المتظاهرين، ويوم 11 فبراير 2011، أعلن نائب الرئيس عمر سليمان عن تخلى مبارك عن السلطة. لقد احتاج الأمر ستة أسابيع من الاحتجاجات لكى يسقط واحد من أكثر أنظمة الشرق الأوسط صلابة واستقراراً. أما مبارك الذى التقيت به منذ أكثر من عشرة أعوام فى مكتب الرئيس الأمريكى فأصبح الآن فى السجن».
وينتقل «ليون بانيتا» فى مذكراته للحديث عن مرحلة أخرى من عمله فى إدارة «أوباما»، هذه المرة كوزير للدفاع بداية من أبريل 2011، خلال الفترة الانتقالية لحكم المجلس العسكرى ما بين تنحى «مبارك» وتولى «الإخوان» الحكم.
لم يتوقف «بانيتا» فى مذكراته عن تلك المرحلة إلا عند أحداث السفارة الإسرائيلية، عندما قامت مجموعة من المتظاهرين بحصار واقتحام السفارة الإسرائيلية فى القاهرة. يحكى «ليون بانيتا» عن الاتصال الذى تلقاه بصفته وزيراً للدفاع الأمريكى من نظيره الإسرائيلى «إيهود باراك»، يطالبه فيه بالتدخل لدى مصر لحل الأزمة، خاصة أنه يكشف عن معلومة لم يعرفها كثيرون وقتها، وهى وجود ستة إسرائيليين محتجزين فى السفارة خلال حصارها، الأمر الذى كان يعنى حدوث أزمة عنيفة بين مصر وإسرائيل لو كانت الأوضاع قد خرجت أكثر عن السيطرة.
يقول «بانيتا» فى مذكراته: قال لى «إيهود باراك» وصوته يحمل قلقاً واضحاً: «عندنا مشكلة فى مصر، هناك حشد من المصريين يحاصرون سفارتنا وهاجموها، وحطموا أسوارها، وهم يشقون طريقهم الآن داخل المبنى. لقد أخرجنا بالفعل معظم رجالنا من هناك، لكن ما زال هناك ستة من الإسرائيليين محتجزين وراء آخر باب. لا بد أن نخرجهم».
استغرقت لحظات حتى أستوعب ما كان يخبرنى به. كنت قد نسيت أن إسرائيل تحتفظ بسفارة صغيرة مؤمَّنة جيداً فى القاهرة كتجسيد ظاهر لاتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكية. ذكرتنى مكالمة «باراك» بهذه الحقيقة، لكننى لم أكن واثقاً ما الذى يمكننى عمله. سألته: ماذا تريد منى أن أفعل؟ ورد «باراك» بحدة: أريد منك أن تتصل ب«طنطاوى» (المشير حسين طنطاوى الذى كان وزيراً للدفاع ورئيساً للمجلس العسكرى وقتها)، وأن تطلب منه أن يرسل قواته الأمنية إلى الساحة، وأن يطلق سراح رجالنا.
ويتابع «بانيتا»: كان المشير حسين طنطاوى وقتها يرأس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى تولى الحكم إثر سقوط «مبارك»، وكان هو الحاكم الفعلى لمصر بكل المقاييس، على الأقل، حتى يتم إجراء انتخابات. كان «طنطاوى» يعد رسمياً نظيرى كوزير للدفاع فى الجانب المصرى. أنا لم يكن فى مقدورى أن أفرق حشداً فى القاهرة، لكن «طنطاوى» كان يستطيع.
ويتابع: إن خطورة الموقف لم تكن تكمن فقط فيما يمكن أن يكون عليه مصير موظفى السفارة الإسرائيلية المحتجزين فى القاهرة. كانت العاصمة الليبية «طرابلس» قد سقطت من قبلها بشهر. وبدأت الاضطرابات والتوترات تجد طريقها إلى سوريا. وحتى صديقى الملك «عبدالله»، ملك الأردن، وجد نفسه يقف على أرضية غير ثابتة. أما شركاؤنا فى الخليج، السعودية والإمارات والبحرين وغيرها، فكانوا يشعرون بالقلق من خططنا حول خفض الإنفاق العسكرى، ولا يطيقون صبراً لدفعنا لمواجهة إيران بشكل أكثر حسماً. بالتالى، ووسط كل هذه الضغوط، كان من الممكن أن يؤدى اندلاع أزمة عنيفة بين مصر وإسرائيل إلى حدوث تداعيات عنيفة بالنسبة للشرق الأوسط ككل.
كنت حاداً وأنا أطالب «طنطاوى» بالتدخل.. لكنه ظل هادئاً كأنه لم يسمع كلمة واحدة منى.. ودعانى لزيارة القاهرة
ويروى «بانيتا» فى مذكراته: كان علينا أن نتحرك سريعاً إذن. إن إحدى الأدوات التى يمكن أن يعتمد عليها وزير الدفاع الأمريكى فى مقر الوزارة، هى غرفة واسعة، خالية من النوافذ تقع فى نهاية الرواق الخاص من مكتبى، ويطلق عليها اسم غرفة «الكابلات». هى أقرب إلى مركز مراقبة شخصى يسمح لوزير الدفاع الأمريكى بمراقبة ما يجرى حول العالم ويتيح له فى الوقت نفسه الاتصال بالقادة والزعماء فى أى مكان فى العالم تقريباً. كانت تلك هى اللحظة التى دبت فيها الحياة إلى هذه الغرفة لنحاول بها أن ننقذ الأرواح.
ويتابع: احتشد فريقنا الخاص بمتابعة تطورات الشرق الأوسط فى غرفة «الكابلات»، محاولاً قراءة أبعاد الموقف فى القاهرة، والاتصال ب«طنطاوى» عبر الهاتف. لكن، كان الرد الأول الذى تلقيناه من مكتب «طنطاوى» فى القاهرة هو أنه «غير متاح». فقط، بلا تقديم أى معلومات إضافية. وعلى مدى الساعة التالية، ظللنا نحاول الاتصال به، وظلت الإجابة فى كل مرة أنه «غير متاح».
ويواصل «بانيتا»: تزايد قلقى، ولا أخفى أننى كنت أشعر بما هو أكثر من الغضب، وتساءلت بصوت مسموع عن السبب الذى يمكن أن يجعل وزير الدفاع المصرى لا يرد على اتصالاتنا الهاتفية. وكان رد «جون كيلى»، أحد المساعدين لى، أنه «لن يرد عليك حتى يصبح الموقف هناك تحت السيطرة. إنه يحاول الآن أن يُحكم قبضته على ما يجرى. دعنا نواصل محاولة الاتصال به حتى يدرك مدى أهمية وإلحاح المسألة».
«دخلت مساعدتى للشئون السياسية (بايلى هيلى) لتخبرنى أن البيت الأبيض على الخط. كان رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو قد اتصل بنظيره باراك أوباما، يطالبه أيضاً بالتدخل للمساعدة. وحاول «أوباما» بدوره الاتصال ب«طنطاوى» لكن دون أن يرد عليه. وحرص طاقم الرئيس على أن يوضح أن الولايات المتحدة تنتظر من «طنطاوى» رد الاتصال على الفور. وواصلنا الاتصال به للتأكيد على هذه النقطة.
ويواصل: «وأخيراً.. رد طنطاوى على اتصالاتنا. أمسكت بالهاتف ولم أضيع الوقت فى اللف والدوران. قلت له: سيادة المشير، هناك الآن أزمة فى شوارع بلدك. إن السفارة الإسرائيلية تتعرض لهجوم. وهناك ستة أشخاص أبرياء هناك. أنا بحاجة لتأكيد وضمانة شخصية منك بأنك ستفعل كل ما فى وسعك لإخراجهم من هناك أحياء.. الواقع أننى لم أكن قد تحدثت إلى الرجل من قبل، لكننى كنت أبدو وكأننى أوجه إليه الأوامر باسم أمريكا. لم تكن هذه هى الطريقة التى أفضلها لإدارة وسير الأمور، لكننى لم أكن أملك خياراً آخر».
ويتابع «بانيتا»: لكن الواقع، أن هدوء «طنطاوى» كان يفوق حدتى. بادرنى وزير الدفاع المصرى بالقول، كأنه لم يسمع كلمة واحدة مما قلت: سيادة الوزير «بانيتا»، إنه لشرف كبير لى أن أتحدث إليك. «إننى أتطلع لمقابلتك ولقائك فى مصر، إن بلدنا العظيم، وبلدكم العظيم يحافظان على علاقة شديدة التميز بينهما».
ويواصل «بانيتا»: «كانت حدة غضبى تتزايد وهو يواصل الكلام متجنباً الخوض فى سبب مناقشتنا من الأساس. لقد كنت أحتاج وأنتظر منه ضمانات وتأكيدات بأن الموقف تحت السيطرة، ولم أكن أنتظر منه دعوة لزيارة القاهرة. وأخيراً، وصل إلى الموضوع، وقال لى إن قواته الأمنية موجودة الآن على الساحة، وإنه من الممكن إنقاذ الإسرائيليين».
«وفى مساء ذلك اليوم، شقَّت قوات الأمن المصرية طريقها إلى داخل مبنى السفارة الإسرائيلية، وأحبطت الهجوم عليها. وأوقفت المهاجمين، وقامت بإطلاق سراح الإسرائيليين. وهكذا، بمجرد أن انتهت تلك الأزمة، قبلت دعوة «طنطاوى» التى وجهها إلىَّ فى هذا اليوم، وقمت بزيارته فى مصر. وصرنا نعمل معاً عن قرب منذ تلك اللحظة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.