ليست قوة الدول فيما تملكه من الفهم. فالتفوق في العلوم التطبيقية، على أهميته، لا يكفي وحده لصناعة نفوذ مستدام، لأن الحروب والأزمات لا تُحسم بالأرقام وحدها، بل بما وراءها من إدراك لطبيعة الإنسان والمجتمع والتاريخ. هنا تحديدًا تتجلى قيمة العلوم التي اعتاد البعض التقليل من شأنها، فإذا بها تكشف حدود الحسابات المادية حين تنفصل عن فهم أعمق للواقع. لقد أثبتت التجارب أن الاقتصار على معادلات القوة الصلبة يوقع في أخطاء جسيمة، لأن السلوك البشري لا يُختزل في منطق رياضي دقيق. فالعقائد، والتاريخ، والجغرافيا، والذاكرة الجمعية، كلها عوامل تصوغ ردود الفعل وتُعقّد مسارات الصراع. ومن دون استيعاب هذه العناصر، تبدو التقديرات -مهما بلغت دقتها- قاصرة عن الإحاطة بحقيقة الموقف. وهنا يصبح واضحًا أن العلوم الإنسانية ليست ترفًا، بل ضرورة لفهم ما لا تفسره الأرقام. ولعل التجربة تُلخِّص درسًا لا يجوز إغفاله: أن التعثر في قراءة أي صراع لا يرجع دومًا إلى نقص في أدوات القوة، بقدر ما يرجع إلى قصور في فهم الإنسان الذي تُوجَّه إليه هذه القوة. فإهمال علوم مثل الاجتماع السياسي، وعلم النفس الجمعي، والتاريخ الاستراتيجي، والجغرافيا السياسية، واللغة والثقافة، والإعلام، يفضي إلى تقديرات منقوصة تُبالغ في أثر الصدمة المادية وتُقلِّل من قدرة المجتمعات على التماسك والصمود. إن الشعوب لا تتحرك وفق حسابات رقمية صرفة، بل وفق منظومات معقدة من الهوية والذاكرة والخبرة التاريخية، وهي عناصر لا تُرى في التقارير العسكرية لكنها تحسم كثيرًا من النتائج. ومن ثم فإن قراءة الخصم قراءة واعية تقتضي الإحاطة بهذه الأبعاد مجتمعة، لا الاكتفاء بقياس قوته الظاهرة. ومع كامل التقدير للرأي القائل بإخفاق الحسم السريع، فإن توصيف المشهد ينبغي أن يظل حذرًا من التبسيط المخل، لأن الصراعات الكبرى لا تُحسم عادة بضربة واحدة، بل بمسارات ممتدة تتداخل فيها عوامل القوة والفهم معًا. بالنسبة لمصر، فإن بناء قوة شاملة لا يمكن أن يقوم على كفة واحدة. فكما نحتاج إلى مهندس وطبيب وخبير تكنولوجيا، نحتاج بالقدر نفسه إلى عالم اجتماع يفهم تحولات المجتمع، وإلى باحث في علم النفس يقرأ سلوك الجماهير، وإلى مؤرخ يربط الحاضر بجذوره، وإلى متخصص في الجغرافيا السياسية يدرك أثر المكان في القرار، وإلى خبير لغات وثقافات يفتح نوافذ الفهم مع العالم. إن هذه العلوم لا تُنتج سلعة مباشرة، لكنها تُنتج وعيًا، وهذا الوعي هو الذي يوجّه كل إنتاج. المشكلة الحقيقية لم تكن يومًا في تقدير العلوم التطبيقية، بل في اختزال معيار القيمة في سوق العمل وحده، وكأن ما لا يدر ربحًا سريعًا لا يستحق الاستثمار. غير أن الدول التي صنعت مكانتها لم تقع في هذا الفخ؛ بل أدركت أن بعض المعارف تُقاس آثارها على المدى البعيد، وأن بناء العقل لا يقل أهمية عن بناء المصنع. فصانع القرار الذي يجهل التاريخ قد يكرر أخطاءه، والاقتصادي الذي لا يفهم المجتمع قد يفشل في قراءة نتائجه، والمهندس الذي لا يعي بيئته قد يبني ما لا يُستخدم. وهنا تبدأ معركة الإعلام! صراحة مصطفى الفقي! إن المستقبل لن يكون للأكثر امتلاكًا للأدوات فحسب، بل للأقدر على توظيفها في سياق مفهوم. ومن هنا فإن ما تحتاجه مصر ليس المفاضلة بين العلوم، بل تحقيق تكامل حقيقي بينها؛ علوم تمنحها القدرة، وأخرى تمنحها البصيرة. فالقوة في جوهرها ليست أن تعرف كيف تفعل، بل أن تعرف لماذا تفعل، ومتى تفعل، ولأي غاية. وفي هذا التوازن وحده يمكن أن تتشكل نهضة حقيقية، لا تقوم على الإنتاج فقط، بل على الفهم الذي يحميه ويوجهه. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا