تعد الثورة الإيرانية واحدة من أهم التحولات السياسية في النصف الثاني من القرن العشرين، إذ لم تكن مجرد تغيير في نظام الحكم، بل تحولا عميقا في بنية الدولة والمجتمع معا، فقد نجحت الثورة في إسقاط نظام محمد رضا بهلوي رغم ما كان يتمتع به من دعم سياسي وعسكري من الولاياتالمتحدةالأمريكية، وهو ما كشف منذ البداية عن قدرة المجتمع الإيراني على التعبئة الشعبية الاجتماعية الواسعة من خلال شبكات تقليدية مترابطة أكثر من اعتماده على الأدوات الحديثة. وفي تلك المرحلة، لعبت الأسواق التقليدية والبازارات والمساجد دورا محوريا في تشكيل فضاء اجتماعي وسياسي بديل، حيث تحولت هذه الأماكن إلى نقاط تجمع لنقل الأخبار وتبادل الرسائل وتنظيم الاحتجاجات. ومن خلال علاقات الثقة الشخصية بين التجار ورجال الدين والعائلات، انتقلت الأفكار والتعليمات بسرعة لافتة، حتى في ظل الرقابة الأمنية الصارمة التي كان يفرضها النظام آنذاك. وقد تجلت قوة هذه الشبكات الاجتماعية في الأشهر الأولى بعد نجاح الثورة، عندما قام طلاب ثوريون باقتحام السفارة الأمريكية في طهران في نوفمبر 1979 في الحدث المعروف باسم أزمة الرهائن في إيران، إذ لم يكن هذا الاقتحام مجرد حادث دبلوماسي، بل كان تعبيرا عن الصدام الرمزي بين مشروع ثوري يعتمد على التعبئة الاجتماعية والثقافية التقليدية وبين قوة عالمية تمثل آنذاك قمة التفوق التكنولوجي والسياسي. وحتى الوسائل الإعلامية التي استخدمت في تلك الفترة، مثل أشرطة الكاسيت التي حملت خطب الخميني ووزعت في المساجد والمنازل، كانت في الواقع امتدادا لهذه الشبكات الاجتماعية التقليدية التي يصعب على أجهزة الدولة اختراقها أو السيطرة عليها. وبالرغم من الفارق الكبير في الإمكانات المادية، أظهرت تلك اللحظة كيف يمكن لشبكات اجتماعية متماسكة وقيم مشتركة راسخة أن تتحول إلى قوة سياسية قادرة على تحدي نظام دولي أكثر تطورا من حيث الوسائل. ومن هنا، يصبح فهم التجربة الإيرانية منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين وحتى اليوم مرتبطا بشكل وثيق بطبيعة المجتمع الإيراني نفسه. فإيران تعد من المجتمعات ذات السياق الثقافي العالي، وهي المجتمعات التي لا يقوم التواصل فيها فقط على الخطاب المباشر أو المؤسسات الرسمية، بل على منظومة واسعة من الرموز التاريخية والروابط الاجتماعية والمرجعيات الدينية والثقافية المشتركة. وفي مثل هذه المجتمعات، يعتمد الفهم المتبادل بين الأفراد على الخلفية الثقافية المشتركة أكثر من اعتماده على التصريحات المباشرة، وهو ما يمنح البنية الاجتماعية درجة كبيرة من التماسك والاستمرارية عبر الزمن. ولا يقتصر مفهوم السياق الثقافي العالي على الترابط الاجتماعي فقط، بل يرتبط ايضا بمنظومة قيم تضع الجماعة في موقع متقدم على الفرد. فالثقافة السياسية والاجتماعية في إيران تميل إلى تعظيم فكرة الجماعية والانتماء المشترك، حيث يتم فهم الهوية الفردية من خلال علاقتها بالمجتمع أو الأمة أو الجماعة الدينية. كما تتسم هذه الثقافة بدرجة واضحة من الذكورية التقليدية واحترام السلطة الهرمية، سواء كانت سلطة دينية أو سياسية، وهو ما يمنح القيادة السياسية شرعية رمزية وثقافية تتجاوز حدود الشرعية القانونية أو المؤسسية. ومع استمرار النظام بعد الثورة تحت قيادة علي خامنئي، لم يحدث تحول جذري في هذه البنية الثقافية أو الأيديولوجية، بل استمر الاعتماد على القيم نفسها التي تشكلت في السنوات الأولى للثورة. غير أن التحول الأبرز ظهر في الوسائل والأدوات التي تستخدمها الدولة في إدارة الشأن الداخلي والصراع الإقليمي. فبينما اعتمد الجيل الأول من الثورة على المنابر الدينية والتعبئة الجماهيرية المباشرة، أصبح الجيل اللاحق أكثر انخراطا في استخدام التكنولوجيا الحديثة والفضاء الرقمي. وفي العقود الأخيرة، بدأت إيران تمزج بشكل واضح بين الفكر التقليدي والأدوات المعاصرة. فالمجتمع الذي حافظ على طابعه المحافظ وترابطه القيمي أصبح في الوقت نفسه منخرطا بقوة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، مثل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وصناعة الطائرات المسيرة، ما يعكس قدرة النظام والمجتمع على استيعاب الحداثة وتوظيفها دون التخلي عن الإطار الثقافي الذي تشكلت فيه الثورة. ومع صعود جيل جديد داخل بنية السلطة، من بينهم شخصيات مثل مجتبى خامنئي، يبرز اتجاه نحو إدارة الدولة بوسائل أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا الحديثة، حيث نشأ هذا الجيل في عالم مختلف، تتداخل فيه القوة العسكرية مع القدرات السيبرانية والاقتصاد التكنولوجي، ومع ذلك فإن المرجعية الفكرية الأساسية ما زالت تستند إلى المفاهيم التي صاغتها الثورة مثل الاستقلال السياسي ومقاومة النفوذ الخارجي والحفاظ على الهوية الدينية والثقافية. وعند الجمع بين هذه العوامل مجتمعة، يتضح أن ما قد تشهده إيران ليس مجرد انتقال شكلي في القيادة، بل تحولا في طريقة إدارة القوة والنفوذ في المنطقة. فصعود جيل أصغر سنا داخل بنية السلطة يعني أن القيادة الجديدة ستكون أكثر احتكاكا بعالم التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والحروب غير التقليدية، وفي الوقت نفسه أكثر تشبعا بالذاكرة الثورية التي شكلت هوية الدولة منذ الثورة الإيرانية. ومن ثَمَّ، فإن هذا المزيج بين الحماسة الأيديولوجية والخبرة التقنية يمكن أن يترجم عمليا إلى نمط مختلف من إدارة الصراع الإقليمي الذي يقوم على استخدام أدوات متعددة. فعلى المستوى العسكري، أصبحت إيران خلال السنوات الأخيرة تعتمد بدرجة كبيرة على منظومات الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة والقدرات السيبرانية، وهي أدوات تمنحها إمكانية التأثير في مسار الصراع دون الدخول في مواجهة تقليدية واسعة. هذه القدرات تسمح لها بإدارة ما يشبه شبكة من الضغوط غير المباشرة في عدة ساحات إقليمية في آن واحد، وهو أسلوب ينسجم مع رؤية جيل جديد من القادة الذين يدركون طبيعة الحروب الحديثة القائمة على التكنولوجيا والمعلومات. وفي الوقت ذاته، تبقى الجغرافيا عاملا حاسما في الاستراتيجية الإيرانية. فوجود إيران على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز، يمنحها ورقة ضغط استراتيجية ذات تأثير مباشر في الاقتصاد العالمي، حيث يمر عبر هذا المضيق جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن أي توتر أمني فيه ينعكس على أسواق الطاقة الدولية. ويعني ذلك، من الناحية التطبيقية، أن إيران تمتلك قدرة على التأثير غير المباشر في الحسابات الاقتصادية للدول الكبرى، وهو ما يحول الموقع الجغرافي إلى أداة ضغط سياسية في أوقات الأزمات. إلى جانب ذلك، تسعى إيران منذ سنوات إلى تعزيز قدراتها التكنولوجية والعلمية، بما في ذلك تطوير الصناعات الدفاعية والبحث في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، إضافة إلى استمرار الجدل الدولي حول برنامجها النووي. ولذلك، وبالنسبة لصناع القرار في طهران، تمثل هذه القدرات أدوات عسكرية وفي ذات الوقت عناصر ردع استراتيجية تهدف إلى خلق توازن مع القوى الكبرى في المنطقة. وفي هذا السياق، يصبح الجمع بين التكنولوجيا والرمزية الأيديولوجية وسيلة لتعزيز صورة الدولة القادرة على الصمود والاستقلال. أما على المستوى الداخلي، فإن صعود جيل جديد من القيادات يمكن أن يعيد صياغة طريقة مخاطبة المجتمع، خاصة فئة الشباب التي تشكل نسبة كبيرة من السكان، حيث نشأ هؤلاء القادة في عالم أكثر اتصالا بالإنترنت وأكثر وعيا بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، لكنهم في الوقت ذاته يتحركون داخل مجتمع ما زالت تحكمه قيم تقليدية قوية مثل الجماعية واحترام السلطة الدينية والارتباط بالهوية الثقافية. وبالتالي، قد نشهد محاولة للجمع بين خطابين في آن واحد: خطاب حديث يتحدث عن التكنولوجيا والاقتصاد المتقدم، وخطاب تقليدي يستحضر قيم الثورة والهوية الدينية. وبالنظر إلى هذه العناصر مجتمعة، يتضح أن المرحلة المقبلة في السياسة الإيرانية قد تقوم على نموذج يجمع بين ثلاث ركائز متداخلة. الركيزة الأولى هي الاستمرار في الإطار الأيديولوجي الذي تشكل بعد الثورة، والذي يمنح النظام شرعية تاريخية وثقافية داخل المجتمع. والركيزة الثانية هي توسيع الاعتماد على التكنولوجيا والقدرات العسكرية الحديثة كوسائل ردع وتأثير في الصراعات الإقليمية. أما الركيزة الثالثة فهي توظيف الموقع الجغرافي الاستراتيجي لإيران في قلب طرق الطاقة العالمية كأداة ضغط في العلاقات الدولية. وعندما تتفاعل هذه الركائز معا، فإنها تنتج نمطا سياسيا يجمع بين روح الثورة التقليدية وأدوات القوة المعاصرة. وبهذا المعنى يمكن فهم إيران اليوم بوصفها دولة تحاول تحويل تماسكها الثقافي القديم إلى قوة استراتيجية حديثة، بحيث يصبح التراث الأيديولوجي الذي نشأ في أزقة البازار والمساجد في نهاية السبعينيات جزءا من منظومة أكثر تعقيدا تشمل التكنولوجيا المتقدمة والفضاء السيبراني والقدرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية والدولية. وفي ظل التصعيدات الإقليمية الحالية، يبدو أن أي مواجهة مع إيران لن تقاس فقط بموازين القوة العسكرية، بل أيضا بقدرة المجتمع الإيراني على التماسك الداخلي. فإيران، التي تشكلت بنيتها السياسية بعد الثورة الإيرانية، تستند إلى منظومة ثقافية تقليدية عميقة تقوم على التضامن الجماعي والارتباط بالهوية الدينية والتاريخية واحترام السلطة. هذه الخصائص تجعل المجتمع أكثر ميلا إلى الالتفاف حول الدولة في أوقات الأزمات الخارجية، حتى مع وجود اختلافات أو مطالب إصلاحية داخلية. لذلك، فإن أي محاولة لتفكيك النظام من الخارج غالبا ما تواجه برد فعل معاكس يتمثل في تعزيز التماسك الداخلي وظهور أشكال مختلفة من الرفض والمقاومة داخل المجتمع نفسه، حيث تتغلب في لحظات الصراع الكبرى قيم الجماعة والهوية المشتركة على الانقسامات السياسية أو الاجتماعية. إن القوة الحقيقية لإيران لا تكمن فقط في أدواتها العسكرية أو التكنولوجية، بل في تماسك بنيتها الثقافية والاجتماعية في المقام الأول. كاتبة المقال.. أ. د ثريا أحمد البدوي رئيس لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب، والعميد السابق لكلية الإعلام جامعة القاهرة. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا