أقامت القوات المسلحة جداراً اسمنتياً لمنع المتظاهرين من اقتحام شارع ريحان والاشتباك من جديد مع الضباط والجنود المكلفين بتأمين مقر مجلس الوزراء ومقر مجلس الشعب.. لكن المتظاهرين أصروا علي هدم الجدار والاشتباك.. وكنا نتمني أن يتوقف مسلسل العنف والدم والعودة إلي التظاهر السلمي.. وأن يتولي المتظاهرون حماية صفوفهم من الدخلاء والبلطجية كما كان عليه الوضع خلال مظاهرت الثورة الأولي.. حتي يتبين الناس الصورة واضحة.. ويتم فرز البلطجية وأطفال الشوارع بعيداً عن المتظاهرين الثائرين. وبالأمس شهد ميدان التحرير اقامة عدد من المتظاهرين حواجز بشرية علي مدخل شارع الشيخ ريحان وشارع قصر العيني لمنع رشق الحجارة من قبل المتظاهرين تجاه قوات الجيش.. واشترك في هذا الحاجز البشري حوالي 300 شخص من شباب التحرير. هذه هي الروح الثورية التي نراهن علي نضجها ونقائها وحسن تصرفها حتي تخرج مصر من هذه الفتنة سليمة.. وتلتئم جروحها كي تكمل مسيرتها في أمن وأمان. نعم.. ما حدث من اشتباكات وحرائق وتخريب وتدمير فتنة مرت علينا كأنها الدهر حيث اختلط الحابل بالنابل.. وتناقضت الأقوال والشهادات والفيديوهات.. وصارت الصورة غائمة.. ومن الصعب التعرف علي الحقيقة وسط حالة الشك التي طالت كل شيء وكل شخص في هذا البلد. وعندما يختلط الحق بالباطل ولا نقوي علي التمييز بينهما تصبح هذه فتنة.. وما أصعب الفتن في زماننا.. وقد حذرنا رسولنا الكريم من الخوض في الفتنة وقال ان القاعد فيها خير من الواقف والواقف خير من الماشي.. وفي موضع آخر قال عن الفتنة: "دعوها فانها نتنة". في مظاهرات الثورة من 25 يناير إلي 11 فبراير كان ميدان التحرير نقياً شفافاً.. يهتف بهتاف واحد.. ويعبر عن ارادة الشعب كله حتي أولئك الذين لم يسعدهم الحظ ولم تسعفهم الهمة بالنزول إلي الميدان.. لم يحرق مبني ولم يخرب مؤسسات.. وكان المتظاهرون هم الذين يتولون حماية مجمع التحرير والمتحف المصري والمحلات المحيطة بالميدان.. وحتي عندما قام البلطجية والعملاء المأجورون باحراق مقر الحزب الوطني المنحل وبعض أقسام الشرطة تبرأ المتظاهرون من هذه الجرائم وأنكروها.. وتمسكوا إلي النهاية بهتافهم الأثير "سلمية.. سلمية". أما ما حدث في مسرح البالون وماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء والشيخ ريحان فهو علي الأقل فتنة محزنة سقط فيها شهداء وسقط أيضا أناس ليس لهم علاقة بالثورة الا أنهم تلقوا أموالا ووجبات وأشياء أخري.. ومن هنا تشوهت الصورة الجميلة وتاهت معالمها.. وصارت هناك شكوك في كل اتجاه. واذا كان من الصعب الآن دعوة المتظاهرين إلي اجازة واخلاء ميدان التحرير وشارع الشيخ ريحان تماما حتي تتكشف الحقائق ويعرف المأجورون بسيماههم فالأفضل أن ينزل الثوار الحقيقيون إلي الساحة.. ويكشفوا للناس عن الروح الثورية من جديد.. الروح التي تعرض مطالب السياسة لكنها تحافظ علي الأمن وتحافظ علي المباني ولا تعطل سير الحياة ولا ترتكب حماقة الحرق والتخريب ضد مقدرات الوطن. عندما تظهر الروح الثورية الحقيقية سيقطع دابر الفتنة.. ولن يكون هناك الشيء ونقيضه.. وربما نري- مرة أخري- الثائر الذي يقدم وردة للجندي ويقبله ونري الجندي الذي يرفع الطفل الصغير فوق الدبابة ويحتضنه بحب وحنان. اذا كان من الصعب أن تعود الحياة إلي طبيعتها وأن يذهب الناس إلي أعمالهم وينطلق الشباب إلي طلب الرزق حتي تتحرك عجلة الانتاج فعلي الأقل يجب أن يعود إلي الميدان الثوار الحقيقيون وتعود الروح الثورية الحقيقية التي تفرق بين الثورة والفوضي.. والتي تحرص أشد الحرص علي كسب ثقة الشارع والمواطن العادي والالتحام بالجماهير بلا حرق أو تخريب. نريد وجه الثورة الناصع وفكر الثورة الراقي وسلوك الثورة المتحضر.. ويا أيها الثوار والمتظاهرون.. يا من أشعلتم الشرارة الأولي لا تتركوا الميدان لمن يشوه وجه الثورة وفكرها وسلوكها.. لا تتركوا الثورة لمن يدفع ومن يقبض.. لا تتركوها تتحول إلي فتنة.. والفتنة أشد من القتل. ساعدوا الثورة علي أن تسترد روحها.. وساعدوا الثورة علي أن تستكمل طريق النصر حتي نهايته.. وساعدوا القوات المسلحة علي ان تخرج بسلام من هذا الاختبار العسير.. وساعدوا مصر علي ألا تنام كل ليلة في حزن وسواد.