حل الجمعيات وتعطيل تأسيسها والمنع من السفر والحبس والتشهير .. سلسلة خنق المجتمع المدني في مصر جمال عيد : مجلس الشعب القادم سيقضي على المنظمات الجادة في مجال حقوق الإنسان إيهاب راضي : الأجهزة الأمنية تنتهج فلسفة خطيرة أسقطت مبارك .. و«التضامن» تسيء لمصر سوزان فياض: مصر تحيا في مناخ ديكتاتوري لن ينهي الحملة الأمنية
تجد العديد من بيانات الإدانة والاستنكار صادرة من جمعيات ومراكز حقوقية إذا ما مُنع برنامج تليفزيوني أو تم التلويح بحبس مقدم برنامج أو صودر عدد من جريدة لتعبير أحدهم عن رأي مخالف أو غير مرغوب فيه ، فمؤسسات المجتمع المدني الجادة و المعنية بحقوق الإنسان لا تُفرق بين أفراد المجتمع حين يتعلق الأمر بحقوقهم وعلى رأسها حرية التعبير .. إلا أن الأمر نفسه لا نجده في وسائل الإعلام حين يتم حل إحدى الجمعيات بدعوى أنها تتبع جماعة الإخوان المسلمين مثلا أو حين يُمنع العاملين في مجال حقوق الإنسان من السفر بالمخالفة للقانون وحتى حبسهم على ذمة قضية أو دون اتهام ، بل على العكس تماما نجد حلقات كاملة معدة للهجوم ومحاولات إثبات عمالة وخيانة هذه المؤسسة أو هذا الناشط الحقوقي .. ففي غفلة من الجميع عدا المتابعين والمهتمين .. يتعرض نشطاء حقوق الإنسان ومدراء المؤسسات والجمعيات لحملة أمنية مستعرة ومستمرة لا أحد يدري عنها شيئا ، فبدءا من إجراءات المنع من السفر غير القانونية ، مرورا بحل الجمعيات وتعطيل تأسيسها وحتى اقتحام الندوات والمؤتمرات و الحبس والتشهير وتجميد القضايا ضد وزارة التضامن .. هي كلها حلقات في سلسلة معاناة يقول المتضررين منها أنها لن تتوقف أو تهدأ في ظل نظام "ديكتاتوري" ، مؤكدين أنهم كذلك لن يتوقفوا عن أداء مهامهم والدفاع عن رسالتهم .
محمد لطفي مدير المؤسسة المصرية للحقوق والحريات تم منعه من السفر إلى ألمانيا في الثاني من يونيو لحضور مناقشة دعا إليها حزب الخضر الألماني تزامنا مع زيارة الرئيس السيسي إلى هناك ، ويقول لطفي إن الزيارة كان بغرض إلقاء كلمة مصر في البرلمان الألماني بشأن وضع حقوق الإنسان في مصر ولكنه فوجئ بمنعه من السفر في المطار وسحب جواز سفره ، وحين سأل عن أسباب المنع اكتشف أنه لا يوجد قرار من النائب العام مثلا بمنعه من السفر وأن الإجراء يأتي فقط "لدواعي أمنية" .
يضيف لطفي أن ما حدث معه ربما منعه من السفر بنفسه ولكنه لم يمنع صوته من الوصول إلى البرلمان الألماني ، حيث أناب عنه صديق كان يعيش هناك وألقى كلمته كاملة بدلا منه ، ورغم تقدمه ببلاغ إلى النائب العام ضد ما حدث معه إلا أن الوضع لا يزال كما هو وجواز سفره لا يزال مع الجهات الأمنية صاحبة القرار غير القانوني أو الدستوري .
يؤكد مدير المؤسسة المصرية للحقوق والحريات أن التضييق المستمر على مؤسسات المجتمع المدني بشكل عام والعاملين فيها يعكس استمرار محاولات قتل أي فرصة لخروج صوت معارض أو مخالف للخط العام الذي ترسمه الدولة وأجهزتها ، مشيرا إلى أن وزارة التضامن الاجتماعي تتعنت في إشهار الجمعيات الأهلية دون مبرر قانوني رغم أن القانون ينص على تأسيس الجمعيات بالإخطار فقط وأنها تعد مشهرة بقوة القانون في حال مرور 60 يوما من تاريخ إخطارها دون إصدار الترخيص من قبل الوزارة، وهو ما حدث مع المؤسسة حين قررت تأسيس جمعية تابعة لها مما دفع بالأمر إلى ساحات القضاء واختصام وزارة التضامن الاجتماعي لمخالفتها للقانون .
منع "ولاء عبد الهادي" العضو المستقيل من حزب الدستور ، أعقبه أزمة أثارها موقفه السلبي إزاء ما حدث معها ، حيث تقول ولاء إنها تقدمت باستقالتها بعد أن خذلها الحزب بعدم اتخاذه أي موقف ضد منعها غير القانوني من السفر وهو ما أغضب أيضا عددا كبيرا من الأعضاء في الحزب الرافضين لبعض سياساته الحالية مع النظام .
تحكي ولاء إنها توجهت إلى المطار في السابع من يونيو الماضي بقصد السفر إلى السويد لحضور تدريب عن "الأيديولوجيا" كان قد نظمه ودعا إليه مركز "ألفا بالما" بالتنسيق مع الأحزاب ،وكان التدريب يتضمن زيارة إلى البرلمان السويدي وتم اختيارها للسفر والتدريب من قبل الحزب بالإضافة إلى خمسة زملاء آخرين ، إلا أنها فوجئت لدى وصولها إلى الجوازات أنها و أربعة آخرين من أحزاب أخرى ممنوعين من السفر ، وتم سحب جوازات السفر الخاصة بهم و اقتيادهم إلى غرفة ظلوا فيها لمدة ثلاث ساعات دون توضيح أو تفسير من أحد .
تقول ولاء : ذهبت إلى وزارة الداخلية ثم إلى مقر الأمن الوطني في مدينة نصر لاستعادة جواز سفري ومعرفة أسباب منعي من السفر دون فائدة ، رغم أن الاثنين أكدا على أنه لا يوجد ما يشين أو يدين في ملفي الأمني إلا أن هناك دواعي أمنية فرضت اتخاذ الإجراء على النحو .
أما المنع من السفر بقرار ، فيمثله هنا موقف المهندس "حسام الدين علي" مدير المعهد الديمقراطي ، والذي تم وضعه على قوائم الممنوعين من السفر على خلفية القضية 173 لسنة 2011 والخاصة بالمنظمات الأجنبية التي تعمل في مصر وتفرع منها جزء خاص بمنظمات مصرية ذات صلة بثورة 25 يناير ، بحسب تعبيره .
يحكي حسام أنه كان بصدد السفر إلى المغرب في ديسمبر الماضي لحضور مؤتمر عن مؤسسات الفكر العربي في الليبرالية حين تم إبلاغه بمنعه من السفر بناء على قرار من النائب العام على خلفية قضية لم يتم التحقيق مع المسئولين والعاملين في المعهد بشأنها حتى الآن رغم تشكيل لجنة من وزارة التضامن الاجتماعي استمرت في فحص أوراقه لمدة 4 شهور وتحويل القضية من القضاء الإداري إلى هيئة المفوضين دون حكم ابتدائي أو نهائي أو تحقيق .
قرار النائب العام تسبب في تفكك عائلة حسام ، بحسب تعبيره ، كذلك ضياع فرصة ذهبية لابنه توقف اقتناصها على وجود والده في ألمانيا ، حيث لم يتمكن من السفر إليه حين كان يخضع لاختبار اجتازه بنجاح في نادي "برشلونة" الرياضي إلا أن إدارة النادي رفضت اعتماده وتقييده لديهم بسبب غياب والده وعدم حضوره لتأكيد رغبته وموافقته على انضمام ابنه الصغير إليهم . ترى الدكتورة "سوزان فياض" الطبيبة والباحثة في مركز "النديم" لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب أن موقف الأجهزة الأمنية الحالي من مؤسسسات المجتمع المدني وأفراده أصيل وقديم جدا يرجع حتى الستينيات من القرن الماضي ، حيث كانت تتجسد فكرة منع التنظيم المستقل للجمعيات والأحزاب والنقابات والاتحادات لصالح وجود الحزب الواحد والتنظيم الواحد وبسط النفوذ على النقابات رغم أن الدساتير القديمة كانت تنص على الحق في التعبير والتنظيم .
وتضيف أن الهجمة الأمنية على مؤسسات المجتمع المدني بدأت منذ عام 1999 ، حيث أصاب الحكومة رعب شديد من ظهور منظمات حقوقية وحركات اجتماعية وتيارات سياسية حققت للناس ميلهم الأصيل في التعبير عن رأيهم ، مؤكدة أن المعركة بين هذه الأجهزة والمجتمع المدني ليست جديدة وستظل مستمرة طالما استمر المناخ "الديكتاتوري" الذي تحيا فيه مصر ويفرض قبضة أمنية عنيفة جدا هذه الأيام يصعب معها الحديث عن قدرة هذه الجمعيات على الفوز بمعركة وجودها دون الإصرار على العمل من أجل تصحيح الأوضاع . أما "جمال عيد" مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، فيقول : ما يتعرض له العاملين في مؤسسات المجتمع المدني لم يكن يمكن تصوره سوى في بلدين مثل سوريا والسعودية وغيرها من البلاد القمعية التي لا تعترف بأي حق للإنسان ، فالآن يقتحم أفراد الأمن الندوات والدورات التدريبة ويُمنع العاملين بالمؤسسات والأحزاب من السفر بشكل غير رسمي أو قانوني وتحل الجمعيات ويُعطل تأسيسها دون أي إلتفاتة من وسائل الإعلام التي تشارك في الحملة بالتشهير وتجاهل هذه الانتهاكات تماما.
وينوه عيد إلى أن إقرار مجلس الشعب القادم لقانون الجمعيات الذي أعده الأمن الوطني بحسب تعبيره ، سيمثل تصعيدا جديدا للحملة الشرسة وسيتم من خلاله القضاء على المنظمات الجادة العاملة في مجالات حقوق الإنسان . من الناحية القانونية ، يوضح "إيهاب راضي" المحامي ومدير مؤسسة البيت العربي أن المنع من السفر سواء بقرار أو بغير قرار يعتبر انتهاكا صريحا للدستور لأنه لم يرد في مواده ضمن أي عقوبة كما أكد سابقا المستشار عبد المعز إبراهيم رئيس محكمة استئناف القاهرة بعد السماح بسفر الأجانب في قضية التمويل الأجنبي وعدم منعهم من السفر ، كما أن سحب جوازات السفر في هذه الحالات يعد كذلك جريمة استيلاء على مستند رسمي ، مؤكدا أن الأجهزة الأمنية تنتهج الآن الفلسفة الأمنية نفسها التي أسقطت حكم مبارك ، بل وإنها تمارسها بشكل أعنف بكثير وأكثر خطورة .
ويضيف راضي أن دستور 2014 يتضمن أعلى قواعد قانونية في مصر تنص على أن تأسيس الجمعيات يكون بالإخطار ، وكذلك الحل لابد وأن يكون بحكم قضائي ويكون غالبا صادر من محكمة القضاء الإداري ، إلا أن وزارة التضامن لا تحترم القاعدتين القانونيتين أو أي اعتبارات خاصة بفلسفة عمل المجتمع المدني وكذلك تعهدات مصر الدولية التي أخذتها في مارس 2015 و2010 أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان بجنيف ، مشددا على أن الوزارة تعمل بمعزل عن الدستور والمواثيق الدولية وتتحمل جزءا كبيرا من المسئولية بشأن سوء الوضع الدولي لمصر في مجال حقوق الإنسان .