الكلام الذي بات تحصيل حاصل ويتفق عليه كل عراقي، رجلاً كان أم سيدة، شاباً أم هرماً، مثقفاً أم عادياً، هو أن العراق اليوم غدا وطناً من غير دولة، مدمر اقتصاده وبناه التحتية، مهدمة مدنه، ممزق نسيجه الاجتماعي، مختفية فيه الخدمات الاجتماعية، غائب عنه الأمان، ممتلئة سجونه، منهوبة ثرواته الطبيعية، تعصف به الطائفية والتطهير العرقي، تتمكن الشعويبة من عروبته وتراثه العربي الإسلامي، تجوبه إطلاعات (المخابرات الإيرانية) والموساد وتغتال مبدعيه ومفكريه، تتفشى فيه الجريمة والمخدرات والخطف، والجوع والمرض، وينال اليأس من أجياله الصاعدة، والعرض يطول. زعماء الكتل السياسية والأحزاب الفائزة في الانتخابات الأخيرة الذين عقدوا مؤتمراً صحفياً في بغداد، كانوا يوزعون الابتسامات أمام عدسات التلفزيون، ويتبادلون النكات، وهيمنت على المشهد العراقي ووسائل الإعلام الأجواء "الأخوية" والاسترخاء السياسي الذي ستتشكل في كنفه حكومة الوحدة الوطنية التي ستنتقل بالبلاد إلى حقبة مشرقة جديدة. هؤلاء هم الذين وعدوا العراقيين بالأمس بعراق "سويسري"، وأغووا المارق الأمريكي باحتلال الوطن لتحقيق هذه الغاية النبيلة، ونسجوا له الأكاذيب التي سوغت لصنع قرار الحرب العسير، غير آبهين بكل صوت مذكر ومحذر من عواقب وخيمة مشابهة لتدخلات سابقة للجيش الأمريكي في شؤون الشعوب، ومن الخراب والفظاظة الاجتماعية التي أشاعها في مجتمعات العالم، منذ أن تخلت أمريكا عن سياسية العزلة وخرجت إلى العالم، وعلى وجه التحديد منذ خروجها منتصرة بعد الحرب العالمية الثانية. كم حذّر العقلاء من أن العين الأمريكية وهي تنظر إلى سطح الأرض، لا تبصر بشراً أو حياة، وإنما تبصر نفطاً وغازاً ومطاطاً وقمحاً، وأن الجيش الأمريكي على وجه التحديد لا يمكن أن يجلب حلاً لشعب من الشعوب، بل يجلب الخراب، لكن التحذيرات صادفت آذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فكانت جريمة مع سبق الإصرار، وكان هذا الحال المتردي الذي يتنازعون على حكمه اليوم. إن كل ما شاهده وسيشاهده العراقيون من مآسي الاحتلال الأمريكي لا يمكن أن يحمل عنصر مفاجأة لمتابع سياسي بسيط، فضلاً عن محترف سياسة، أو أنه سوء طالع، بل هي النتيجة الحتمية والطبيعية لكل من عرف العقيدة العسكرية للجيش الأمريكي، وعرف الانحراف السلوكي في صفوفه وفي مدرسة السياسة الأمريكية. إن هذه المآسي تنسجم تماماً مع ما تضيق به ذرعاً مجتمعات شعوب الفلبين واليابان وكوريا وتايلاند. ومع ذلك فقد كانت هذه المآسي ثمناً مسوغاً يسدده حكام العراق الجدد للوصول إلى السلطة، وليتهم أقاموا نظاماً أفضل من الذي أسقطوه، بل فاقه سوءاً باعتراف العراقيين. ما أعظم وجه الشبه بين هذا الثمن وهذا المنطق، وبين ثمن أرواح نصف مليون طفل عراقي قضوا إبان الحصار الأمريكي على العراق، قالت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية حينها: "إنه ثمن مبرر لسياسة احتواء العراق". نساء شعوب شرق آسيا يصررن على إخراج الجيش الأمريكي من القواعد العسكرية المحلية التي يستأجرها (لا يحتلها ) بأموال طائلة تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني، أو على الأقل إبعادهم عن التجمعات السكنية اتقاءً لأذاهم، "ورجالنا" يرون في خطى الجندي الأمريكي على أرضنا وبين حرائرنا بداية لطريق الألف خطوة نحو الديمقراطية والتمدن. الذين وضعوا صدام في قفص الاتهام أمام "محكمة العصر" بتهمة قتل 140 مواطن في الدجيل إثر محاولة لاغتياله، كل واحد فيهم تؤهله صحائفه لفترة ما قبل وبعد الاحتلال فقط للمثول أمام محكمة عصر، ناهيك عن جرائم قتل قام بها بعضهم بمسدسه الخاص بعد الاحتلال، أو ضد الأسرى العراقيين في إيران، يوم كان يحارب العراق من على الأرض الإيرانية. وإذا كانت جريمة كجريمة حلبجة قد نفذت بأوامر صارمة ومباشرة من نظام صدام وهو أمر لا يتورع هو عنه ولا يجرؤ أي أحد على عصيانها، وليس من قبل إيران كما كانت تصر في حينها واشنطن وأوربا وبأدلة علمية، فإن مدن الفلوجة والقائم وتلعفر هدمت على رؤوس ساكنيها أمام عدسات التلفزيون وعلى الهواء مباشرة، ومن قبل متطوعي مليشيات التحرير، التي اصطفت جنباً إلى جنب الأمريكي والهندراوسي والأوكراني والبولندي، ورفعت صور السيستاني إلى جانب الصليب في دلالة على وحدة الموقف، وتم ذلك بمباركة ميدانية من بعض هؤلاء السياسيين، والتي ذكّرت بإشراف شارون الميداني المباشر على مسرح مذبحة صبرا وشاتيلا. هؤلاء الذين كانوا يوزعون الابتسامات بالأمس ويتمازحون أمام العدسات، كم قارنوا مشروعم بالأنموذج الأمريكي في اليابان، لكنهم حرموا العراقيين من تجربة اليابانيين مع المحتل الأمريكي، فأقفلوا ملفات ضحايا اليورانيوم المنضب، وملجأ العامرية، ورضوا أن يكون الجندي الأمريكي فوق القانون، بل تفرجوا على الهواء مباشرة على ضرب المدن العراقية الثائرة بوجه الاحتلال بالأسلحة الكيماوية، وتحويل ساحاتها وملاعبها إلى مقابر جماعية. إن ما أوقعه الاحتلال بالمدن العراقية وبالعراقيين، وما فعلته المليشيات الطائفية في سجون الجادرية وغيرها، لا يرضاه عربي يتخلق بأخلاق العرب، سنياً كان أم شيعياً، ولكن يرضاه، بل يختاره، كل منسلخ عن إسلامه وعروبته، وتختاره الشعوبية التي تدير المشهد العراقي، وصدقت طهران: "لولانا ما سقطت بغداد، ولولانا لما سقطت كابل". معهد المشرق العربي وإيران[email protected]