لو زار السيد البدوي رئيس حزب الوفد موقع الإخوان الإلكتروني, بعد زيارته للإخوان ومرشدهم يوم الأحد الماضي, لربما استلفت نظره أن الإخوان نشروا له علي موقعهم21 صورة, وأن مثل هذا العدد الضخم يتجاوز بالضرورة زيارة اعتبرها ردا علي زيارة لهم, ربما استوقفه أيضا أن مثل هذا العدد الضخم من الصور المتنوعة يتعدي بالضرورة كونه مجرد احتفاء برجل زاروه من قبل, فجاء إليهم لرد الزيارة. لو أضاف رئيس حزب الوفد إلي ذلك جملة ما صدره الإخوان من رسائل سياسية عن زيارته إلي جانب ما صدر من ردود أفعال أخري من جانب بعض الأطراف السياسية والإعلامية, فقد يجد ما اعتبره زيارة ودية محل استخدام واستغلال سياسي واسع من جانب الإخوان ولمصلحة الإخوان, ومن أجل دفعه للانحشار في زاويتهم. قد يعتبر السيد البدوي أنه قام بما قام به, وبالقدر الذي أراد, وأنه ليس مسئولا, ولا من شأنه كيف استخدم أو يستخدم الإخوان زيارته لهم, وأن كل تصرف يخصه أو يخص آخرين قد يكون موضع استخدام أو استغلال من هذا الطرف أو ذاك, وأنه في نهاية الأمر مسئول فقط عما يصدر عنه ومسئول عما يحدد من مواقف, وما يطرحه من آراء. صحيح أيضا أن كل لقاء أو اجتماع لطرفين إنما يحمل في طياته أهدافا لكل طرف علي حدة, كما يحمل بالقدر نفسه أهدافا قد تكون مشتركة, أو يمكن التقارب, أو الاتفاق حولها, وهذه هي طبائع السياسة, كما أنها طبائع الحياة, ومن ضمن فإن لاجتماعات أو لقاءات الأطراف السياسية طبائعها أيضا, فلا لقاء أو اجتماع يذهب فيه طرف إلي طرف دون ترتيبات تشمل فيما تشمل بروتوكولات الاستقبال, وجدول أعمال اللقاء, وقضايا البحث, وما يصدر عنه من بيانات أو تصريحات, وكيفية التعامل الإعلامي بشأنه, وهنا بيت القصيد ومحل الأسئلة الضرورية في زيارة رئيس حزب الوفد للإخوان. بتاريخ الأحد(2010/7/25), أي بعد وقت وجيز من زيارة السيد البدوي للإخوان ومرشدهم, وفي اليوم نفسه, نشر موقع الإخوان ولايزال يبث أن الطرفين اتفقا فيما اتفقا علي أن الحكومة الإسلامية بطبيعتها حكومة مدنية.. وأن الشريعة الإسلامية تحمي حقوق كل المواطنين, مسلمين ومسيحيين, رجالا ونساء. ما هذا الكلام؟ هل اتفقت كرئيس لحزب الوفد مع الإخوان علي ذلك؟ إنه برنامج الإخوان.. إنه برنامج إقامة الدولة الدينية في مصر!! هل صرت توافق كرئيس لحزب الوفد علي دولة دينية في مصر؟ إذا كان الإخوان يكذبون ويلقون بثعابينهم في حجرك, وفي شأن ما لم تتفق عليه, فلماذا لم تخرج علي الأمة ببيان تكشف فيه الحقيقة.. حقيقة هذا الكذب والادعاء؟ لن نسألك: ألم تقرأ ما كتبوه حول زيارتك قبل أن ينشروه؟ قد نتجاوز عن أنك ربما لم تقرأه بعد ختام لقائك معهم.. لكنك الآن قارئ؟ أي حكومة دينية هذه التي تكون بطبيعتها حكومة مدنية؟ لا نناقش هنا طبيعة الإسلام كدين سماوي حنيف نؤمن به وتدين له أغلبيتنا.. أنت منهم ونحن أيضا. نناقش تصورات الإخوان.. من حيث المبدأ.. الإسلام ديننا جميعا لا يحق للإخوان وغيرهم الاستئثار به أو استلابه وتصوير أنفسهم كناطق أوحد باسمه, وكمالك أوحد لتفسيره. هم بشر ونحن بشر, ولسنا جميعا سوي بشر, والمناقشة والسجال بين بشر وتصورات بشر وأفكار بشر.. منها الصحيح, ومنها الخاطئ, والمدمر, وبكل تأكيد تصورات وأفكار الإخوان خاطئة ومدمرة.. وهذا هو تاريخهم وحاضرهم علي الدوام. يقولون إنهم يسعون لنظام سياسي واحد يجمع أمة الإسلام في شتي أرجاء الأرض تحت مظلته.. لماذا إذن كلما نشطوا في بلد عربي مسلم, أو غير عربي مسلم ساد فيه التقسيم والانفصال والتشظي والاقتتال العرقي والطائفي والمذهبي؟! في غزة انفصال بأيديهم.. السودان مهدد بشبح التقسيم بأيديهم.. العراق ممزق بأيديهم.. لبنان ما إن يستريح قليلا حتي يعود للاهتزاز بأيديهم.. قديما وحاضرا لايزالون أداة الاستعمار والقوي الكبري في تقسيم شبه القارة الهندية. القائمة طويلة تاريخا وحاضرا منهجهم لا ينشئ أمة, ولا يقيم أمة, بل يفتت الأمة.. يقسم الأمة.. يمزق الأمة. ينقصهم مصر.. أي ضحك علي الذقون هذا الذي يقولون فيه إن الحكومة الدينية والمدنية واحدة؟ أليسوا هم من أذاع برنامجا لهم ينص علي إقامة لجنة من شخصيات دينية يسمونهم علماء, تكون فوق كل السلطات وبأمرها يمضي كل شيء.. وكل شأن موافقة أو اعتراضا.. وجودا أو محوا.. لجنة فوق الدستور, والقانون, والبرلمان, والقضاء, وسلطتها تعلو كل السلطات.. إنها بعينها, ولاية الفقيه وما هي إلا ولاية الفقيه علي الطريقة الإخوانية. لعل رئيس حزب الوفد, ولعل بيننا من يعرف أن مثل هذه اللجنة أمرها قديم, ولم يبتدعها الإخوان هذه الأيام. إنه اقتراحهم نفسه الذي قدموه للزعيم الراحل جمال عبدالناصر ورفضه بداية الخمسينيات من القرن الماضي. إنه توجه إخواني ثابت لا يحيدون عنه في إقامة الدولة الدينية ياسيادة رئيس الوفد. اسمح لنا القول وليتسع صدرك إنك منحت الإخوان هدية, ربما لم ترد منحها لهم, لكنهم خططوا لأخذها منك ولو غصبا واحتيالا, فهم في طوفهم في أرجاء البلاد لم يلتف حولهم سوي بعض شخصيات وبعض مجموعات غير شرعية, وبعض أحزاب تشكو عدمها وهوانها السياسي بين الناس. يتضور الإخوان جوعا لصيد ثمين.. صيد يتسترون وراء شرعيته ليتكسبوا منه, لهذا ألبسوا الوفد, بتاريخه الوطني والمدني والليبرالي المجيد, عمامة الدولة الدينية.. دولة الإخوان.. الدولة التي تلمس بوضوح آثارها المدمرة, فيما يحيط بنا من مجتمعات وبلدان. لا نظن الوقت إلا وقت كلامك ياسيادة رئيس الوفد. كنا نظن أن الأحزاب كل الأحزاب, وأن القوي الفكرية والسياسية كل القوي.. وأن الشخصيات كل الشخصيات, مادامت ارتضت لنفسها فكرا وسياسة, أن تكون في صف المدنية وثقافتها وسياستها ودولتها, وأيا كانت المنابت والمشارب الفكرية والسياسية, فهي تتفق جميعا علي سياسة واحدة ومبدأ واحد تجاه مشكلة الإخوان. مبدأ وسياسة ينتصران بثبات وانتظام للنظام السياسي المدني الذي يجمع الكل, ويدير علاقات الكل فيعملون لهدف واحد, فيقولون للإخوان في نفس واحد: إذا أردتم العمل السياسي: كونوا حزبا سياسيا لا جماعة دينية. لا دين في السياسة.. ولا سياسة في الدين. كونوا حزبا مصريا خالصا.. لا تنظيما عابرا للحدود. كونوا حزبا سياسيا خالصا.. لا تنظيما يدير ميليشيات عسكرية ومنها العابر للحدود. كونوا حزبا سياسيا معلوم التمويل.. وخاضعا للدستور والقانون. كونوا حزبا سياسيا علنيا يخضع لشروط الدستور والقانون ككل الأحزاب.. لا منظمة سرية ليس معروفا أولها من آخرها.. ولا ماذا تبطن في حاضر وقادم الأيام. كونوا رجالا بشرا مثلنا فليس فينا ولا منا مرشد نقبل يديه ونقول له في كل ما يقول ويشاء: سمعا وطاعة. الشاهد أنه دون مبدأ واحد وسياسة واحدة لكل أطراف النظام السياسي المدني تلزم الإخوان بالاستجابة للشروط الدستورية والقانونية, فإن الوضع يبقي مفتوحا أمام ألاعيب الإخوان في المجتمع, ومع هذا الطرف أو ذاك. والحياة السياسية في مصر كاشفة. وواقعة رئيس حزب الوفد كاشفة.