كما يقول العامة في أمثالهم : يموت الزمار وصوابعه بتلعب ، وهو ما ينطبق بصورة حرفية على الرئيس المؤقت عدلي منصور ، الذي يصر حتى آخر نفس له في الرئاسة على ممارسة عملية الإسهال التشريعي بصورة مريبة جدا ، ورغم انتخاب الرئيس الجديد ، والذي سيحلف اليمين الدستورية يوم الأحد المقبل أي بعد ثلاثة أيام تقريبا ، إلا أن عدلي منصور مصر على أن "يخوزق الوطن كله" في قانون مباشرة الحقوق السياسية ومجلس النواب قبل رحيله ، بحيث يعفي السيسي من أي مسؤولية عن إصداره ، رغم غضب كل الأحزاب تقريبا بلا استثناء ، ورغم دعوة الجميع إلى التريث في مناقشة القانون الجديد الخطير وأنه لا وجه للاستعجال والسربعة ، انعقدت الحكومة اليوم وأقحمت مشروع القانونين على جدولها لتبصم عليها كما طلب منها ولتحيلهما إلى عدلي منصور على وجه السرعة لكي يصدر قرارا جمهوريا بالقانونين ، عملية نشل الوطن ما زالت مستمرة ، وعدلي منصور يعرف جيدا لماذا أتوا به وما هو الدور المحدد له في منصبه الذي "حطوه" فيه ، وباختصار ، فتركيبة البرلمان الجديد أرادوا تفصيلها بما يفسد الحياة السياسية ويضعفها ويحول الأحزاب إلى نوادي ثقافية بدلا من تقويتها وتعزيز فاعليتها في الحراك السياسي ويخنق أي فرصة لمعارضة حقيقية في البرلمان ، لذلك جعلوا 80% من البرلمان المقبل للنظام الفردي ، و20% لنظام القائمة المغلقة والمطلقة ، وهذا الكلام قصد منه إفساد مجلس النواب وتخريب ذمم الأعضاء وتحويل البرلمان إلى مجموعات مصالح فردية يسهل ترويضها وتبادل المنافع معها ، راعيني وأراعيك ، فتح عينك تاكل ملبن ، فالنائب الفرد الذي لا ينتمي لحزب ولا كتلة سياسية قوية ولم يأت للبرلمان عبر حزب يلتزم بقراراته وسياساته وبرنامجه الوطني ، يصبح دوره شبه منحصر في الحصول على خدمات لبعض المقربين منه من أهالي دائرته لتعزيز وجوده وتنمية موارده وتحسين أحواله المعيشية وتخليص كام قطعة أرض وكام تأشيرة حج وكام وظيفية ميري للمحاسيب والحكايات القديمة التي نعرفها جميعا ، مقابل أن يبصم على أي تشريع جديد يقدم للبرلمان دون أن ينظر فيه وأن يرفع يده بالموافقة فور رؤية إشارة رئيس البرلمان ، موافقة موافقة يا ريس ، وبذلك يتحول البرلمان إلى ديكور لطيف لرئيس الجمهورية يلعب به كما يشاء ، وأيضا يصبح من المحال عمليا إنفاذ مقصد الدستور من أن يشكل الحزب الأكبر أو مجموعة الأحزاب الأكبر في البرلمان للحكومة ، أو أن تعترض تلك الكتل البرلمانية على الحكومة التي يقترحها رئيس الجمهورية ، لأنهم مجرد "فكة" وفراطة ، لا ينتظمهم ناظم ، وبالتالي فرئيس الجمهورية يضع سلطة التشريع في جيبه ويضع الحكومة والوزارة في جيبه الآخر ، هذا فساد وإفساد عيني عينك ، ومقصود عيني عينك ، وعدلي منصور ليس أحمقا لكي لا يكون مدركا لذلك ، هو فاهم جيدا ماذا يفعل ، وما هو المطلوب ، وبالمناسبة ، لم ينسوا أن يضعوا بندا في القانون يمنع النائب من تغيير صفته التي ترشح بها لقطع الطريق على المستقل الذي يريد أن ينضم لحزب أو كتلة حزبية في البرلمان أو يلعب عليهم . أيضا بخصوص القائمة والتي ضيقوها في حدود أقل من ربع البرلمان 20% ، يزاحم الأحزاب فيها المستقلون أيضا ، فمن حق أي مجموعة أفراد أن يشكلوا قائمة ، وليس هذا فقط وإنما جعلوها قائمة مغلقة ومطلقة وليست نسبية ، وهو ما يدمر أي قيمة تتبقى لها ، لأن القائمة النسبية كانت تحتسب مجموع الأصوات في قائمة كل حزب ثم يحصل كل حزب على عدد مقاعد يساوي عدد الأصوات التي حصلت عليها قائمته ويرسب باقي القائمة وهذا ما يتيح للأحزاب ضمان حصة في البرلمان وخاصة الأحزاب الناشئة والصغيرة مما يثري الحياة السياسية وينميها ويقويها ، أما في النظام المغلق فالقائمة إما تفوز كلها أو تخسر كلها ، أضف إلى ذلك البطلان الدستوري البديهي لتلك القائمة بعد وضع مادة جديدة تلزم كل قائمة بأن يكون فيها ثلاثة مرشحين مسيحيين ، وثلاثة نساء ، وهو ما يعني أن الثلاثة سيحصلون على مقاعدهم في البرلمان لخصوصية واحدة وهي أنهم مسيحيون ، وهذا تمييز صريح يمنعه نص الدستور الواضح في المادة (9) : تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز" ، وهو ما أكدته بوضوح أكثر المادة 53 : المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة ، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس .." ، وإذا علمنا أن القوائم ستوزع على حوالي ثماني دوائر لعموم الجمهورية ، فهذا يعني أن أربعة وعشرين مسيحيا سيحصلون على مقاعدهم في البرلمان لمجرد أنهم مسيحيون ، وهذا تمييز ديني عيني عينك ، لا يحتاج لأي اجتهاد ، وكان بالإمكان منع تصادم ذلك مع الدستور إذا كانت القائمة نسبية وليست مغلقة ، لأن المغلقة يصبح نجاحهم اضطرارا وليس اختيارا ، والأمر نفسه يسري على المقاعد التي تم تخصيصها للمرأة ، لأنه سيصبح هناك 24 امرأة يحصلن على مقاعد في البرلمان بسبب "جنسهن" ، أي كونهن نساء ، وهذا تمييز صريح على أساس الجنس ، وهو ما يمنعه الدستور ، وهذه النسبة لا صلة لها بنسبة 5% الخاصة باختيارات رئيس الجمهورية من بين النساء أو الأقباط أو المتخصصين أو من يرى احتياج البرلمان لهم ، كما أنه لا صحة للحديث عن أن وجود ثلاث مسيحيين أو نساء في كل قائمة نص دستوري ، هناك نص انتقالي (المادة 244) طالب بتمثيل ملائم للنساء والمسيحيين وذوي الإعاقة والمصريين بالخارج في أول برلمان بعد إقرار الدستور ولم يحدد عددا ، وشرط الملاءمة البديهي أن لا يتعارض مع نصوص الدستور القاطعة . سيفعلها عدلي منصور قبل أن يرحل ، وسيذكر له التاريخ أنه الرجل الذي ورط الوطن في قانون حماية الفساد الاقتصادي ، قانون تحصين عقود الدولة والمستثمرين ، والذي ورط الوطن في قانون حماية الفساد البرلماني ، قانون مجلس النواب الجديد ، ومن يدري ، لعله خير ، لأن ما سيفعله عدلي منصور والترزية الذين معه سيعيد المعارضة للشارع من جديد ، بدلا من تقنينها في مؤسسة برلمانية حقيقية ، بعد أن وضعوا قانون يحول مجلس النواب إلى نسخة مهزأة من برلمان أحمد عز .