يتصور الكثيرون خطأ ان انتخابات رئاسة الجمهورية ستكون نهاية المطاف وأن المصريين سوف ينعمون بعدها بالاستقرار ويبدأون مرحلة العمل الجاد لإعادة بناء الوطن المنهك والمنهوبة ثرواته طوال العقود الماضية وليس فقط منذ 3 سنوات كما يريد أن يروج لذلك بعض أعداء ثورة يناير وفسدة العهد المباركي لكن الحقيقة أن الثورة لن تنجح والدولة لن تستقر إلا بانتخاب برلمان يعبر بصدق عن أهداف الثورة والوطنية المصرية خاصة انه في ظل الدستور الجديد الا لم يكن هناك توافق وتناغم بين البرلمان والرئيس فإن الوطن سيضيع هباء للصراعات الشخصية والخلافات الأيدولوجية والفكرية واختلاف المصالح والبحث عن المغانم وتوزيع تورتة الوطن.. ما لم يكن هناك توافق بين الرئيس والبرلمان فإنه سيصبح "ريش علي مفيش".. يصبح رئيس منزوع الدسم.. لا يقدم ولا يؤخر.. وأيضا نصبح كل يوم عرضة للأزمات الدستورية التي لا تحتاجها مصر في تلك اللحظات الفارقة في تاريخها فلا نتملك رفاهية الفشل في انقسامات سياسية وظروف اقتصادية بالغة السوء وبطالة ضربت كل بيت ووطن معطلة جميع قدراته. البرلمان القادم وفقًا للدستور الجديد سيكون لاعبا رئيسيا في الحياة السياسية المصرية ما بعد الثورة فمنه سيخرج رئيس الوزراء وهو من يستطيع محاسبة الحكومة وفي ظل ضعف الأحزاب السياسية بعد حل الحزب الوطني عقب ثورة يناير وتحول الإخوان لجماعة إرهابية بعد موجة يونيو فإنه من المستحيل أن يستطع حزب سياسي أن يحصل علي أغلبية مقاعد البرلمان والخطر انه في ظل ضعف الأحزاب فإن المستقلين سيكونون أغلبية البرلمان وهنا سوف تبدأ عملية المسمرة السياسية وصراع الأحزاب إلي شراء النواب علي رأي المثل "شراء النائب ولا تربيته" وهذا نوع جديد من الفساد السياسي القمعي الذي كان يفعله نظام مبارك وتسبب في اندلاع الثورة وهو ما نحذر منه ويجب معالجته في قانون الانتخابات البرلمان الجديد ومنع أي عضو من تغيير صفته بعد الانتخابات وعمومًا فإن الحكومة القادمة لا محالة ستكون ائتلافية للأسباب السابقة وهو ما يستوجب تضافر كافة القوي الوطنية وتخنتق معسكر الثورة معًا لمنع عودة فسدة الحزب الوطني ودعاة العنف بجماعة الإخوان مع احترام كل من لم يتورط في فساد مالي أو سياسي أو أعمال عنف وإرهاب في أن يقدم نفسه للناخبين والشعب سيكون الحكم لكن في كل الأحوال لابد من وجود تحالف وطني واسع يضمن تغيير الوجوه العفنة ويقدم شخصيات وطنية تستطيع تحمل مسئولية الوطن وتحقق نهضته. وتبقي مسئولية المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية المؤقت كبيرة في أن يكون قانون الانتخابات الجديد يعبر عن الطموحات الوطنية وألا يضع لأصحاب المصالح والأهواء خاصة أن هناك من يطرح نظاما انتخابيا غاية في الغرابة يجعل الدوائر الفردية تتراوح ما بين مقعد واحد ومقعدين وثلاثة مقاعد وهو ما يعني تحول الدوائر خاصة في الصعيد والأرياف إلي برك دماء فالدائرة التي يتنافس عليها فرد واحد سوف يتصارع الجميع ويستخدمون كافة الأساليب سيئة السمعة للإطاحة بخصومهما وهو ما لا تحتاجه مصر بعد ثورتين أما الحديث عن تقسم مقاعد القائمة إلي 10 قطاعات يضم كل واحد فيهم عدة محافظات يعتبر انتحاراً سياسياً وإهداراً لدور النائب فالناخب عاني خلال برلمان 2011 بأنه لا يعرف نائبه فما بالك ولو كان النائب عن أكثر من محافظة فهذا يهدر تكافؤ الفرص ويمزق البلاد ويشيع الفساد والصراع بين العباد ويكرس للخلافات التي نحن في غني عنها. والحقيقة ان الاقتراح الأكثر ملاءمة للواقع المصري الآن والذي يرضي الجميع هو أو يكون النظام الانتخابي مختلطاً وحسنا أن أقرته لجنة تعديل قانون الانتخابات لكن خلافها حول توزيع النسب يمثل خطراً يمكن وأده عن طريق زيادة عن مقاعد البرلمان إلي 600 مقعد علي أن يشمل الإبقاء علي دوائر برلمان 2010 ال 222 دائرة علي أن يفوز في كل دائرة نائبان فقط ليصبح لدينا 444 نائباً بالنظام الفردي إلي جانب ضرورة أن تقل القائمة عن 25% من البرلمان من "120 إلي 150 مقعداً" وما أن تكون قائمة قومية مطلقة تنجح بالكامل أو تسقط بالكامل لذا لابد أن تخضع لتوافق وطني كبير يضم أغلب الأحزاب والقوي السياسية الفاعلة والشخصيات العامة ذات الشعبية والقبول الوطني أو قائمة نسبية مغلقة علي مستوي المحافظات فالقوائم تخدم الحياة الحزبية وأيضا تضمن تمثيل الفئات المهمشة التي نص عليها الدستور وتشمل الشباب والمرأة والأقباط والعمال والفلاحين وذوي الاحتياجات الخاصة والمصريين بالخارج إلي جانب الشخصيات العامة لتجنب الطعن عليها بعدم الدستورية حيث نص الدستور بعدم التمييز ثم تبقي نسبة ال 5% التي يعينها الرئيس وفقا للدستور والتي ستضم خبرات قانونية ومهنية غير ممثلة في البرلمان. والحقيقة ان الرئيس القادم سواء كان المشير السيسي الأكثر حظوظا أو حمدين صباحي يستوجب عليه أن يسعي إلي تكوين تحالف انتخابي واسع تحت قيادته ليأتي البرلمان متناغما معه بينما يبقي المزاج الشعبي الذي قد يرفض قطاع منه أن يكرر تجربة الرئيس الذي يسيطر علي كل شيء وأيضا تحركات المعارضة عاملا فارقا في تحديد شكل البرلمان القادم الذي نتمني أن يكون معبرا عن الثورة وطموحات شعبنا في التغيير الإيجابي لبناء مصر الديمقراطية الحديثة التي يحكمها الدستور والقانون.