المصالحة هي أكبر اختبار لدعاوي السلام التي تتشدق بها اسرائيل إذا ارادت السلام حقا واما الشقاق فهو طريق تصفية القضية وهو ما حللناه باستفاضة في كتابنا الصادر هذا العام حول مخاطر الشقاق بين فتح وحماس علي مستقيل القضية الفلسطينية. فى الأسبوع الأخير من إبريل 2011 وقع ممثلو فتح وحماس بالأحرف الأولى على مذكرة تفاهم تسوى الخلافات التى عطلت توقيع حماس على اتفاق المصالحة التى كانت مصر قد أعدته بالتشاور مع كافة الأطراف الفلسطينية. وكان هذا الحدث فاتحة خير للجميع واستبشر به الفلسطينيون الذين سئموا انشقاق أكبر فصيلين، بل واشتداد العداء بينهما. كان الانقسام الفلسطينى آخر مسمار فى نعش القضية، وضاق الجميع بهذا الانقسام الخطير، الذى صور حماس على أنها منشقة عن السلطة الشرعية وأنها منفصلة بغزة عن بقية الأراضى الفلسطينية، فأصبح الانقسام الفلسطينى انقساما فى الجغرافيا وفى كتابة التاريخ وفى التحالفات. نأمل أن يتم مسار المصالحة بالتوقيع على الاتفاق ووضع كافة التفاصيل التى تؤدى إلى سهولة التنفيذ على المستوى الفلسطينى. ويثير التوقيع بالأحرف الأولى على مذكرة التفاهم ثلاثة مسائل أساسية تتعلق بأطراف المعادلة، الأولى تتعلق بالجانب الفلسطينى، والمسألة الثانية تتعلق بالجانب المصرى الوسيط، والمسألة الثالثة تتعلق بالبيئة الإقليمية الراهنة، وهى فى مجملها تحمل عوامل الدفع كما تحمل احتمالات التحدى. على المستوى المصرى، لاشك أن حكومة الثورة ووزارة الخارجية والأجهزة المصرية لم يعد يحكمها فى الوساطة سوى مصلحة الشعب الفلسطينى، وهو ما بدا أن الأطراف الفلسطينية يتوقون إليه. ولذلك يعد هذا الحدث هو أولى ثمار الثورة فى مجال الموقف المصرى من القضية. ولكى نعرف أبعاد هذا الموقف لابد أن نسجل أن مصر مبارك كانت فى طريق قيادة العمل إلى تصفية القضية تماماً رغم ما كان يبدو فى خطابها من حرص وتمسك بمصلحة الفلسطينيين. فالمصالحة فى ذاتها كانت آخر دور تلعبه مصر فى هذه القضية المحورية التى انتزعت منها كل أوراقها.ثم كان عليها أن تقبل إملاء الأطراف الآخرى فى منهج المصالحة، وهى أن تكون على مذهب تطويع المقاومة، وبذلك تكون مصر مبارك قد أسهمت فى تحقيق أهداف إسرائيل. فإسرائيل لا تمانع فى تحقيق المصالحة بشرط أن تنتهى إلى سيطرة السلطة التى تقيم معها تفاهمات أمنية موجهة للمقاومة. وقد استشعرت إسرائيل مخاطر المصالحة على مخططها فى فلسطين، لأن إسرائيل رتبت برنامج الاستيطان وقتل محاولات التسوية الحقيقية على أساس الشقاق الفلسطينى، ولذلك تعترض على هذه المصالحه، وسوف تسعى إلى تعويقها، ولكنها كانت واضحة تماماً فى موقفها عندما هددت أبو مازن بأن عليه أن يختار بين حماس وإسرائيل، فإذا اختار المصالحة والسعى إلى توحيد الصف والمطالبة بالحقوق الفلسطينية، فقد اختاربمعايير إسرائيل حماس، ومادامت حماس مقاومة، وإسرائيل مغتصبة، فكأنه اختار مقاومة الغصب الإسرائيلى. وقد سارعت واشنطن فى سقوط جديد لأوباما بتهديد أبو مازن بقطع المعونات عنه، مما يضع أبو مازن أمام هذه الضغوط السياسية والمالية الهائلة، فمن يقف مع أبو مازن فى خياره الجديد وعودته إلى الساحة الفلسطينية؟. يبدو أن خسارة حماس للجبهة السورية على الأقل وقت الاضطرابات الحالية، وتجفيف إسرائيل منابع الحركة السياسية ودفع أبو مازن إلى الحائط من أهم العوامل الجديدة التى أقنعت الطرفين إلى خيار المصالحة. وبصرف النظر عن مدى توفر النية فى المصالحة وشروطها، فإن التحدى الحقيقى الذى ينتظر السلطة وحماس هو توحش إسرائيل، الذى بلغ شأوا بعيدا عندما خرجت إسرائيل على كل منطق بأن هددت مصر إن هى فتحت معبر رفح، وكأن إسرائيل قد أفاقت فجأة على مصر الجديدة التى لا تريد أن تشارك فى جريمة الحصار وأن تتصرف مع غزة كما تتصرف مع منافذها الحدودية مع الدول الأخرى المجاورة. المصالحة الفلسطينية تعنى أن فى فلسطين سلطة واحدة وأن شئون المعبر تصبح مسألة خالصة بين مصر وفلسطين لا دخل لإسرائيل فيها، ولذلك فإن إسرائيل لايرضيها هذا الترتيب الذى يعنى فشل خطة الضغط على حماس فى غزة واستكمال إبادة الشعب الفلسطينى. مطلوب من العالم العربى مساندة الفلسطينيين حتى يستغنوا عن المعونة التى نالت من حقهم بالمطالبة بحقوقهم وكانت ثمن خضوعهم لمخطط تهويد فلسطين ومطلوب من الشعب المصرى أن يساند خط حكومته الوطنية فى الدفاع عن قراراتها الوطنية المستقلة، لأن أعداء مصر لا يريدون لها أن تتنفس بحرية وأن تمتد قامتها إلى السماء ويأبون إلا أن تظل خاضعة لهم وشعبها خاضع لجلاديه. سقطت المعادلة فى شقها الأول بزوال الجلاد الحليف لأعداء الشعب، وبقيت الضغوط الخارجية التى تستنكر على مصر أن تكون حرة.