بمناسبة عيد شم النسيم.. وزير العمل: الاثنين المقبل إجازة رسمية مدفوعة الأجر للعاملين بالقطاع الخاص    البورصة المصرية تربح 45 مليار جنيه خلال 10 دقائق بفضل هدنة إيران    8 أبريل 2026.. الدولار يتراجع قرب 53 جنيها بعد إعلان أمريكا وإيران وقف إطلاق النار لأسبوعين    محافظ أسيوط يشدد على تسريع وتيرة تنفيذ مشروعات حياة كريمة وضغط الجداول الزمنية    8 أبريل 2026.. الذهب يصعد 280 جنيها بعد التوصل لاتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار    وزير السياحة يبحث مع "فيزا" تعزيز الشراكة لتطوير المدفوعات الرقمية    شهباز شريف يدعو وفدي إيران وأمريكا إلى إسلام آباد في 10 أبريل بعد الموافقة على وقف إطلاق النار    قطر تطالب إيران بتعويضات عن جميع الأضرار التي تكبدتها    ترقب مرور 800 سفينة عالقة في مضيق هرمز بعد هدنة حرب إيران    انخفاض حاد في أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي والأمريكي    إصابة 8 أشخاص إثر انقلاب ميكروباص بطريق القاهرة- أسيوط الصحراوي بالفيوم    الأرصاد تحذر: ارتفاع درجات الحرارة غدًا بقيم تصل إلى 4 درجات في معظم أنحاء مصر    محافظ أسوان يتابع جهود مديرية الطب البيطرى لتنفيذ مبادرة تطعيم وتحصين الكلاب ضد السعار    تشييع جنازة هاني الصغير بعد صلاة ظهر اليوم في مسجد العائلة بنزلة عليان بمركز الصف    وزير الصحة يبحث مع نظيره الإندونيسي التعاون في تطوير الأنظمة الصحية والتصنيع الدوائي    وزير الري: «أسبوع القاهرة للمياه» أصبح منصة دولية رائدة للحوار وتبادل الخبرات    الإنتاج الحربي ومحافظ القاهرة يبحثان مستجدات التعاون في النقل الأخضر والمخلفات    وزير الخارجية يتوجه للكويت لبحث التطورات الإقليمية    موعد مباراة باريس سان جيرمان وليفربول في دوري الأبطال    حرس الحدود يصطدم بمودرن سبورت في مواجهة صعبة ضمن صراع البقاء    يوسف شامل يفوز بذهبية بطولة العالم للناشئين والشباب للسلاح بالبرازيل    أسعار الدواجن اليوم في مصر 8-4-2026    14 أبريل محاكمة شقيقين بتهمة التعدي على جارهما وإصابته بعاهة مستديمة بعين شمس    نائب ترامب وصهره وستيف ويتكوف يشاركون بمحدثات السلام فى باكستان الجمعة    استعدادات مكثفة بالسكة الحديد لبدء العمل بالتوقيت الصيفي لعام 2026    إخماد حريق داخل شقة سكنية في المريوطية دون إصابات    بالأسماء.. مصرع سيدة وإصابة 26 آخرين في حادث بطريق "الغردقة - رأس غارب"    بالتعاون مع الجانب الكوري، ندوة ب"حلوان التكنولوجية الدولية" حول تطور تكنولوجيا صيانة السيارات    حكم فصل التوأمين الملتصقين إذا كان يترتب على ذلك موت أحدهما؟ الإفتاء تجيب    "تقدير الذات كمدخل لبناء الاستراتيجية الشخصية" ندوة بعلوم ذوي الاحتياجات الخاصة ببني سويف    وكيل صحة شمال سيناء يحيل المتغيبين عن المراكز الحضرية بالعريش للتحقيق    "تربية بنات" جامعة الأزهر تختتم فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بتسليم جوائز أفضل ثلاثة عروض (صور)    طبيب يفجر مفاجأة عن التوست: يسبب السكر ويدمر الجهازين الهضمي والعصبي    حمادة هلال يعتذر لتامر حسني بعد أزمة «عيش بشوقك»: شيطان دخل بينا    منذر رياحنة.. حكاية موهبة صنعت مجدها وتحتفل اليوم بسنوات من الإبداع    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الأربعاء 8 أبريل    حمادة هلال يعلن إصابة والده بشلل نصفي    راي ستيفنز الحائز على جائزة جرامي يتعافى بعد كسر رقبته ونقله للمستشفى    خيانة في بيت العيلة، عم يعتدى جنسيا على طفلتي شقيقه بالمنوفية    وكالة فارس: خطة التفاوض تضمنت التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووى ومرور سفت عبر «هرمز»    أحمد هاشم يكتب: أفاعي «‬الإخوان» ‬ ‬‮«6»|‬‬محمد ‬بديع..‬ ‬مرشد ‬الدم    الحكم التركي يقدم دليلا قاطعا على استحقاق الأهلي لركلة جزاء أمام سيراميكا كليوباترا    بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة يدعو إلى الصلاة من أجل سلام العالم وشفاء جراح الحروب    إسرائيل تعلن اعتراض صاروخ أطلق من إيران    أبخل خلق الله .. الصهاينة يستغلون صفارات الإنذار للهروب من المطاعم وعدم دفع"الحساب "    حريق يلتهم محلًا بسبب خلافات مالية بالدقهلية.. وضبط المتهمين    بحضور إبراهيم السمان.. جنازة وعزاء والد السيناريست محمود حمان في مسقط رأسه بالبحيرة    الكشف الطبي على 1240 مواطنًا بالقافلة الطبية بقرية أبوصوير البلد بالإسماعيلية    عبد الحفيظ: اتحاد الكرة يعاندنا.. وسنطالب بالتحقيق في تجاوزات الحكم ضد لاعبي الأهلي    فخري لاكاي يتوج بجائزة رجل مباراة سيراميكا والأهلي بعد هدفه الصاروخي    قطر تطبق إجازة فى جميع مراحل التعليم حتى نهاية الأسبوع الجاري    أربيلوا: لا أفهم القرارات التحكيمية.. وسنفوز على بايرن ميونيخ في ملعبه    دياب: مكافأة التتويج بالدوري ستكون ضخمة خلال الموسم المقبل    نرمين الفقي تفجّر مفاجأة عن سر شبابها الدائم: لا فيلر ولا بوتوكس    خالد الجندي يحذر: التنكر للزوجة ونسيان العشرة سبب رئيسي لتفكك الأسرة    أمين البحوث الإسلامية يحذر: العلم الذي يزيد المرء كبرًا وبال على صاحبه    وفاة والد المؤلف محمود حمدان.. وهذا هو موعد ومكان العزاء    أيقونة العفة وسيدة نساء العالمين، ملتقى المرأة بالجامع الأزهر يستعرض سيرة السيدة "مريم"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأساطير المؤسسة للثورات العربية
نشر في المصريون يوم 11 - 03 - 2011

جاءت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس عام 2006 بمقولة "الفوضى الخلاقة" لتصف رؤيتها الشاذة القاضية بميلاد الديموقراطية من رحم الدمار الذي أوقعته آلة الحرب الإسرائيلية في لبنان. من تحت الركام تبزغ الحرية، ومن عمق الألم يتشكل "شرق أوسط جديد" ينعم بالمن والسلوى. لكن نظرية "الفوضى" سقطت، وأكد النموذج الأميركي في العراق عبثيتها وبطلانها، وبدت "الديموقراطية" الهجينة والمسخ في ذلك البلد مثالاً على فشل فرض نظام حر ومتوازن وحقيقي من قبل قوة احتلال دموية وغاشمة.
بعد خمس سنوات من أفول النظرية الفوضوية اندلعت ثورات شعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن، وتحركت شعوب عربية أخرى مطالبة بحقوقها وحرياتها، ووقفت دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا مصدومة من تتابع الأحداث وزخمها واتساعها، محاولة أن تتكيف مع الواقع الذي لم تستطع أطروحات تقليدية ومسلمات استشراقية فهمه ولا التنبؤ به. هنا ترتفع أصوات أخرى، من داخل العالم العربي هذه المرة، لتسوّق نظرية تشبه نظرية رايس في سذاجتها وتهافتها: ما يجري من ثورات من الخليج إلى المحيط هو "مؤامرة" تجري لإفساد علاقة "الحب" التاريخية بين الشعوب العربية وحكامها؛ هناك أيادٍ خفية تسعى لإشعال النار بين "النخب" والجماهير؛ هناك نية مبيتة لتفكيك العالم العربي، والاستيلاء على ثرواته، وتقسيمه، ووو...
بعض الكتاب في الصحافة السعودية، ومشايخ سعوديون أيضاً، بسطوا هذه النظرية في أوج ثورة 25 يناير المصرية، وما زالوا يرددون أن أصابع غربية تغذي "التمرد" على ولاة الأمر، وتسعى لتكدير الجو "الحميمي" الذي يجمع الشعوب والقادة مشيرين بأصابع الاتهام إلى قناة الجزيرة" بوصفها قطب الرحى في هذه المؤامرة "الخبيثة" التي لا تعرف أهدافها بالضبط، لكنها في النهاية تصب في خدمة تفتيت العالم العربي وإضعافه. وهكذا "تتناسل" نظرية المؤامرة الكبرى إلى نظريات صغرى، فهناك وهم كبير لجأ إليه الخائفون المتوجسون من التغيير ليداروا به عجزهم عن "هضم" المشهد واستساغته.
لنحاول أن نقرأ المشهد وفق الرؤية التي يروجها هؤلاء. الشاب التونسي محمد البوعزيزي أحرق نفسه مفجراً في الوقت نفسه لهيب ثورة شعبية أطاحت بالرئيس بنعلي، وهو بذلك "رأس الفتنة"، و"كبير المتمردين" الذي علم الشعوب السحر. ولا أدل على سريان روح المكيدة البوعزيزية أكثر من انتشر "موضة" الانتحار حرقاً من الخليج إلى المحيط؛ في القاهرة ونواكشوط وصنعاء وحتى في مدينة جيزان جنوب السعودية. بعد أن آتت ثورة الياسمين أكلها انتفض الشعب المصري... فانتقل العرب بطريقة دراماتيكية إلى الفقرة الثانية من المشهد التآمري، وبثت الجزيرة (الضالعة حتى النخاع في التمرد) صور المصريين وهم يصرخون: "الحقوها..الحقوها..التوانسة ولعوها". تولت فضائيات مشبوهة كبر "الفتنة" كما صرح بعض علماء الدين في السعودية وغيرها، وصبت الزيت على النار، لغرض في نفس يعقوب، ويعقوب بالطبع بريء من الحكاية كلها.
أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية المصري السابق، وهو رجل متصهين وأتمنى محاكمته، علق على احتمال قيام ثورة في مصر ضد نظام حسني مبارك بقوله: "كلام فارغ" متهماً "فضائيات عربية" بتأجيج المجتمعات العربية وتحطيمها، وهو ما يشي بميول غربية لهذه الفضائيات، بحسب تعبيره. وخرج علينا الرئيس اليمني علي عبد الله صالح ليزعم أن الثورات العربية يديرها البيت الأبيض الأميركي من غرفة عمليات خاصة في تل أبيب، ثم خرج في مناسبة أخرى ليقول إن الاحتجاجات الشعبية العربية ليست سوى "عاصفة تستهدف العالم العربي بما في ذلك بلادنا". وأشار الدكتاتور معمر القذافي إلى الفضائية "الأسطورة" ذاتها؛ التي تقلب الحقائق وتشوه ما يجري في ليبيا، فيما قاطعه أتباعه من حوله هاتفين: "يا جزيرة يا حقيرة، قائدنا ما نبو غيره".
هل ما يجري في العالم العربي استجابة لنقرات على "الكي بورد"، أو رسائل تحريض على "الفيسبوك" أو "تويتر"؟ هل هو استجابة "لريموت كنترول" تضغطه أنامل باراك أوباما في المكتب البيضاوي، أو هيلاري كلينتن في مكتبها بوزارة الخارجية في واشنطن؟ هل يندفع الملايين من العرب شباباً وشيباً، رجالاً ونساءً، إلى الشوارع حاملين أرواحهم على أكفهم مدفوعين بجرعات يحقنها الصحافي اللامع بقناة "الجزيرة" فوزي بشرى في أدمغتهم؟ هل أحرق البوعزيزي نفسه في سيدي بوزيد وتبعه كثيرون داخل تونس وخارجها لأن فضائيات تسعى إلى تدمير النسيج الاجتماعي والاستقرار السياسي في الدول العربية؟ هل للولايات المتحدة تأثير لا متناهٍ تشعل به ثورات الشعوب وتخمدها؟ وإذا جاز أن ننسب كل هذه الهبّات والانتفاضات إلى قدرة خارقة ل "أنكل سام" أو "لفضائيات" ذات أجندة خطيرة و"فاتنة" (نسبة إلى الفتنة بمعناها الفوضوي) فماذا بقي من إيمان المسلم الذي يعلم أن الأمر كله لله وأن الله على كل شيء قدير؟ أليس حرياً بهؤلاء اللاهثين خلف وهم المؤامرة أن "يصححوا عقيدتهم" وهم يقولون بلسان الحال أن واشنطن هي "مالك الملك" تعز من تشاء وتذل من تشاء وبيدها صناعة الثورات وتسيير الفضائيات؟ أم أن حديث المؤامرة ليس إلا ظناً، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.
لماذا لم يلجأ هؤلاء إلى تفسير أكثر بساطة واستساغة وقبولاً: الثورات العربية نتاج طبيعي للقهر؛ ثمرة لعقود من الإذلال وحرمان المواطن العربي من حرياته وحقوقه؟ الثورة رديف للانفجار؛ تعبير عن أشواق جارفة إلى التغيير؛ حنين إلى الكرامة بعد أن فقد الناس كل أمل في الأوضاع الراهنة، وغسلوا أيديهم من زعماء فاسدين صموا آذانهم عن هموم شعوبهم وبنوا دولاً بوليسية تغتال آدمية المواطن وتصادر حقه قي الحياة الكريمة؟ لماذا لم يقل بعض "المعممين" أو المفتين إن الثورات حق مشروع لمن تعرض للسلب والاحتقار والظلم؟ ولماذا لم ينظروا إليها بوصفها تاثيراً عفوياً يسري في أوصال الجماهير، ولا علاقة لفيسبوك ولا للجزيرة ولا لمدام كلينتن به؟
لقد صدعوا رؤوسنا زمناً بنظرية "المؤامرة"، محذرين من نسبة كل أحداث الكون إلى قوى خفية تحركها من وراء ستار، وها هم أولاء ينزلون هذه القوى منزلة من يعلم السر وأخفى من السر، ويدبجون "الأساطير" في مقاربتهم للمشاهد المتسارعة لانفجارات الغضب العربي.
لقد جاءت الآنسة كوندي بنظرية "الفوضى الخلاقة"، وجاء طائفة منا ب "الفوضى المدبَّرة بليل"..وتتناسل الثورات والاحتجاجات، ويسهر المنظرون جراها ويختصمون. لكن الشعوب لا تعير النظريات وأصحابها ذرة من اهتمام. إنها تنتفض وحسب. بل هي "تتحدث عن نفسها".
* أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.