خبير اقتصادي: ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج يعزز استقرار الجنيه ويخفض التضخم    "الري": نبدأ حملات شاملة لإزالة التعديات على مجرى نهر النيل    برلماني صومالي: إسرائيل تريد النفوذ غير الشرعي في إفريقيا لكن سينتهي بالفشل    بيان أوروبي يشدد على ضرورة إيصال المساعدات بسرعة وأمان ودون عوائق للفلسطينيين    «تميمة حظ».. تاريخ مواجهات مصر ضد كوت ديفوار قبل ربع نهائي أفريقيا    أمم أفريقيا 2025| مدرب الجزائر: جاهزية اللاعبين سر الفوز على الكونغو الديمقراطية.. والمباراة كانت صعبة    وفاة شخصين وإصابة 16 آخرين إثر حادث تصادم بالمنيا    دراما رمضان 2026| ياسمينا العبد تعتذر عن المشاركة في مسلسل «اتنين غيرنا»    خبير مكافحة الإرهاب: ما جرى في فنزويلا حادثة تسليم وواشنطن قائمة على منطق الصفقات    مخرجون يشيدون ب كاستنج: مصنع حقيقي يمنح الفرص للمواهب الجديدة    السوبر الإسباني - مؤتمر فالفيردي: كل شيء ممكن أمام برشلونة    صلاة وترانيم، احتفالات عيد الميلاد المجيد بكاتدرائية العاصمة الإدارية (فيديو وصور)    الأرصاد: غدا طقس دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والصغرى بالقاهرة 12    رئيس الوزراء: مصر تتجاوز 19 مليون سائح في 2025 وتستهدف 30 مليونًا قريبًا    خبير مصرفي: تحول تاريخي في صافي الأصول الأجنبية وتوقعات بتراجع الفائدة ل 11%    أخبار كفر الشيخ اليوم.. طلاب التربية العسكرية يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    محافظ الأقصر يزور الكنائس ويهنئ الإخوة المسيحيين بعيد الميلاد    أيمن حفني على أعتاب تولي منصب بقطاع الناشئين في الزمالك    الخطوط اليمنية تطلق رحلات جوية مباشرة من سقطرى إلى جدة لإجلاء السياح العالقين    سكاي: تحديد موعد الكشف الطبي ل سيمينيو مع مانشستر سيتي    تحصين الكلاب ب«عين شمس»    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    جهود مكثفة لكشف غموض مقتل عجوز بسوهاج    الداخلية تضبط صانع محتوى لنشره مقاطع خادشة للحياء    شركة "بي بي" تؤكد التزامها بتعزيز استثماراتها في مصر وتسريع خطط الحفر والإنتاج    نوال تلفت الأنظار بالقفطان المغربي في أغنيتها الجديدة «مسكرة»| فيديو    المخرج رامي إمام ضيف برنامج فضفضت أوي الليلة    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    خاص: حكاية " الليثي" قاتل والده بقنا.. الإدمان رفض ان ينتهي بجولات "الدعوة" والتردد على" العباسية "    الأهلي يضع اللمسات الأخيرة على انتقال حمزة عبد الكريم إلى برشلونة    محافظ شمال سيناء يهنئ الإخوة الأقباط بعيد الميلاد المجيد    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عامًا    محمد أنور وكارولين عزمي ورحمة أحمد على قنوات "المتحدة" في رمضان    موجة صقيع تجتاح أوروبا.. 5 وفيات وإلغاء مئات الرحلات الجوية    تشكيل سيراميكا وإنبى فى مواجهة كأس عاصمة مصر    برلمانية: ملفات الصناعة والتجارة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية    عرفانًا بتضحياتهم، تنبيه مهم من القوات المسلحة لأسر الشهداء والمصابين فى الحروب السابقة    وزارة التعليم تعلن جداول امتحانات الطلبة المصريين فى الخارج للتيرم الأول    تحت رعاية مصطفى مدبولي.. «أخبار اليوم» تنظم معرض الجامعات المصرية في السعودية    العجواني: حل تحديات المصانع المتعثرة أولوية وطنية لدعم الصناعة والاقتصاد    زكي عبد الحميد: قمة Creator Universe تخدم المستقبل الرقمي للإعلام العربي    استعدادات أمنية مكثفة لتأمين احتفالات عيد الميلاد المجيد    هل تتجنب إسرائيل التصعيد مع إيران؟ رسالة نتنياهو عبر بوتين تكشف التفاصيل    الدنمارك: سيطرة أمريكا على جرينلاند ستؤدي لانهيار الناتو    4 أطعمة تحتوي على أحماض أوميجا 3 الدهنية    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    عمرو زكي ينتقد أداء الفراعنة: بنين كان الأفضل تكتيكيًا أمام مصر    أحمد شوبير: أفشة يمتلك 3 عروض ويرغب فى الرحيل عن الأهلى    الرئيس اللبناني: الجيش نفذ إجراءات الحكومة لبسط سلطتها على جنوب الليطاني    الهندسة المدنية تشعل سباق نقيب المهندسين بالإسماعيلية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبو هريرة .. راوية الإسلام
نشر في المصريون يوم 15 - 08 - 2010

مقال للشيخ العلامة الفقيه محمد أبو زهرة رحمه الله ( كتبه بمجلة الكاتب العربي التي كانت تصدر عن وزارة الثقلفة المصرية )، وهو يعرض فيه لكتاب " أبو هريرة راوية الإسلام " للأستاذمحمد عجاج الخطيب ، ليدافع فيه عن حافظ الصحابة على الإطلاق وراوية الإسلام أبي هريرة رضي الله عنه نقدمه للناعقين اليوم والجهلة والمرددين لكلام المرجفين ..
* * *
أبو هريرة راوية الإسلام
بقلم : الشيخ محمد أبو زهرة
-1-
هذا عنوان كتاب بقلم ولدنا الأستاذ محمد عجاج الخطيب ، وقد جاء ذلك الكتاب في وقت الحاجة إليه ، فإن سلسلة الهدم للسنَة متصلة مستمرة ، وقد لَبِست في هذا الزمان لبوسَ الطعن في أبي هريرة ، والتشكيك في رواياته . ذلك أنه أكثر الصحابة رواية ، وإن لم يكن أعظمهم دراية . وأن كثيرًا من أحكام العبادات والمعاملات مروية على طريقه ، فالتشكيك في روايته تشكيك في كثير من الأحكام الإسلامية ، ثم يرتقى العابثون الهدامون من الطعن في أبى هريرة إلى الطعن في السنة كلها ، وإلى الطعن في الأحكام الشرعية المأخوذة منها ، ثم تجريد القرآن من السنة التي تبينه والهدى المحمدي الذي يوضحه .
ولقد تجرأ أناس هنا وفي باكستان وغيرها من البلدان الإسلامية ، تدعو إلى ألا يُستعان على فَهْم القرآن إلا بالقرآن مُطرحين السنة أطراحا . حتى لقد ذهب بهم فرط غلوهم إلى أن ينكروا السنة المتواترة ، فأنكروا فرائض الصلاة ، وأدعو أن الصلاة الثابتة بالقرآن هي ركعتان ، وألَّفوا هنا وفي باكستان جماعة تلم شملهم ويرتكز فيها إثمهم ، وكانت جماعتهم هنا تؤلف الكتب الطوال ، وتسود الصفحات الكثيرة . ولكن نور الحق طمسهم . وظلام الباطل أخفاهم ، وأصبحنا لا نسمع له لاغية ، بعد أن أهلك الله تعالى كبيرهم . وأخذه إلى جهنم وبئس المصير . وأن هذه الفئة الآثمة كانت ممن يعاضد الطعن في السنة جملة وتفصيلا ، ويختارون أبا هريرة ذريعة للطعن يتقولون عليه الأقاويل ، ويُثيرون حوله الاتهام .
- 2 –
وأن الطعن في السنة هو السبيل الوحيد الذي ظن الكائدون للإسلام أنهم يستطيعون أن يأتوه من جانبه وأنها الثغرة التي يستطيعون أن ينفذوا منها إلى هدمه ، ولكن سهامهم ترتد دائما إلى نحورهم ، فما ظنوه سببًا للهدم قد التوى عليهم فهدمهم .
إن الديانات السماوية التي سبقت الإسلام استطاع الهدامون أن يأتوها من كتبها التي بينتها ، ومن أصولها التي قامت عليها ، فحرَّفوا الكِلمَ عن مواضعه ، ونسوا حظًّا من هذه الكتب ، فلمَّا حاول الهدَّامون ذلك وجدوا القرآن الكريم كالعلم الشامخ تتحطم رُءُوسهم حوله ، ولا ينالون منه مأربًا ، ولا يصلون فيه إلى غاية ؛ لأن الله تعالى حفظه باقيًا خالدًا إلى يوم القيامة كما قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] ولأن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه ، وأقرأه أصحابه ثم اقرءوه من بعدهم ، حتى صار متواترًا في هذا الوجود ، لا بألفاظه فقط ، بل بطريق النطق بحروفه ، فإنها هي الأخرى متواترة تواتر ألفاظه ، وهو في نسق بياني لا يحاكى ، ولا يستطيع أحد من البشر أن يأتي بمثله ، وأنه يعلو ، ولا يعلى عليه { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد [ ٍفصلت : 42 ] .
- 3 –
ومنذ أخذ الإسلام يدخلُ فيه الناس أفواجًا أفواجًا ، ويصل إلى القلوب بنوره وهدايته ، وأهل الزيغ يُريدون أن يهدموه ، ولم يجدوا إلا السنة موضعًا لهدمهم ، ليتجرد القرآن عن بيانه ، وبهذا الطريق يصلون إلى الإسلام ليهدموه ، وإلى القرآن ليجف ، ولا يكون هدى وشفاء للمؤمنين .
ولقد ذكر لنا الشافعي في رسالة الأصول ، ورسالة جماع العلم أنه التقي بالبصرة – عش الفرق المنحرفة – من ينكر السنة كلها ولا يعترف إلا بالقرآن مصدرًا مبينًا ، وقد جادلهم بالتي هي أحسن حتى أفهمهم بظاهر الحال ، وإن كانوا في طوية أنفسهم لم ينخلعوا عن تفكيرهم ، لأنهم لم يكونوا طلاب حق ، فيقنعهم الدليل ، أو يسكتوا عند العجز عن الحاجة . بل إنهم طلاب الباطل ، وللباطل لجَاجَة ، ولما أفحمهم الشافعي في ادّعائهم أنه لا حجة إلا القرآن جاءوا من ناحية أخرى ، وهي إنكار الحديث غير المتواتر ، أو ما يسميه الشافعي حديث الخاصة ، أو خبر الخاصة والنتيجة من الإنكار الثاني هي عين النتيجة من الإنكار الأول ؛ لأن الأحاديث التي ثبت تواترها عددها محدود فيما عدا أصول الفرائض ، والكثرة الكاثرة من الأحاديث النبوية أخبار آحاد ، فإذا أنكروها فقد وصلوا إلى ما ابتغوا من الهدم مستترين بستار الاستيثاق من النقلِ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أن الناقلين ثقات ، لا تأتي الريبة إليهم ، ولا يشكَ في نَقْلِهم ، وقد جادلهم الشافعي في هذا الإنكار ، كما جادلهم في الأول ، وأفهمهم فيه كما أفهمهم في الأول ، فسكتوا ولكن على نية الهجوم من جانب آخر ، فهم خصوم متربصون ، وليسوا طلاب حق مهتدين ، ولنذرهم في ريبهم يترددون ، ومهما يكن حالهم بعد مجادلة الشافعي لهم ، فإنهم قد طووا في لجة التاريخ ، وأخذتهم غمراته . وصاروا نسيا منسيا .
-4 –
ولقد كان ينتأ في التاريخ من وقت بعد آخر ، رءوس كرءوس الشيطان تقول مثل ذلك الإفك ، ولكن كانت صيحاتهم تذهب في واد ، فلا يحس بها أحد ؛ لأنهم لم يكونوا في لجاجة الأولين ، وكانت السنة النبوية قد دُونت في صحاحها ونقحت رواياتها ، ودرست دراية ورواية ، ونقدت كما ينقد الصيرفي دراهمه ، ولا تعلم الإنسانية عناية بدراسة المأثور من القول كما عنى بدراسة السنة .
ولكن قوى الهدم لا تزال متربصة مترقبة لا تألو إلا خبالا ، وقد تجمعت تلك القوى في طائفتين :
إحداهما : طائفة إسلامية تؤمن بالله على حرف تخالف في منهاجها طريقة جمهور المسلمين ، أو كما تسميهم العامة ، تنكر السنة التي يعرفها الجمهور إلا ما يتفق مع ما عندهم ، وهؤلاء أخذوا يهاجمون السنة المروية رواية صحيحة عند جمهور المسلمين ، واتخذوا من أبي هريرة والطعن فيه سبيلاً لهدم غيرهم حتى إن بعضهم ليقول في أحد كتبه ، حسبنا أبو هريرة لترد السنة كلها .
والطائفة الثانية : طائفة لا تؤمن بالله ولا برسوله ، وهم الذين يسمون في الدراسات العلمية المستشرقين ، وأولئك يدرسون الإسلام ليثيروا الشك حول حقائقه وينقلوا إلى أقوامهم ما يضعف شأن الإسلام ويوهنه ويطمس نورَه ، ويطفئ ما ينير السبيل أمام معرفته .
وقد التقت الطائفتان على تخير بعض شخصيات الرواة ، وتجعلها موضع هجومهم ، وهدفهم المنشود لإطفاء نور الإسلام ، فنالوا من الشخصيات البارزة من علماء المسلمين . وتناولوا نتائج تفكيرهم بالتوهين ، وإنكار مزاياها ، ولم يسلم منهم عالم ، ولا تكاد تجدهم يثنون على عالم إسلامي ثناءً مطلقاً ، ولنترك الطائفة المسلمة ولنتجه إلى الأخرى .
فنقول : لقد أراد الأوربيون نقض الإسلام من قواعده ، فاختصوا السنة بالنقض والإنكار ، فمنهم قومٌ أشاعوا القالةَ على السنة مطلقًا ، وأنكروها إنكارًا مطلقًا ، حتى لقد قال طاغوت منهم يوليه أمثالَه من المفسدين ثقةً مطلقةً ؛ لأنه يأتيهم بما يَشتهُونَ ، ويَبتغون ، ولا يبغون إلا فسادًا ، قال : إن السنة قد اصطنعت في القرن الثالث الهجري ، وتلك فرية افتروها ، فالسنة كانت معلومة يتلقاها العلماء . ولما أخذت تدونُ كانت مذكرات ، فدونت السنة في أول القرن الثاني الهجري في موسوعات ، وكانت من قبل تدون في مذكرات كانت المذكرات بها ، في عصر الصحابة ، ثم كثرت في عصر التابعين ، ثم دونت في موسوعات في عصر الأئمة المجتهدين ومع هذا التاريخ الثابت ، والحقَ الناصع ، والبرهان الساطع لجوا في افترائِهم ، فلتذرهم في طغيانهم يعمهون .
وجُلّهم قد اتخذوا أبا هريرة قنيصة لهم لينالوا الإسلام من جانبه ، فرموه بأنه كذب على رسول الله تعالى وافترى ، وأنه قال ما لم يسمع ، ولم يهمهم أن يبقوا في تناقض ، كيف يدعون اصطناع السنة في القرن الثالث وينسبون الاصطناع إلى صحابي كان في القرن الأول ، ولكن التناقض لا يضيرهم مادام هدفهم الهدم والتشكيك ، وإنارة الغبار ، وتعكير الجو العلمي ، فيخطبون باليمين وبالشمال مادام الهدم مقصدهم والتشكيك غايتهم ، وطمس معالم الحق مبتغاهم ، ومادام الذين يستمعون إليهم من أقوامهم يتبعون أهداءهم . وليس العجب من أن يقولوا ، ويعظموا الافتراء ، وإنما العجب أن يسموا ذلك منهاجًا علميا . وتدقيقًا في البحث والأعجب من كل هذا أن يجيء كتاب مسلمون ، فيتبعوهم على غير علم ، ويحسبوا أنهم يختارون منهاجًا أقوم ، وسبيلا أهدى ، وما يتبعون إلا الضلال : { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ } [ الأنعام : 116 ] و إن أكثرهم لا يعقلون .
- 5 –
وماذا قالوا عن أبي هريرة الذي نَصَبوا له أدوات الهدم ، وصوَّبوا إليه السهام ؟
قالوا :كيف يروي تلك المجموعات الكبرى من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو لم يصاحبه إلا أربع سنوات ؟ !
وكيف يؤخذ بها مع هذا الريبة ونقول لهم : إن مصاحبة الرسول صلى الله عليه وسلم أربع سنوات ليست زمنا قصيرا ، بل هي زمن طويل يكفي لرواية هذه المجموعات وأكثر منها ، وبين أيدينا رواية كتب فقه الشافعي ، لقد رواها الزعفراني عنه في بغداد في مدة دون هذه المدة ، ورواها عنه في مصر الربيع بن سليمان المرادي في مدة تقارب هذه المدة ، وهي مجموعات ضخمة ، تتناولها مجلدات ضخام .
ولو علم أولئك الذين لا يتكلمون عن علم أن هذه السنوات الأربع التي استغرقت الجزء الأخير من حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانت فيها الأحكام التكليفية العملية ، ففيها نظمت العلاقات في المعاملات الدولية ، والعلاقات الاجتماعية ، والنظم المالية ، وتقررت كل مبادئ الإسلام ، فمن بعد غزوة خيبر استقرت الدولة الإسلامية ، واتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيان النظم الإسلامية في الأسرة ، والمجتمعات صغيرها وكبيرها ، ببيان ما اشتمل عليه كتاب الله تعالى منها ، وتبليغ رسالة ربه فيها من غير وهن ولا تقصير ، فهذه السنوات الأربع هي خير سنوات الإسلام في بناء الدولة الإسلامية بالأحكام والقوانين .
وأن أبا هريرة رضي الله عنه ، قد اختص من بين الصحابة بدوام الصحبة والملازمة ، فقد كان كبراؤهم مع قيامهم بحق الجهاد ، وعلمهم الكامل بحقائق الإسلام التي تلقوها عن الرسول : كان لهم أموال تشغلهم وأسر يرعونها ، أما هو فقد كان من أهل الصفة الذين التزموا المسجد ليلهم ونهارهم ، واختص هو من بينهم بأنه كان في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يكن ثمة ما يسوغ الشك في تلقيه أحاديث الأحكام كلها أو جلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان له ملازمًا وفيه ذكاء ، وكانت الملازمة في وقتها ، إذ نزلت في هذه السنين الأربع أحكام المعاملات والأسرة كما نوهنا .
6 –
وإذا كان المغرضون والمفسدون والعابثون والمُزورون ، والمستأجرون قد نالوا من أبي هريرة ، فقد تصدى لهم كتاب ( أبو هريرة راوية الإسلام ) وتتبع ما أثاروه من شبهات حول شخصه وعلمه فأزالها وجلى صفحة أبي هريرة نقية ظاهرة بعيدة عن كل ريب .
لقد تتبع حياته فقدم صفحة طيبة من سيرة رجل أمتاز بالطيبة والتقوى ، أسلم عندما بلغه نبأ الدعوة المحمدية والنبي صلى الله عليه وسلم لم يهاجر ، ولكنه لم يتمكن من الصحبة إلا قبل وفاة النبي عليه السلام بأربع سنين ، ثم بين الكتاب حياته مع النبي وقربه منه .
ثم بين أمرًا جديرًا بالاعتبار والنظر ، وهو أنه كان حريصًا على أن يستحفظ على كل كلمة يقولها النبي عليه السلام ، ويراجعها بعد أن يغادر مجلسه ، فما كان أبو هريرة يكتفي بالسماع ، بل كان يراجع حديثه عليه الصلاة والسلام ويكرره في المسجد وفي الطريق وفي بيته ليلا ونهارًا ... قال أبو هريرة (( جزأت الليل ثلاثة : ثلثًا أُصلي ، وثلثًا أنامُ ، وثلثًا أذْكُرُ فيه حديثَ رسول الله )) [ ص 58 من الكتاب نقلا عن ابن سعد ] .
ولقد قالوا : إن عمر نهاه عن كثرة التحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك دليل اتهامه ، وهذا كلام لا يدلُّ على ما يريدون ، إنه لا تلازم بين النهي والشك ، وذلك لأن عمر رضي الله عنه كان يدَخر دائمًا أحاديث رسول الله ليؤخذ بها فيما يعرض للناس ، ولا تُروى لذاتها ، بل تُروَى لأنها علاجٌ لحالِ قائمةٍ ثابتة ، فإذا وجدوا علاجها في الكتاب أخذوا به ، وإلا التمسوا سنة تعالج الأمر ، وأبو هريرة كان يروي الحديث ، وكأنه يتعبد بروايته ، ولقد قام الدليل على أنه لم يكن متهما عند أمير المؤمنين عمر ، بدليل أنه وَلَّاه ولاية المال في بعض النواحي ، ولما عزله وحاسبه تبينت نزاهته ، فأراد أن يوليه للمرة الثانية فأبى . وقال : إني أخشى الله مقلبَ القلوبِ .
ولقد بيَّن الكتاب الذي تقدمه قبولَ الصحابة لأحاديثه عن رسول الله ، ولم يَرد عمر حديثًا له ، ولقد سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : أتنكرين مما أقولُ شيئًا ، فلم تُنْكِر ما رواه . لكن قالت لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث سردكم [ الكتاب ص 142 ] .
هذا هو الأمر الذي أنكره الإمام عمر رضي الله عنه ، وهو سرد الأحاديث سردًا ، بأن يجلس وحوله ناس ، فيقول : قال الرسول ويتبع ذلك بروايات أحاديث مختلفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد يقولُ عدةَ أحاديث قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة مواضع مختلفة الأزمان ، فيقولها هو في وقت واحد ، وقد كان يتعبد بذلك ، وعمر ما كان يروي الرواية إلا عند الحاجة إليها ، وهدفه هو الفتوى والعمل ، أما أبو هريرة فهو يريد الرواية لذات الرواية ، مجتهدًا في أنه يتلقى الأخلاف عنه أكثر ما يحفظ ، وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على نقل مقاله ينقله السامع كما وعى ، فرب حامل فقه لا فقه له ، ورب حامل فقه إلى أفقه منه ، كما روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ولحرص أبي هريرة على أن ينقل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأخلاف ، أملى حمل ما في وعائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تلميذه همام بن منبه ، فجمع ذلك التلميذ الوفي ما أملاه عليه أستاذه في صحيفة سماها (( الصحيفة الصحيحة )) .
ولقد وصلتنا هذه الصحيفة كاملةُ كما رواها ودونها همام عن أبي هريرة رضي الله عنه ، فقد عثر على هذه الصحيفة الدكتور المحقق محمد حميد الله في مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين ، ووجدت لهذه الصحيفة نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية . [ الكتاب ص 142 ]
وقد أخذ الإمام أحمد عددًا كبيرًا من هذه الصحيفة ووضعها في كتابه (( في مسند أبي هريرة )) .
-7-
ولو اتجهنا إلى ما رواه الصحابيُّ الجليل أبو هريرة ، ودرسناه دراسة ذاتية لوجدناه صادقًا كل الصدق في نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه يدفع كل ريبة يثيرها أعداء الحق والصدق .
وذلك أننا لا نكادُ نجدُ حديثًا يشذُّ عن الحقائقِ الإسلامية ، بل هو يؤيدها ويزكيها ، وأنَّ أبا هريرة لا ينفردُ برواية حديث ويكون فيه ما يخالفُ القرآن الكريم ، وأن الروايات الأخرى عن طريق بعض الصحابة الآخرين كعبد الله بن عمرو بن العاص تتلاقى في الصدق مع رواية أبي هريرة .
وحسبك أن تعلم أنه روى حديثًا أجمع الرواة من الصحابة على صدقه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعدهُ من النار )) حتى لقد قال علماءُ الحديث : (( إن هذا الحديث متواترٌ )) ، ولكن مَنْ لا دين لهم ولا خُلق يتَّهمون رَاوي هذا الحديث بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو كان ينوى أن يكذب على الرسول الكريم ما روى هذا الحديث الشريف .
- 8-
لقد اتهم المفترون أبا هريرة بالجهل ، ولو قرءوا ما رواه لرأوا أن ما يدعونه عليه من جهل يأتي على دعواهم بالنقض ، أو ينقض اقتراءهم ، ويرد عليهم كذبهم ، فإن المرويات التي رواها فيها من دقائق الفكر ، ما لا يمكن أن يخترعه جاهل ، وهي فوق على العالم ، إلا أن يُوْحَى إليه . ومن ذلك مثلاً . ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( سَبعةٌ يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله ، إمام عدل ، وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق في المساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضَت عيناه )) .
وما رواه أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال : (( من نفس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كُربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على مُعسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلمًا سترهُ الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه ، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقا إلى الجنة ، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده ، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه )) .
ومن ذلك أيضًا : ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال : (( قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، أي الصدقة أفضل ؟ قال : (( أن تصدق وأنت صحيح حريصٌ تأمل البقاء وتخشى الفقر ، ولا تمهل ، حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت لفلان كذا ، ولفلان كذا ، وقد كان لفلان ... )) [ هذه الأحاديث أوردها صاحب الكتاب في صفحات 178 وما يليها وروى الكثير منها ].
هذه أحاديث رواها ذلك الصحابي المفترى عليه ، وافتح أي كتاب من صحيح السنة فستجد من رواية أبي هريرة الشيء الكثير الذي تشم منه العبقة النبوية ، والحكمة المحمدية مما لا يمكن أن يكون من أقوال رجل لا يُوحى إليه مهما يكن علمه . فإن كان أبو هريرة جاهلاً كما يدعون فكيف يتصور أنه اخترع ذلك ؟ إنها دعوى باطلةٌ ، وهي دعواه الافتراء على رسول ، وإن ادعاء الجهل على أبي هريرة يؤدي إلى عكس ما يريدون ، وينقض ما يفترون ولكن الله تعالى ينصر الحق ، ويأتي بدليله من أقوالِ المبطلين .
وبعد : فإن أبا هريرة قد حمل لنا مع صحب كرام سُنة رسول الله ، وتبليغَ الرسول لرسالة ربه ، أثابهم الله تعالى عنا وعن الإسلام خيرًا ، ونفعنا بعلم النبوة .
* * *


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.