تحدثت مؤخرا هيئة ضمان الجودة والاعتماد عن جودة كليات التربية. خلص الحديث إلى زيادة مدة الدراسة بهذه الكليات إلى خمس سنوات لتكون السنة الخامسة سنة تخصصية باسم الدبلوم العالي. وهذا الدبلوم ذو السنة الواحدة يستطيع أن يحصل عليه خريجو الكليات الأخرى للعمل كمعلمين. الكلام تشوبه بعض الغرابة، خاصة وأننا قرأنا من قبل عن عزم الحكومة على إلغاء كليات التربية ... ورحبنا بهذا الالغاء. وهيئة ضمان الجودة لم تأت بجديد، فحين كانت هذه الهيئة في رحم الغيب كان في مصر كلية واحدة تحمل اسم كلية المعلمين لتخريج المعلمين، كما كانت تمنح دبلوما تخصصيا من سنة واحدة لمن يرغب من خريجي الكليات الأخرى للعمل في سلك التدريس. ووقتئذ كان التعليم أفضل حالا مما هو عليها الآن... وانتج علماء وأدباء ومفكرين يعجز عن الاتيان بمثلهم النظام الحالي المهترئ. بذلك تكون هيئة الجودة عادت- دون أن تدري- إلى القديم وتكلفت في سبيل العودة الكثير من الجهد والمال، ذلك أننا لا نسمع لناصح ولا نحفل بمشير، ولا نأخذ من الماضي ما ينفع الحاضر. إذا قارنا بين خريج كلية التربية الذي ينفق سنتين فقط من سنوات الكلية الأربع في دراسة العلوم التخصصية (تجريبية أو نظرية) وسنتين أخريين في العلوم التربوية، وبين خريج كلية العلوم او الآداب الذي أنفق سنوات الكلية الأربع في دراسة ما تخصص فيه ثم حصل على دبلوم تربوي من سنة واحدة، ستكون المقارنة في صالح الأخير. وبلا حساسية، إذا نعتنا خريج كلية التربية بأنه نصف جامعي، فلدينا برهان على هذا النعت. فإذا أراد خريج كلية التربية استئناف دراسته لنيل الماجستير، فعليه أولا أن يستكمل النصف الباقي للشهادة الجامعية، بمعنى قضاء سنتين في كلية الآداب أو العلوم. وهذا يقودنا إلى القول بأن خريج كلية التربية ليس كفأ للتدريس لضعف حظه من دراسة العلوم أو الآداب، وليس بقادر على متابعة أو حتى ملاحقة التطور في المناهج الدراسية التي ترقي من يوم إلى يوم. أما أن شهادة خريج التربية تحمل اسم بكالوريوس في العلوم والتربية أو ليسانس في الآداب والتربية فليس إلا على سبيل المجاملة والترضية. ومما لا شك فيه أن توسيع أفق المعلم يعينه على تبسيط العلوم لكافة مستويات التعليم وسيجعله قادرا على أن يحبب التلاميذ في العلم ويشوقهم إليه. إذن تطوير التعليم في المرحلة قبل الجامعية لن يتحقق إلا عبر معلم معد اعدادا جيدا، أي ليس على النحو القائم الآن، أو على النحو الذي تفكر فيه الآن هيئة ضمان الجودة والاعتماد. المعلم- لأي مستو- يجب أن يكون خريجا جامعيا خالصا وحاملا لدبلوم تربوي عال من كلية تنشأ خصيصا لهذا الغرض تحمل اسم كلية المعلمين أو- بالأصح- كلية إعداد المعلم. ونكرر... وجود كليات التربية الحالية أو حتى المعدلة يمثل إهدارا لمال وتضييعا لجهد وتكريسا لبطالة، ولن ينصلح حال التعليم إلا بإلغائها. أيتها الهيئة... الرجوع إلى القديم فضيلة.