وزير «الخارجية» يبحث خطط «سكاتك» النرويجية لمضاعفة استثماراتها في مصر    ترامب: منعنا إيران من امتلاك سلاح نووي.. والحرب قد تنتهي خلال أسبوعين    العراق يكسر غياب 40 عامًا ويتأهل إلى مونديال 2026    البرازيل تستعيد توازنها بثلاثية في شباك كرواتيا استعدادا لمونديال 2026    الأرصاد: ذروة الحالة الجوية ستكون من مساء اليوم وحتى صباح الغد    طوارئ بسوهاج لمواجهة تقلبات الطقس    ضبط 43 جوال دقيق مدعم قبل بيعه في السوق السوداء بمركز قوص    موعد عرض فيلم «أسد» ل محمد رمضان في مصر ودول الخليج    «ودع العزوبية».. أحمد حاتم يحتفل بزفافه في أجواء مميزة    بسبب العيوب التقنية.. استدعاء آلاف المشتركات الكهربائية من أمازون    وليد هندي يحذر: الكذب الرقمي يغزو السوشيال ميديا ويؤثر على الجهاز المناعي    سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم الأربعاء 1 أبريل 2026    ميسي سجل وصنع.. الأرجنتين تفوز على زامبيا بخماسية تحضيرا لكأس العالم    النفط يتراجع 3% مع استمرار توتر الأسواق بسبب الضبابية في الشرق الأوسط    الصناعة: نسعى لحل أي عقبات أمام المحاجر لزيادة الصادرات إلى مليار دولار سنويا    أمام قلعة صلاح الدين، محافظ جنوب سيناء يشهد احتفالية الذكرى 37 لتحرير طابا    طريقة عمل بابا غنوج، مذاق مميز وقيمة غذائية عالية    التلفزيون الإيراني: الحرس الثوري أطلق 3 موجات من الصواريخ على الأراضي المحتلة في أقل من ساعة    حالة المرور اليوم في القاهرة الكبرى، سيولة نسبية مع كثافات بالمحاور الرئيسية    حريق يلتهم مخازن شركة "كاسترول" البريطانية في أربيل جراء استهدافها بطائرة مسيرة    الزمالك يستأنف تدريباته اليوم استعدادًا للقاء المصري    ع الأصل دور.. كيف ولدت كذبة أبريل.. بين الضحك والقلق هل تغير وجه المزاح في زمن الأزمات؟    «استعدوا للأسوأ».. تحذيرات أمريكية قبيل خطاب ترامب    بمناسبة أعياد القيامة وشم النسيم.. مجلس الوزراء يناقش اليوم وقف قرار إغلاق المحال لمدة أسبوع    نيابة مطروح تصرح بدفن جثمان فتاة بعد تشريحه لوجود شبهة جنائية    العراق آخر المتأهلين، تعرف على مجموعات كأس العالم 2026    مسلم ينتقد "لغة تعالي" وزراء مدبولي: كفى ضغطا على المواطنين بقرارات صعبة وصارحوهم بالحقائق ب"الطبطبة"    حركة القطارات| 45 دقيقة تأخيرًا بين قليوب والزقازيق والمنصورة.. الأربعاء 1 أبريل    مقذوف يستهدف ناقلة نفط قبالة سواحل قطر    البث المباشر لمشاهدة مباراة العراق وبوليفيا يلا شوت اليوم HD في ملحق كاس العالم    وزير الخارجية الأمريكي: هناك احتمال لاجتماع مباشر مع إيران في مرحلة ما    مجلس الشيوخ الفرنسي يؤيد فرض حظر على وسائل التواصل الاجتماعى لمن هم دون 15 عاما    الغارات الإسرائيلية تثير الذعر في الضاحية الجنوبية لبيروت    رئيس الاتحاد الإيطالي: طلبت من جاتوزو البقاء مع المنتخب    خالد الصاوي يروي حكايته الفنية في ماستر كلاس مع جمهور الأقصر    "اسلكوا".. موسى يطرح أحدث أعماله الغنائية    بمناسبة يومها العالمي.. قصور الثقافة تنظم سلسلة ندوات توعوية وتثقيفية بالغربية    محافظ الغربية يقود حملة ليلية بطنطا لمتابعة تنفيذ مواعيد الغلق    جيش الاحتلال الإسرائيلي يُعلن استهداف قيادي بارز في حزب الله ببيروت    لفته إنسانية.. محافظ شمال سيناء يصاحب تلميذًا أثناء عودته الى قريته    المستشارة أمل عمار تبحث مع مفوضة المساواة بقبرص سبل تعزيز التعاون في مجال تمكين المرأة    محافظ الجيزة يستقبل عددًا من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ للتهنئة بالعيد القومي    مروان عطية: مواجهة إسبانيا كانت فرصة رائعة لقياس مستوانا    روسيا.. تحطم طائرة نقل عسكرية فوق القرم ومصرع جميع ركابها    «أعمق مما يبدو على السطح».. عرض جديد للرقص الحديث بالأوبرا    غلق كافيه أثناء مشاهدة مباراة مصر وإسبانيا لمخالفته القرار في مرسى مطروح    ضحت بحياتها من أجل جارتها، جنايات المنصورة تحيل أوراق قاتل سيدة دكرنس إلى المفتي    بيطري الغربية: تحصين 56 ألف رأس ماشية ضد الجلد العقدي    أسرة هاني شاكر تكشف حقيقة حالته الصحية في فرنسا    أوقاف الفيوم تنظم 150ندوة بعنوان:"بين الترفيه المباح والانحراف الخفي"بالتعاون مع الأزهر الشريف    تفاصيل صرف منحة التموين الإضافية بقيمة 400 جنيه شهريا لمدة 3 أشهر، بدء الصرف في أبريل.. وضوابط مشددة لتوفير السلع ومتابعة المنافذ التموينية وعقوبات للمخالفين    «كذبة أبريل».. حكاية يوم يختلط فيه المزاح بالحقيقة    هل يجوز إدخال الأم دار مسنين رغم القدرة على رعايتها؟.. أمين الفتوى يجيب    هل فلوس النقطة في الأفراح دين واجب سداده؟، أمين الفتوى يجيب (فيديو)    القومي لحقوق الإنسان يتسلم شهادة الاعتماد الدولية من الفئة (أ) بجنيف    إحالة مديري مدرستين بطوخ للتحقيق العاجل لخرق الانضباط المدرسي بالقليوبية    وفاة الدكتورة هالة مصطفى أستاذ العلوم السياسية    دعاء الفجر.. أدعية خاصة لطلب الرزق وتفريج الهم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فن التعامل مع الأخطاء..لماذا يقتل بعضنا بعضاً هماً وغماً ...؟!!!
نشر في المصريون يوم 02 - 04 - 2010

كثيرا ما تقع منا في مسيرة الحياة أخطاء متبادلة، في محيط الأسرة: بين الزوجين، أو بين الأخوة والأخوات، أو بين الآباء والأبناء، ناهيك عما يقع من أخطاء في محيط العمل ، أو بين الأهل وذوي القربى والجيران والزملاء والأصدقاء...، والمشكلة ليست في وقوع الأخطاء وإنما في تحولها إلى خطايا، أي في كيفية التعامل معها والميل دائما إلى تضخيمها، والتهويل في آثارها، والمبالغة في الإحساس بالتقصير أو الإهمال أو الإهانة بسببها...!!
ولو أخذنا على سبيل المثال بعض الأخطاء البسيطة بين الزوجين وتأملناها وحللنا أسبابها ونتائجها لهالنا وأفزعنا الكم الهائل من العنف اللفظي أو المعنوي الذي يتبادله كثير من الأزواج والزوجات، والذي يتطور في بعض الأحيان وينجم عنه مشاكل خطيرة تزلزل الأسر وتزعزع استقرارها وتعرضها للتمزق والانهيار، فكم من خلاف بسيط أو خطأ يسير يقع بين الزوجين، ويسيء الطرفان التعامل معه ويفشلان في احتوائه والتخلص من آثاره النفسية؛ فيأخذ أكبر من حجمه ويسبب شروخا كبيرة وجروحا عميقة في نفس كل منهما، ويقبع في زاوية من زوايا الذاكرة إلى أن يحين وقت استدعائه عند أقرب مشاجرة لاحقة؛ لينضم إلى غيره من المواقف والأحداث المماثلة... وهكذا يجد الزوجان أحدهما أو كلاهما مخزونا (استراتيجيا...!!) لا ينفد من الذكريات الحزينة والمواقف المؤلمة، ويستمتع صاحب الذاكرة الحافظة منهما باجترار هذه الذكريات من آنٍ لآخر، وينتشي بمشاعر الحزن والحسرة، ويشحن نفسه باستمرار بمشاعر الغيظ والغضب والحنق الشديد على رفيق دربه وشريك حياته، وكلما برئت نفسه من هذه الأحاسيس أعاد تذكيرها وشحنها بعيوب زوجه ونقائصه، وكأنه هو إنسان معصوم أو خال من العيوب والنقائص!! ولا شك أن النتيجة المتوقعة لكل ذلك هي مزيد من التشاحن والتباغض بين الزوجين؛ لأنهما يثبِّتان أعينَهما على السلبيات ويركِّزان على الأخطاء، ولا يحاولان حل مشاكلهما بهدوء أو معالجة أخطائهما ببساطة وتجاوزها بسلاسة، وإزالتها من الذاكرة أولا بأول لتظل النفوس صافية، والقلوب متآلفة، والصدور سليمة ومشاعر الحب والمودة جياشة ومتأججة، والعواطف ملتهبة والأحاسيس فياضة،... والنهاية الطبيعية لممارسة العنف المعنوي واللفظي وتضخيم الأخطاء، والتطرف في ردات الفعل الغاضبة الهائجة هي مزيد من التباعد النفسي والانفصال الوجداني، وغالبا ما تنتهي هذه القصة المؤلمة بالطلاق والانفصال الحقيقي، لتضاف بذلك حالة جديدة لسجل الفشل البشري القديم في ضبط الأعصاب، وعدم القدرة على التعامل مع الأخطاء بهدوء ومرونة وروية، وقوة ورباطة جأش...!!
إن الخطأ كما هو معلوم طبيعة بشرية، وليس هناك أحد معصوم منه، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم، ولا يفهم من ظاهر الحديث أن المقصود هو الخطأ الشرعي أو الديني فقط، بل يفهم كل أنواع الأخطاء، إذن فأي خطأ كبُر أو صغُر يرتكبه شخص ما يُفترَضُ أنه أمر متوقع، ويُحتَمَل أن يقترفَ نفسَ الخطأ أيُّ إنسان آخر في أي زمان وأي مكان انسجاماً مع الطبيعة البشرية الخطَّاءة في كل الناس.
واعتقاد السلامة من الأخطاء هو نوع من الوهم، أو ضرب من المحال...!! وليست المشكلة في ارتكاب الأخطاء ووقوعنا فيها، فذلك أمر لا مناص منه ولا سبيل لتلافيه، وإنما المشكلة تكمن في سوء تعاملنا مع الخطأ، وسوء إدارتنا للمواقف التي تُرتَكَب فيها الأخطاء سواء في المنزل أو العمل أو الشارع... مع الزوجة أو الوالدين أو الأبناء أو الأخوة أو الأقارب أو الأصدقاء والزملاء أو الجيران.
فكم من رجل يقطع رحمه أو يهجر إخوانه وخلانه وأصدقاءه عند أي هفوة أو زلة!! وكم من خلاف زوجي بسيط يخطئ فيه أحد الزوجين في قول أو فعل ويتفاقم الخلاف بسرعة، وتنفلت الأعصاب وينتهي الأمر بالطلاق وتشتيت شمل الأسرة، وتمزيق أواصر المودة وعرى المحبة بين أفرادها!! وكم من صداقة حميمة انقلبت إلى عداوة شديدة وخصومة فاجرة؛ بسبب النزق والطيش وسوء التعبير واستخدام الكلمات الجارحة والكلام العنيف القاسي الذي يؤزِّمُ المواقف ويشعل الأحداث، ويتيح الفرصة لتدخلات شياطين الإنس والجن...!! بل كم من معارك قامت بين الدول والجماعات والقبائل بسبب الغطرسة والكبرياء وفحش القول وسوء إدارة مواطن الخلاف، وتحول الخلافات إلى صراعات خطيرة وحروب مدمرة!!
ولا ريب أن ذلك المسلك ليس بصائب ولا سديد، ولا بحكيم ولا رشيد؛ إذ النضج والعقل والحكمة والواقعية كل أولئك يقتضي التريث وحسن إدارة المواقف التي ترتكب فيها الأخطاء، والتعامل الحكيم مع المخطئين ومبادرتهم بلين القول وطيب الكلام، واكتساب قلوبهم وجذب مشاعرهم الطيبة الودودة؛ لدفعهم للخير وصرف نوازع الشر عنهم، وبالتالي يمكن السيطرة على أي موقف والخروج منه بأقل الخسائر الممكنة.
والسؤال الآن أين نحن من تعاليم ديننا الحنيف ومنهجه الحكيم الرائع في حل المشكل وعلاج الأخطاء؟ فما دامت الأخطاء ستقع لا محالة منا ومن غيرنا على النحو الذي بيَّنَّاه آنفاً فلماذا لا نتعلم كيفية التعامل معها بطريقة صحيحة هادئة وآمنة؟ إننا بحاجة إلى تفهم ديننا بطريقة أعمق، فلم يأت الدين كي يكون فقط مجرد مجموعة من الشعائر والطقوس نؤديها بأجسادنا دون أن نستفيد منها في تعاملاتنا وحياتنا اليومية، ولم ينزِّل الله تعالى القرآن الكريم فقط لتحفظه الصدور أو تتبارى الأصوات العذبة في تلاوته، كلا كلا... بل أنزله سبحانه لخيرنا ومصلحتنا في الدنيا والآخرة، قال تعالى:"وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا"[الإسراء : 82] وقال عز وجل:"إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا" [الإسراء : 9]
إننا بحاجة إلى ثقافة إسلامية واجتماعية ونفسية واعية تساهم في خفض التوترات الأسرية والمجتمعية، وتوفر مساحات واسعة من الأمل والتفاؤل، إن الإسلام يعلمنا الرفق والتسامح وقول الخير دائما، ويدعونا إلى التحلي بالحكمة واللين والرحمة؛ لجذب القلوب والعقول، وترك الأثر الطيب في الآخرين، وإدخال البهجة والسرور على نفوسهم، وهكذا يكون المسلم عنصر إبهاج ونفع في الحياة، وإضافة مميزة إليها لا حسماً منها وعبئا عليها...!!
وفي مجال الدعوة إلى الله أُمِرْنَا باتباع الحكمة واستخدام الأسلوب الحسن والكلام الطيب، والعبارات الهادئة، قال تعالى:"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [النحل : 125] بل حتى عندما أرسل الله تعالى نبيه موسى وأخاه هارون عليهما السلام إلى فرعون المتغطرس المتكبر الذي كان يقول" أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى" [النازعات : 24] أمرهما عز وجل قائلا:"اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)" [طه : 43 ، 44]
ويعلمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من خلال أقواله وأفعاله الطريقة المثلى والمنهج القويم لعلاج الأخطاء التي يقع فيها الناس، فعن أنس رضي الله عنه قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه!! (أي توقف عن فعل ذلك!!) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تزرموه دعوه " (أي لا تقطعوا عليه بولته؛ حتى لا يحدث له مكروه من احتقان ونحوه) فتركوه حتى بال، ثم دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: " إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة وقراءة القرآن " ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فصبه عليه.(متفق عليه).
بل تحدثنا سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم بأكثر من ذلك، وفي موضوع شديد الحساسية لاسيما في البيئة العربية، فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا!! فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا:مه مه!!(أي اسكت اسكت) فقال صلى الله عليه وسلم : "ادنه" (أي اقترب) فدنا منه الشاب قريبا فجلس، فقال صلى الله عليه وسلم :"أتحبه لأمك؟" قال: لا والله جعلني الله فداك، قال صلى الله عليه وسلم :"ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، أفتحبه لابنتك؟" قال الشاب: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك!! قال صلى الله عليه وسلم :"ولا الناس يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟" قال الشاب: لا والله جعلني الله فداك، قال صلى الله عليه وسلم :"ولا الناس يحبونه لأخواتهم، أتحبه لعمتك؟" قال الشاب: لا والله جعلني الله فداك، قال صلى الله عليه وسلم :"ولا الناس يحبونه لعماتهم، أتحبه لخالتك؟" قال الشاب: لا والله جعلني الله فداك، قال صلى الله عليه وسلم :"ولا الناس يحبونه لخالاتهم" فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده عليه ودعا له قائلا :"اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فرجه" فلم يكن ذلك الفتى يلتفت إلى شيء بعد ذلك. (أخرجه أحمد وصححه الألباني).
وكذلك كان موقفه صلى الله عليه وسلم مع مرتكبي الكبائر ومنتهكي حدود الله تعالى موقفاً إنسانياً رحيماً، إذ كان صلى الله عليه وسلم يكتفي بتطبيق حد الله تعالى، دون شماتة أو تشفٍّ أو رغبة في تعنيف المخطئ وإيذائه مادياً أو معنوياً، عن أبي هريرة قال : أُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر فقال:"اضربوه" ( أي أقيموا حد شرب الخمر عليه) فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال صلى الله عليه وسلم :"لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان" رواه البخاري ، وفي رواية أبي داود قال صلى الله عليه وسلم : "لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان، ولكن قولوا : اللهم اغفر له اللهم ارحمه" رواه أبو داود.
إن المتأمل لمعظم ما يحدث بيننا من مشاكل يجد أن مرده يرجع إلى العُجب بالنفس، وقلة التواضع، وإساءة الظن بالناس، وعدم حمل كلام الآخر وتصرفاته على المحمل الحسن، بل وتقديم سوء الظن وإساءة التفسير، والإسراع في رد الفعل دون أناة ولا روية، والانتصار للنفس في كل وقت وفي أي موقف، وعدم التماس العذر للمخطئ، واعتبار أن كل هفوة أو إساءة إنما قصدها عمدا بهدف الإهانة والتحقير والإذلال؛ ومن ثم تثور النفوس غضباً للكرامة التي أهينت، وماء الوجه الذي أريق، والحرمات الشخصية التي انتُهِكت، وللأسف الشديد كلنا في الغالب نبادر إلى التصرف بمثل هذه الطريقة الرعناء في معظم ما نتعرض له من مواقف، رغم أن ذلك يخالف التوجيهات النبوية لنا نظرية كانت أم عملية، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" رواه البخاري ومسلم، وعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه بردائه جذبة شديدة، فنظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثر بها حاشية الرداء( ياقته الخشنة) من شدة جذبته ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فضحك ثم أمر له بعطاء!! رواه البخاري ومسلم، هكذا قابل الرسول صلى الله عليه وسلم غِلْظَةِ الرجل وعنفه وقسوته بهدوء ولين ورفق، وقابل إساءته بابتسامة وعطاء (أي بعطاء معنوي ومادي) ولم يُنْقِصُ ذلك شيئا من قدر ومنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من حب الناس له واعتزازهم به، فَلِمَ لا نتمثل هذه الآداب الرفيعة والأخلاق الحسنة والقيم السامية والسلوكيات النبيلة في كل تصرفاتنا ومعاملاتنا؟ لِمَ نبادر دائما إلى الغضب والانفعال؟! ألم نسمع قول الله تعالى: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" [آل عمران : 134]؟ لم نقابل السيئة بما هو أسوأ منها؟ ألم نسمع قول الله تعالى:" وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " [فصلت :34]؟ ألا نعلم أن كل إنسان موكل به ملكان يسجلان كل ما يقوله وكل ما يفعله؟ قال تعالى:"مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" [ق : 18] ثم لماذا لا نتراحم فيما بيننا؟! ألم يقل الله لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم :" فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" [آل عمران : 159] ولِمَ نترك الفرصة للشيطان ينفخ فينا الغضب ويثير بيننا العداوات والإحن؟ ألم يحذرنا الله منه؟ قل تعالى:" وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا"[الإسراء : 53] وقال سبحانه:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)" [فاطر : 5 ، 6] فمتى نحذر الشيطان ونتخذه عدوا؟ متى لا نترك له الفرصة كي يثير العداوة والبغضاء بيننا؟ متى نتعامل مع أخطاء الآخرين برفق ولين ورحمة وتسامح؟ متى ندرك حقيقة ضعفنا البشري وحقيقة كوننا معرضين للوقوع في الأخطاء بحكم ما ركبنا عليه من نقص؟ ليتنا نتغافر ونتصافح ونتغافل ونتسامح فيما بيننا، وليتنا نتعامى عن أخطاء بعضنا البعض، ونتقن فن الإغضاء والتغافل وتقبل الآخرين كما هم فلدينا عيوب وأخطاء وهفوات كما لديهم بالضبط، وبذلك نحاصر الهموم والغموم في حياتنا، ونزيد من مساحات الأمل والبهجة والسعادة بدلا من أن يقتل بعضنا بعضاً هماً وغماً، ونضيع أعمارنا ونبدد طاقاتنا، ونهدر أوقاتنا وجهودنا في المشاحنات والمغاضبات، والعتاب واللوم والخصام والهجر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.