تحسبا لفشل مفاوضات إيران، جيش الاحتلال يجري مناورات عسكرية بساحل البحر الأحمر    مصطفى عسل يتوج ببطولة ويندي سيتي للاسكواش بشيكاغو    براتب يصل إلى 35 ألف جنيه، اليوم فتح باب التقديم لوظائف مشروع الضبعة النووية في سوهاج    وول ستريت جورنال: البنتاجون يستعد لنشر حاملة طائرات إضافية في الشرق الأوسط    إسلام الكتاتني يكتب: 25 يناير المظلومة والظالمة «4»    بعد أخطاء "إكسيل شيت"، وكيل تعليم المنوفية يحسم مصير تعديل نتيجة الشهادة الإعدادية    عصام عطية يكتب: وباء المؤلفين.. الأدب يحتضر    روما تقر مشروع قانون للهجرة يتضمن فرض حصار بحري على سفن المهاجرين    بورصة الذهب تستهل تعاملات الخميس بتراجع 30 دولارًا للأوقية    بايرن ميونخ يقصي لايبزج ويصعد لنصف نهائي كأس ألمانيا    زكريا أبوحرام يكتب: الكل يريد تشكيل الوزارة    السيطرة على حريق داخل مدرسة خاصة بدمنهور دون إصابات    المؤبد وغرامة 500 ألف جنيه لتاجر الكيف بشبرا الخيمة    بعد التغيير الوزاري.. ماذا ينتظر المصريون من الحكومة الجديدة؟    رمسيس الثاني يعود إلى عرشه بالمنيا.. انتهاء أعمال الترميم والتركيب    آذان الفجر الساعه 5:11 ص.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الخميس 12فبراير 2026 فى المنيا    حكم الولادة القيصرية خوفا من الألم.. ضوابط فقهية تحسم الجدل    لا أحب الحلوى كثيرا.. ميلانيا ترامب تحتفل بعيد الحب مع أطفال يتلقون العلاج    بخلاف ما تنظره هيئة المفوضين، 1700 طعن قضائي جديد للمطالبة بإلغاء تعديلات قانون الإيجار القديم    مبيدات إسرائيلية تنذر بكارثة زراعية فى سوريا    الداخلية تضبط مدير نادٍ صحي بدون ترخيص لممارسة أعمال منافية للآداب بالجيزة    الداخلية تكشف ملابسات فيديو السير عكس الاتجاه بطريق سريع بالقاهرة    زيلينسكي: لم نتلقَ ردا من روسيا على مقترح الهدنة في قطاع الطاقة    الزمالك يقرر استمرار معسكره في الإسماعيلية حتى نهاية مواجهة سيراميكا كليوباترا    مصطفى كامل يهنئ جيهان زكي بتولي وزارة الثقافة وضياء رشوان بوزارة الإعلام    الجارديان: على أوروبا ترسيخ تكافؤ الفرص الاقتصادية لمواجهة ضغوط ترامب    الخماسية الدولية للأمم المتحدة تحذر من التصعيد في السودان وتدعو لحماية المدنيين    الأنبا إبراهيم إسحق يشارك في قداس افتتاح اليوبيل الفرنسيسكاني    625 مستفيد من قافلة الرمد المجانية في دمياط    شوقي غريب: عودة عمر جابر وأحمد فتوح تمنح الزمالك قوة إضافية    اليوم.. انطلاق مهرجان برلين السينمائى ال76 بمسابقة دولية قوية    مجلس الوزراء: البعد الاجتماعي حاضر لضمان حماية المواطنين أثناء تنفيذ الإصلاح الاقتصادي    لتحديد نسبه.. النيابة تستعجل تحليل الDNA للطفل المخطوف منذ 11 عامًا من مستشفى في الإسكندرية    اتحاد منتجي الدواجن معترضًا على استيراد مجزئات الدواجن: لا يمكن التحقق من ذبحها بالشريعة الإسلامية    حلمي طولان: إمام عاشور أفضل لاعب في مصر    وزير الخارجية إلى أديس أبابا لرئاسة وفد مصر باجتماعات الاتحاد الأفريقي    خلال لقاء "جسر التواصل".. "الوكيل": تطوير التعليم والبحث العلمي وريادة الأعمال والسياحة فرصة لإعادة صياغة مستقبل الإسكندرية    ضبط مدير محطة تموين سيارات يتلاعب في معايير الوقود بمطروح    «صرف الإسكندرية»: خدمات الشركة ستشمل 100% من المدينة.. ونسبة الشكاوى ستصل نسبتها إلى «صفر %»    خالد عكاشة: تقدير الرأي العام للوزراء الراحلين عن مناصبهم شهادة نجاح.. والحكومة الجديدة أمامها مسئوليات محددة    متحدث الصحة: إطلاق عيادات متخصصة لعلاج إدمان الألعاب الإلكترونية    مهرجان القاهرة السينمائي يهنئ الدكتورة جيهان زكي بتوليها وزارة الثقافة    السيسي أعدَّ مبكرا للإطاحة بعبد المجيد صقر .. تغيير وزيرالدفاع بنكهة إماراتية    طارق يحيى: ناصر ماهر فايق مع بيراميدز عشان ضامن فلوسه    الاحتراف الأوروبي ينهي رحلة أليو ديانج مع الأهلي.. وحسم جدل الزمالك    لاتسيو يتأهل لنصف نهائي كأس إيطاليا بركلات الترجيح أمام بولونيا    لقاء الخميسي عن أزمتها الأخيرة: كنا عائلة مستورة والستر اتشال في لحظة بسبب جوازة عشان يعلمنا درس    نقابة الموسيقيين برئاسة مصطفى كامل تهنئ الدكتورة جيهان زكي بتولي وزارة الثقافة    قرار جديد ضد عاطل متهم بالتحرش بطالبة في الطريق العام بأكتوبر    أحمد موسى: الحكومة الجديدة مكلفة باستكمال مسيرة التنمية    نائب وزير الصحة يتفقد مستشفى المبرة وعيادات التأمين الصحي بأسيوط.. يوجه بسرعة مناظرة الحالات    جامعة الفيوم تكرم الفائزين في مسابقة القرآن الكريم من العاملين وأبنائهم    محافظ الشرقية يُهنئ الطلاب الحاصلين على مراكز متقدمة في مسابقة تنمية القدرات    مواقيت الصلاه اليوم الأربعاء 11فبراير 2026 فى المنيا    بنك العينات الحيوية بتيدور بلهارس يحصل على أول اعتماد رسمي في مصر    الأزهر يحسم الجدل حول والدي النبي صلى الله عليه وسلم: جميع آبائه وأمهاته ناجون ومحكوم بإيمانهم    متحدث الأوقاف: تأهيل الأئمة قبل رمضان يواكب المستجدات العالمية ويعزز فقه الصيام    الآن بث مباشر.. الأهلي يصطدم بالإسماعيلي في كلاسيكو مشتعل بالدوري المصري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البعث الشيعي (1919- 2007) إلغاء الأحزاب: دعوة صريحة لإحياء الطائفية
نشر في المصريون يوم 05 - 01 - 2010

إن كتاب البعث الشيعي في سوريا 1919- 2007 يقدّم مادة ثرية ليس عن حركية التشيع في مرحلة الأسد الأب، والتشييع في مرحلة الأسد الابن مما غدا خطراً حقيقياً على خصائص الهوية الثقافية الوطنية السورية إذ تُخترق إيرانياً كما ألمحنا في الحلقات السابقة، بل إنه -وهو الأهم- يقدّم مادة أولية تساعد الباحث على الوقوف على مداخل حيوية هامة، فيما لو أراد سبر العنصر (الطائفي) المضمر في سياسات (الأب والإبن).. حيث سيكون هذا العنصر الطائفي (السياسي وليس بالضرورة الديني)، أساس العصبية التي شكلت ملاط قوة النظام الأسدي وسر استمراريته وبقائه الوراثي.. ونقول الطائفية السياسية بوصفها عصبية قوة واستقواء، وليس الطائفية الدينية العقدية بمعناها الفقهي، وذلك لأن الطائفة العلوية هي الأقل اهتماماً بالشأن الطائفي بمعناه وبعده الديني.
حيث يمكن للباحثين الشباب المهتمين بالتاريخ السياسي الحديث والمعاصر أن يستفيدوا من هذا الكتاب(البعث الشيعي)، كمنطلق مرجعي يشير إلى مراجع عدة في مجاله، وذلك فيما لو أراد الباحث أن يتقصى تمظهرات حضور العصبية في كل سياسات آل الأسد الأب والابن: الداخلية منها والخارجية.. إذ أن هذه الأطروحة تقول: إن كل مواقف وآراء وتوجهات السياسة الخارجية والداخلية السورية كانت تضمر هذه العصبية منذ انقلاب 8 آذار 1963، لكن هذه العصبية كانت يحكمها -في الآن ذاته- سيرورة تاريخية سياسية حكمت علاقتها بالبعث في صيغة: ثنائية الانتماء إلى: (الأمة والملة)، حيث الصيغتان تحكمهما إشكالية الهوية المنقسمة على ذاتها بين الوعي القومي البعثي والوعي الطائفي (كعصبية وليس بالضرورة كطائفية الدينية)، لكنهما تتوحدان -موضوعياً وكمآل- حول وظيفة إلغاء (المواطنة) المتعينة في (وطن –دولة) لكونها تتجاهل واقع الانتماء إلى كيان وطني حسي وضعي ملموس محدد بجغرافية سوريا وتاريخها السياسي والثقافي والاجتماعي، وذلك لصالح الانتماء إلى فكرة ترفرف في برزخ عالم الغيب الوحدوي وسديمه القومي.. ولذلك فإن الدستور السوري لا يعترف بسوريا كوطن بل معبر إلى (الوطن العربي)، هذه الحقيقة تسقط كل التحليلات والتأويلات التي تعزو للأسد الأب ترسيخ الكيان السوري، حيث أن أي ترسخ يتراءى لنا بوصفه كياناً، إنما هو ناتج عن الارتباط الغريزي للأسد ببقائه كحاكم إلى الأبد من خلال تحويل الكيان السوري إلى مملكة وراثية على قدر حجم أوراكه السلطانية العائلية والوراثية.. وبالتالي فقد كانت سيرورة نصف القرن الماضي في سوريا، هو صراع هويات بين الانتماء إلى عروبة يوتوبية سديمية ماضوية تستند الى القومية (العصبية) وليس للقومية الحديثة التي ولدت في السوق الرأسمالية في صيغة الثورة القومية الديموقراطية أوروبياً.
إن البعد العصبوي التقليدي للقومية جعلها تكتسب تعريفها من خلال انثنائها للخارج في صيغة مواجهة الآخر: (حيث ثنائية الأنا القومي العربي والآخر العدو الأجنبي)، كوجه آخر للفسطاطية الأصولية الدينية: عن الثنائية بين دار الإسلام في مواجهة دار الحرب = دار الإيمان/ دار الكفر = دار حزب الله / دار حزب الشيطان.
أما العصبية الثانية فهي القائمة على العصبية العمودية – الدموية (الطائفية: الملل والنحل) كهوية انتماء داخلية تتوحد ضد الآخر في الوطن الواحد، إن لم نقل أنها تؤسس عصبيتها الأقلوية من خلال التوحد على كراهية الآخر وهذا ما يفسر قولنا: إن النظام الأمني في قمعه لمجتمعه السوري لا يمارس قمعه بآلية أدواتية تكنوقراطية كما تفعل أجهزة الدولة عموماً، بل بإحساس عال بالمسؤولية الأمنية الطائفية المخلصة والمتحمسة في تنفيذ قرارات قيادتها حين تتماهى معها في كره شعبها.. حيث ضمن هذا الانشداد إلى عصبيتين (قومية وطائفية) سيغدو الوطن -ككيان حقوقي وسياسي ملموس- ضائعاً ومغيباً بين (العصبيتين: القومية ما بعد الوطن، والطائفية ما قبل الوطن).
والوطن بهذا المعنى كان عليه أن يتقوض بوصفه تمثيلاً للدولة الوطنية الحديثة التي تشكلت منذ 1919 – ككيان دولة دستورية ديموقراطية برلمانية محكومة مجتمعياً بمبدأ المواطنة، الأمر الذي من شأنه أن ينتج مواطنة حقوقية وقانونية حديثة تفترض على الفرد الانخراط في الحياة الاجتماعية من خلال خلعه جلده الطائفي والعشائري والقبلي، ومن ثم الانتظام في الحياة العامة من خلال الانتظام في الحزب السياسي أو النقابة أو الجمعية أو المنتدى كمواطن، وليس كملحق رعوي بهذه المجموعة التقليدية أو تلك، أي عليه أن يتحرر من الانتماء العمودي (الدموي: حيث القرابة والعشائرية والطائفية)، لكي يتنضد في فضاء سوسيولوجي أفقي طبقي مدني حديث.
كان الأسد الأب يعيش حركة (المد والجزر) بين الهويتين، بين هويته القومية والبعثية من جهة، وهويته الطائفية (العلو- شيعية) من جهة أخرى، وذلك بعد أن ساهم من خلال حركة انقلاب 8 آذار 1963 أن يقوض الدولة الوطنية الحديثة ومشروعها الديموقراطي كدولة قانون تستكمل تكوينها السوسيولوجي الأفقي (المواطنوي)، وحياتها السياسية الحزبية والبرلمانية وفق الشرعية الدستورية عبر تقويضها فيما سمي بالشرعية الثورية البعثية الانقلابية العسكرية الريفية.
ففي الستينات كان تسعير الصراع القومي (العصبوي)، وليس الديموقراطي ضد الخارج العالمي كعدو امبريالي عبر الاستثمار(الصوتي والخطابي) في القضية الفلسطينية، وذلك على حساب بناء الدولة القانونية الحديثة ذات الشرعية الدستورية وطنياً، وكان يواكب هذا التسعير الخارجي تسعيراً داخلياً وشحناً طائفياً باسم الصراع الطبقي (الريف ضد المدينة، العسكري ضد السياسي - العسكري الريفي (الأقلوي) ضد العسكري المديني)، الذي ما أن وصل الأسد إلى السلطة في انقلابه مع ما سماه الحركة التصحيحية إلا وكان الجيش قد (تطيّف – تعلوّن).
لكن هذه الطائفية كانت مشدودة أيضاً في عصبيتها إلى المحيط العربي – السني الذي يتقبل البعد الشيعي المذهبي على المذهب العلوي، نظراً للاعتراف الرسمي السني بالمذهب الشيعي بوصفه داخل الدائرة الإسلامية، على عكس المذاهب الباطنية الأخرى التي هي أكثر بعداً: (العلوي والدرزي والإسماعيلي).
هذه الهوية العربية كان يستند فيها الأسد الأب إلى حزب البعث (القومي والمفترض أنه علماني)، وهي الهوية التي تتيح له الانفتاح على المحيط العربي القومي، والذي من خلاله سيدخل حرب تشرين بالمشاركة مع مصر، إذ ستغدو الهوية القومية- بهذا المعنى- وفق المفردات (الكلامية: من علم الكلام) ما يعادل ايديولوجيا (الظاهر) القومي التي من خلالها سيبدأ تأسيس مبدأ التخوين القومي للآخر العربي، وستستمر حتى اليوم بوصفه مزية للخطاب القومي، بما فيه تخوين الفلسطينيين على أساس أن حافظ أسد كان حريصاً على أرض فلسطين أكثر من ياسر عرفات، كما أن وريثه الأسد الصغير أكثر حرصاً عليها من محمود عباس وأكثر اكتمالاً في رجولته من الرؤساء العرب (أنصاف الرجال)....!؟
أما البعد العلوي فهو عنصر العصبية الداخلية التي تتيح له عملية دمج (سلطوي) تقيه الصراعات الداخلية التي تحكم-عادة- عقل العسكر، لكن هذا الدمج (الطائفي) سيحلّ محل (الدمج الوطني) وعلى حسابه، بل وسيغدو في مواجهته وبالتعارض معه، بما كان مآله انفجار أواخر السبعينات وبداية الثمانينات مع الفتنة الدموية الطائفية المرعبة بين الأسد والأخوان المسلمين... فيما يؤكد قاعدة أنه بمقدار ما يتعمق الدمج الطائفي الداخلي-لا الوطني- بمقدار ما يتعمق التفكك الداخلي التناذر والتناثر والتذرر الفئوي والانكفاء الأقلوي والتكور على الذات ثقافياً وجماعاتياً، فيما يعمق ويعزز وينتج ما يسمى (كلامياً) أيديولوجيا الباطن الطائفي التي سترافق خطاب وممارسات ومواقف الأسد الكبير والصغير وتباطنه موجهة له، حيث لن يكون هناك موقف سياسي خارجي أو داخلي لا تباطنه العصبية الداخلية الباطنية.
فإذا كانت مرحلة الستينات هي مرحلة بعث العصبية: الهوية القومية سياسياً-بعثياً، والهوية المللية عسكرياً- طائفياً، فإنها في السبعينات ستبحث عن شرعية الاعتراف بهذا المزيج الوشائجي: البعثي- الطائفي شعبياً ومجتمعياً وعربياً.
إذ يشير هنا الكتاب (البعث الشيعي) إلى الفتوى الشهيرة للزعيم الشيعي الإمام موسى الصدر الذي أصدر للأسد فتوى تموز 1973، التي تعلن بأن العلويين مسلمون، وهم من طائفة الشيعة، وذلك قبل شهرين من دخول حرب تشرين مع مصر.
لقد كان على حافظ أسد أن يفتعل مشكلة دستورية مع المجتمع من خلال حذف شرط أن يكون "رئيس الجمهورية مسلماً"، لكي يتراجع ويعلن شرعيته الإسلامية من خلال اعتبار العلويين طائفة من الشيعة، حيث كان بإمكانه أن يحافظ على صيغة الدستور القديمة-التي عاد فأقرها- بهدوء دون إحداث هذه التداعيات المثيرة، حيث لأول مرة في تاريخ سوريا يدور الحديث مذهبياً ويتداول الحقل السياسي علناً مفردات طائفية، إذ أن مصطلح "الشيعي" برز لأول مرة في المجال السياسي السوري وطرق أسماع السوريين، وذلك عند هذه الفتوى. ص 34
لقد بدا حافظ أسد في ظاهر المشهد أنه بعثي عربي قومي علماني يريد أن يعلمن الدستور السوري من خلال حذف هذه المادة، ولكن التراجع السريع أمام ردود فعل طبقة رجال الدين كشفت حقيقة دوافعه المضمرة، وهي حقيقة رغبته ب(شرعنة) هويته العصبية الطائفية وطموحها في الغلبة بقوة الشوكة، حيث سيضرب عصفورين بحجر: العصفور الأول: انتزاع الشرعية الطائفية للعلويين من خلال فتوى تشييعها من جهة، وإعطاء حضور شرعي للشيعة في سوريا كأقلية نادرة من جهة أخرى، كنا قد ذكرنا في حينها أن نسبتهم بالنسبة للسكان لا يصل إلا إلى أقل من النصف في الألف الذي تريد إيران-من خلاله البرهنة على أصول سوريا الشيعية – ومن ثم القيام -بدعم الأسد الإبن- أن تشيع المجتمع السوري، بعد تشييع الطائفة العلوية التي تتجاوز 10%.
لقد تمكن الأسد من خلال هذه اللعبة المشهدية أن ينقل مركز الثقل في الشرعية السياسية: من الشرعية الدستورية المدنية المؤسسة للدولة الوطنية الحديثة إلى الشرعية المذهبية الطائفية التي توقظ الهويات العتيقة للمجتمع الأهلي على أنقاض الانتماءات السوسيولوجية (المواطنية) الحديثة للمجتمع المدني الذي عرفته الخمسينات.
لقد ناور حافظ أسد دستورياً على قوى المجتمع المدني (العلماني)، بعد أن كان قد وضع هذا المجتمع في جعبته عبر ما سمي (الجبهة الوطنية التقدمية)، وذلك عبر الإيحاء بعلمنة الدستور، وناور من جهة ثانية على المجتمع الأهلي لاسترضائه من خلال العودة إلى شرعياته التقليدية المحافظة، عبر افتعال معركة سرعان ما انهزم فيها الأسد مسلّماً بالنفوذ الثقافي لممثلي الأغلبية الطائفية (السنية) للمجتمع، وذلك لكي يؤسس لشرعية ميزان قوى جديدة: عماده العصبية الطائفية وليس الانتماء المدني، إذ لم تمر 3 سنوات على حرب تشرين حتى أسست أول حوزة للتعليم الديني العالي للشيعة في سوريا التي أسست عام 1976 في مقام السيدة زينب الذي سيصبح أشهر مقامات الشيعة فيما يعادل النجف وكربلاء، ويجعل منه "قم" سوريا... طبعاً قبل أن تتناسل الحوزات والحسينيات و تتمأسس كأمر واقع في زمن الإبن الذي لم تخترق الهوية الوطنية الثقافية في تاريخ سوريا كما يحدث اليوم، وسيأتي حديث ذلك....
إن المنطق الطبيعي العقلاني والتاريخاني يفترض نزوع الأقليات للاندماج (الوطني) مدنياً وعلمانياً، لأنه ليس لها مصلحة في مجتمع منضد على أساس الطوائف، ولا أن تكون فيه نسبة الأكثرية والأقلية على أساس طائفي.
هذا هو المنطق المدني العقلاني الحديث للدولة الوطنية الحديثة التي تستند فيه الى الشرعية البرلمانية وصندوق الاقتراع، ومن ثم المنافسة على الأكثرية والأقلية السياسية –وليس الطائفية- وفق آليات المنافسة الحزبية في إطار التعددية السياسية والفكرية.
لكن حافظ أسد كان قد حسم أمره ضد فكرة استعادة سوريا كدولة وطنية حديثة تستند الى الشرعية الدستورية والقانونية، ومن ثم قياس الأكثرية والأقلية على أساس المنافسة الحزبية، وذلك عندما حشد الأحزاب خلفه ودفعها إلى الإقرار المهين والذليل بموتها بإرادتها الذاتية، وذلك عندما قبلت أن لا تعمل في أوساط الشباب من الطلاب والجيش... وكأنها بادلت مستقبلها في الوطن ومستقبل الأجيال اللاحقة بمناصب وامتيازات صغيرة لم يبق لهم من أحزابهم سواها، إن عملية قتل الحياة الحزبية ليس إلا إحياء مبرمجاً لمجتمع الطوائف، والذي من خلال آليته يتيح للأسد أن يستولي على الدولة والمجتمع عبر إنتاج طائفة مسلحة تتفرد بمصائر مجتمع أعزل...!
إذ بدأ الأسد منذ هذه اللحظة بانتزاع اعتراف كل (الأحزاب التقدمية) بدولة الفساد التي أراد الأسد أن يؤسس لها ويمؤسسها من خلال قبولهم بمغانم ومكاسب (مرسيدسات)، لا تدخل إلا في إطار الاستيلاء على المال العام تحت عيونهم وصمتهم وبموافقتهم، بعد عملية الاستيلاء الكلي على المجال العام السياسي والوطني والعسكري...
إن إلغاء الحياة السياسية من خلال إلغاء الأحزاب السياسية، ولاحقاً النقابات والجمعيات والمنتديات هي دعوة صريحة وبرنامجية لإقامة الدولة الطائفية التي يحل فيها ميزان القوى الطائفي محل ميزان القوى السياسي، وبالتالي –يمكن القول- إن الطائفية السياسية التي يعيشها العراق اليوم ما بعد الاحتلال –مثلاً- ليست نتاج الاحتلال وقيام الأحزاب الطائفية، بل هي نتاج النظام الشمولي البعثي الصدامي في العراق الذي ألغى الحياة السياسية والأحزاب السياسية ولم يترك للمجتمع أن يعبر عن مجتمعيته وميله الطبيعي للاجتماع البشري والوطني إلا عبر قنوات الطائفة والعشيرة.. وكذلك هو واقع التأقطب الطائفي والشحن المذهبي الراهن في سوريا ليس إلا نتاج لإستراتيجية أسدية في الماضي حتى اليوم عبر استمراريتها في النظام الوراثي العائلي الأكثر توغلاً في إلحاقها التبعي اللاوطني بإيران من خلال الإبن الوريث الصغير...
هذه المسألة غدت على درجة من الوضوح يبلغ حد الفضيحة المعلنة التي يغدو معها كل أولئك الذين يرطنون بالشعارات العروبو-اسلاموية في المؤتمرات القومية والاسلامية، وهم يهتفون بحياة آل الأسد الوارثة لشعارات آل صدام ولربما لمصيره.... ليسوا إلا شهود زور ودجالون مراؤون ويمنعون الماعون عن شعوبهم وأوطانهم بتضليلها، وأن بضاعتهم التي يتداولونها ويسوقونها باسم الصراع مع إسرائيل وضدها، هي البضاعة الإستراتيجية الإسرائيلية بامتياز، إنها الإستراتيجية القائمة على هزيمة الوعي العربي المدني النهضوي الديموقراطي الدستوري، بوصف هذه الخصائص والسمات التي تمثل قيم حداثية كونية إنما هي مميزات وامتيازات للعقل الإسرائيلي الحداثي، وعلى هذا فهي يحق لها وحدها أن تتفرد بهذه المميزات دون العرب الذين تتركهم بأيدي مجموعة من الطغم المستولية على مجتمعاتها ومن النصابين الايديولوجيين الذين يقنعون العرب أن عظمتهم تكمن في تخلفهم، وأن وخصوصيتهم تحضر في استبدادهم، وأن الديمقراطية بضاعة امبريالية صهيونية... وأن مستقبل الأمة العربية في الصمود والتصدي والممانعة يكمن في قيادة آل الأسد لسوريا والعرب على طريق المستقبل العراقي النموذج... إذ أن إلغاء الحياة السياسية هي دعوة علنية للحياة الطائفية والتي هي بدورها وصفة مضمونة للحرب الأهلية، حيث الطغيان بوابة لضياع الأوطان.
إذا لم يستيقظ الضمير العالمي لسوقهم إلى المحكمة الدولية فإن كارثة الحرب الأهلية التي يقودون-بطائفيتهم وفسادهم وميليشياويتهم الأمنية والعائلية – الشعب السوري إليها، قادمة وذلك وفق التفاؤل الإسرائيلي بمستقبل الحرب الأهلية لسوريا..!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.