من الذي يتحمل مسئولية اختطاف أو قتل السفير المصري الجديد في العراق يوم أمس الأحد : السفير نفسه أم نظام حكم الرئيس مبارك ؟! . لقد تعاملت الحكومة المصرية مع هذا السفير على طريقة "الموظف المرمطون" الذي يسند إليه رئيسه في العمل ، "أعمالا قذرة" يستنكف زملاؤه القيام بها . غير أن الوضع بالنسبة للسفير المصري بالعراق ، كان لا إنسانيا بالمرة من قبل النظام السياسي المصري ، فالأخير لم يتعامل معه بمنطق "الديبلوماسي المرمطون" و حسب ، و إنما اختاره ليسدد من سمعته و حياته و مستقبل أسرته جزءا من فاتورة التمديد للرئيس مبارك أو توريث الحكم لنجله من بعده. فالرجل اختير ليكون قائما بأعمال السفير المصري في دولة العدو الصهيوني استرضاء لشارون و للحيلولة دون استفزازه و ما يترتب على هذا الاستفزاز من عواقب وخيمة للنظام عند ولي النعمة بالبيت الأبيض . و الكل يعلم في مصر الحال الذي عادة ما يئول إليه وضع و مكانة و سمعة أي سياسي مصري تكون له علاقة ما بالكيان الصهيوني سواء بشكل مستقل أو بصفة رسمية ، إذ سيظل المجتمع ينظر إليه نظرة غير محترمة بالمرة ، و سيخلو الحديث عنه (أو معه) من أي شكل من أشكال التوقير ، و سترث أسرته و أحفاده من بعد مماته ذات نظرة المجتمع المصري إليه في حياته . الرجل بعد قبوله العمل في إسرائيل ، لم يدر أنه قبل بذلك ضمنا ، أن يعمل لدى النظام فعلا في وظيفة "مرمطون" ، و أنه سيتنقل بين هذه الوظائف التي لا ترقى يوما ما إلى ما هو أعلى من هذه المكانة الوظيفية ، و أنه سيظل بين أضابير وزارة الخارجية ، محجوزا "تحت الطلب" لمثل هذه المهمة التي هي في واقع الحال لخدمة النظام ، و ليس لخدمة البلد . بعد زيارة كونداليزا رايس الأخيرة ، و في إطار حرص نظامنا السياسي على استرضاء واشنطن ، و إثبات حسن السير و السلوك على سنتها و هديها في المنطقة ، طمعا في أن تتركه في حاله ، يفعل بالمصريين الأفاعيل ، قرر النظام إهداء واشنطن هدية لم يجرؤ على تقديمها أي نظام سياسي عربي آخر ، رغم حرصهم جميعا على البر و السمع و الطاعة لإملاءات "ماما أمريكا" .. قرر النظام إرسال سفير له في بغداد ، ليكون أول نظام عربي يقدم على هذه الخطوة غير مكترث لا بمشاعر العراقيين و لا المصريين و لا حتى بمشاعر أكثر من مليار و 300 مليون مسلم على وجه الأرض يبغضون أمريكا ، و يستفزهم سرقتها للعراق نفطا و شعبا . عندما قرر النظام ذلك لم يجد بالطبع إلا ديبلوماسيا على طينتها ، يقبل بالتنازلات نظير بقائه على الكرسي : .. الأول على "كرسي الوزارة" أو الرئاسة و الثاني على "كرسي السفارة" ، و لذا فإنه إذا كنا ندعي أن السفير الذي اختفى بالعراق أمس كان ضحية طمع النظام في البقاء على العرش خالدا فيه أبدا ، فإنه في الوقت ذاته ضحية طمعه في أن ينعم عليه النظام بلقب "سفير" حتى و إن كان الثمن ضياع أمة بكاملها .