يبدو ان الولاياتالمتحدةالامريكية قد تراجعت عن سياساتها المعلنة بدعم عملية الاصلاح الديمقراطي في المنطقة العربية، وبدأت تميل الي الاستمرار في التعامل مع الانظمة الدكتاتورية الحالية، ولو بشكل مؤقت. فالجولة الجديدة التي تقوم بها حاليا السيدة كارين هيوز مساعدة وزيرة الخارجية الامريكية للمنطقة اعطت العديد من المؤشرات في هذا الخصوص. فاثناء توقفها في القاهرة حرصت السيدة هيوز علي تفهم بطء الاصلاحات في مصر، ووجهة نظر الرئيس حسني مبارك التي تقول بان عملية التغيير الديمقراطي تحتاج الي وقت لاصدار تشريعات وقوانين جديدة، ولم تنتقد النظام علي الاطلاق في كل حواراتها مع المسؤولين ورجال الاعلام، وركزت علي كيفية تسويق امريكا كدولة غير معادية للعرب والمسلمين. اما عندما وصلت الي جدة للقاء العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز فقد حرصت علي الاشادة بالجهود التي تبذلها الحكومة السعودية في مكافحة الارهاب، ولم تتطرق مطلقا الي انتهاكات حقوق الانسان وغياب الحريات، وانعدام القضاء العادل المستقل، واكتفت فقط بالاشارة علي استحياء الي ضرورة احترام غير المسلمين وحقوقهم في العبادة. ويتضح مما سبق ان هناك معيارين اساسيين يحكمان السياسة الامريكية تجاه عملية التغيير الديمقراطي في منطقة الشرق الاوسط: المعيار الاول هو العلاقة مع اسرائيل، فطالما ان النظام المصري الحاكم يؤدي دوره في الحفاظ علي امن الدولة العبرية، ويواصل عمليات التطبيع السياسي والاقتصادي معها، فان الاصلاحات الديمقراطية تظل هامشية، او تحتل مرتبة متدنية في قائمة الاهتمامات الامريكية. فمن اللافت ان الضغوط الامريكية من اجل الاصلاح في مصر خفت حدتها كثيرا بعد توقيع اتفاقات كويز الاقتصادية بين مصر واسرائيل، واتمام صفقة بيع الغاز المصري، ومواصلة مصر لمساعيها للضغط علي الفلسطينيين لوقف العمليات العسكرية. المعيار الثاني هو مكافحة الارهاب. فطالما ان المملكة العربية السعودية ملتزمة بمحاربة تنظيم القاعدة ، وتغيير المناهج التي تشجع علي التطرف الاسلامي، وتتعاون مع الولاياتالمتحدة في الحرب علي الارهاب وخاصة في العراق وافغانستان، فان هذا يعني انها تؤدي ما هو مطلوب منها تجاه واشنطن، ولهذا فهي بالتالي معفاة من اي لوم او نقد، ولذلك تظل الاصلاحات الديمقراطية غير مهمة، ويمكن ان تجمد او تؤجل او حتي تلغي كليا. ان هذا التراجع الامريكي علي صعيد مساندة الاصلاحات سيؤدي الي زيادة الكراهية للسياسات الامريكية في المنطقة العربية، وسيجعل من جولة السيدة هيوز عديمة الجدوي، او ذات نتائج محدودة للغاية. الادارة الامريكية الحالية مكروهة لثلاثة اسباب رئيسية، اولها حربها في العراق التي قامت علي اساس الاكاذيب وادت الي تمزيق بلد مستقر ومقتل مئة الف من ابنائه علي الاقل، وثانيها الدعم المطلق للعدوان الاسرائيلي في فلسطين، وثالثها دعم الانظمة الدكتاتورية وتفضيل التعامل معها علي التعامل مع انظمة ديمقراطية منتخبة. تصريحات السيدة هيوز وما تضمنته من تراجعات، والضغوط التي تمارسها حكومتها علي الدول العربية للتطبيع مع اسرائيل بعد انسحاب شكلي من غزة، واصرارها علي البقاء في العراق، كلها عوامل تؤكد منفردة ومجتمعة ان الكراهية لامريكا ستتصاعد وتتوسع ولن تفلح كل المحاولات اليائسة والشكلية لتغيير هذه الحقيقة الساطعة. ---------- صحيفة القدس العربي في 29 -9 -2005