مع أننى لا أحب الاستفتاء ولا سيرته، وأشك بوضوح وقوة فى أى استفتاء تجريه دولة عربية أو "عالم ثالثية" بعد المر الذى تجرعناه فى الاستفتاءات المصرية، مع هذا فإننى أنظر بإيجابية إلى الاستفتاء على "ميثاق السلم والمصالحة" الذى أجرته الجزائر وأعلنت تنائجه أمس "الجمعة". نتائج الاستفتاء تؤكد أن الإسلاميين هم أول من يهمهم إنقاذ الوطن من "مستنقع الدم"، وأن اتهامهم بالإرهاب يفتقر إلى الموضوعية والعلمية، على الرغم من شيوعه باعتباره "فلكلورا سياسيا" روج له الإعلام الغربى والنظم الاستبدادية التى يهمها أن تشوه الحركة الإسلامية بالباطل، لأنها أى الحركة الإسلامية تمثل العمق الجماهيرى والبعد الثورى فى معادلة مجتمعاتها، وفى مصر كما فى الجزائر تعرضت الحركة الإسلامية لكثير من الاتهامات التى أثبتت الأحداث بطلانها، وكان الإسلاميون دائما فى طليعة القوى التى تنادى بالتكاتف والارتفاع فوق الخلافات والضغائن كلما جد الجد أو تعرض الوطن للخطر. فى استفتاء السلم والمصالحة، وحسب ما أعلن "نور الدين يزيد زرهونى" وزير الداخلية الجزائرى فإن عدد الناخبين المسجلين للتصويت داخل الجزائر بلغ 18 مليونا و313 ألفا و594 مواطنا , شارك منهم 14 مليونا و282 ألفا و274 مواطنا بنسبة بلغت 82 %. ونسبة من شاركوا بالتصويت من الخارج بلغت 93ر35 من إجمالى عدد الجزائريين بالخارج. وبالتالى بلغت نسبة المشاركة العامة 76ر79 % من إجمالى من لهم حق الانتخاب فى الداخل والخارج، وافق 36ر97 % منهم على الميثاق ورفضه 64ر2 % مع ان المشاركة فى الولايات القبائلية كانت منخفضة حيث بلغت فى ولاية بجاية 35ر11 % وفى ولاية تيزى أوزو بلغت 51ر11 %، ما يؤكد أن المتفرنسين والانفصاليين لا يريدون للجزائر سلما ولا مصالحة، وأنهم يتشبثون باستمرار الصراع الدامي الذى فجره النظام الجزائرى فى الأساس، وغذته جماعات العنف، وراحت الجزائر كلها ضحيته، والنتائج تشير إلى أن النظام وجماعات العنف معا شعرا بالخطر وحاولا تدارك الخطأ، بدليل أن الولايات التى كانت أكثر تضررا من الارهاب خلال فترة التسعينيات تعدت نسبة المشاركة فى الاستفتاء فيها تسعين بالمائة حسب تصريح وزير داخلية الجزائر، وهذه الولايات هى فى الوقت نفسه الولايات ذات الانتماء العربى، الولايات التى فرخت العنف واكتوت بناره. الميثاق الذى جرى عليه الاستفتاء ينص على التخلي عن الملاحقات القضائية في حق الذين توقفوا عن نشاطاتهم المسلحة والقوا السلاح لكنه يستثني الذين كانت لهم يد في المجازر الجماعية أو انتهاك الحرمات أو استعمال المتفجرات في الاعتداءات على الأماكن العمومية. ويقضي بتقديم تعويضات إلى أسر المفقودين والمتضررين من الإرهاب. كما يمنع الميثاق قياديى الجبهة الإسلامية للإنقاذ من ممارسة أى نشاط سياسى، وهو أمر يمكن فهمه فى إطار المواءمة لا الضرورة، فقيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ تورطت فى العنف بالضبط كما تورط فيه النظام بفعل فاعل، وأقول لقيادة وشعب الجزائر: راجعوا اغتيال "بوضياف" على يد الجيش الجزائرى، والمذابح التى أقر شهود العيان والمراقبون الدوليون بتورط عسكريين فى إجرائها، راجعوا السجل بعين منصفة وأعيدوا تقييم الموقف فى ضوء ما أسفرت عنه نتائج الاستفتاء التى أكدت أن دعاة الانفصال هم أعداء السلم الحقيقيين فى الجزائر، وفى كل مكان.