7 قرارات جديدة وعاجلة لمجلس الوزراء، تعرف عليها    نوري المالكي يتحدى ترامب: نرفض تدخلك ومستمرون في العمل السياسي بالعراق حتى النهاية    الإسكواش، 3 مصريات في نصف نهائي بطولة الأبطال العالمية    أكثر من 30 ألف طالب لم يتجاوزوا الترم الأول، قراءة رقمية في نتيجة الشهادة الإعدادية بالجيزة    نهلة عاطف توقع كتابها الجديد في معرض الكتاب (صور)    مستشفيات جامعة بني سويف تنجح في إنقاذ عين مريض من العمى بجراحة نادرة ومعقدة    الطفولة والأمومة يدعو إلى تنظيم استخدام الإنترنت للأطفال    رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر يستقبل الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط    سعر الأرز الأبيض والشعير اليوم الأربعاء 28يناير 2026 فى محال المنيا    نصائح لشراء خزين رمضان 2026    وزير التعليم العالى: تعزيز الوعى بقضايا الأمن السيبرانى وحماية البيانات أولوية استراتيجية    الكشف على 290 مواطنا خلال قافلة شاملة بالقرى الأكثر احتياجا بالبحيرة    مستجدات تنفيذ المشروع القومي للمحطة النووية بالضبعة    الكرملين يلتزم الصمت بشأن تقارير عن تسليم الأسد    صحة غزة: 5 شهداء و6 إصابات جراء عدوان الاحتلال خلال 24 ساعة    نائب محافظ طولكرم: إسرائيل هجرت 25 ألف فلسطيني من طولكرم ونور شمس في عام    رئيس جامعة المنوفية يستعرض دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي    جارية الآن.. بث مباشر دون تقطيع مانشستر سيتي ضد جلطة سراي دوري أبطال أوروبا    الرياضة: إجراءات حاسمة في واقعة وفاة لاعب السباحة يوسف محمد    إكرامي: أتواصل مع الخطيب بشأن قضية منشطات رمضان صبحي    محافظ قنا يستقبل وكيل وزارة التعليم الجديد ويؤكد على دعم المنظومة    متفاوتة الشدة وقد تكون رعدية.. الأرصاد تكشف خريطة الأمطار المتوقعة اليوم    السيطرة على حريق يلتهم مينى باص بالمحلة    ضبط سائق خالف خط السير ورفض إنزال الركاب بالبحيرة    ضبط 2.5 طن دواجن مشبوهة وتحرير محاضر مخالفات بأسواق الغربية    ضبط 114994 مخالفة مرورية والكشف عن 56 حالة تعاطي خلال 24 ساعة    فخ الصلح، اعترافات صادمة للمتهم بالشروع في قتل "عريس الشرابية"    استمرار الإقبال على معرض القاهرة للكتاب في يومه السابع    محافظ أسيوط يشهد احتفالية ثقافية وفنية بمناسبة عيد الشرطة وذكرى ثورة 25 يناير    أوقاف الشرقية تُجري اختبارات لاختيار أئمة التراويح والتهجد لشهر رمضان    إصدار سلسلة توعوية جديدة بشأن الهيئات البرلمانية للأحزاب والائتلافات بالنواب    لأول مرة، إجراء جراحات دقيقة للوجه والفكين بمستشفى أسوان التخصصي    هل نحتاج المكملات الغذائية؟.. تحذيرات طبية من الاستخدام العشوائي    هيئة الرقابة الإدارية تعقد ندوة حول الشمول المالي بمعرض الكتاب    الاستخبارات الأمريكية تتحرك سرا لتواجد دائم فى فنزويلا .. ماذا يحدث؟    قمة تعزيز السلام الإقليمى    «لو أن أحدًا يلاحظ» تشريح لونى فى دنيا امرأة    رمضان 2026 | أحمد حلمي ينتقل للإذاعة بمسلسل «سنة أولى جواز»    إعلاء صوت الحقيقة    مدرب الملكي ينصح بيلينجهام بضرورة التوقف عن الركض    الجامع الأزهر بشهر رمضان.. صلاة التراويح 20 ركعة يوميًّا بالقراءات العشر    العالم يستمع إلى مصر من دافوس    كفر الشيخ: توقف حركة الملاحة والصيد بميناء البرلس وسواحل المحافظة الشمالية لسوء الأحوال الجوية    نتيجة الشهادة الإعدادية فى الأقصر.. استمرار التصحيح تمهيدا لإعلان النتائج    وزير الصحة يبحث حوكمة نفقة الدولة والتأمين الصحي لتسريع وصول الخدمات للمرضى    كيف يتعامل مرضى الحساسية مع التقلبات الجوية؟.. «المصل واللقاح» يوضح    رئيس وزراء قطر: ندعم جهود خفض التصعيد في المنطقة    هل يجوز تسمية ليلة النصف من شعبان ب البراءة؟.. الإفتاء تجيب    الرئيس السيسي يصدق على تعيين 383 معاونا للنيابة الإدارية    فيروز أبو الخير تتأهل إلى نصف نهائي بطولة «سبروت» للإسكواش بأمريكا    مدحت عبدالدايم يكتب: فاتن حمامة نجمة القرن.. وفن إعادة صياغة الوعي    مواقيت الصلاه اليوم الأربعاء 28يناير 2026 بتوقيت المنيا    رمضان 2026... «الأوقاف» تحسم الجدل بشأن توقيت صلاة التراويح بالمساجد    وكيله: توروب رافض فكرة رحيل ديانج من الأهلي    الزمالك يعود للدوري باختبار صعب أمام بتروجت    أخبار فاتتك وأنت نائم| أسطول أمريكي يتحرك نحو إيران.. والذهب يُحطم الأرقام القياسية    ميلانيا ترامب تعلق على احتجاجات مينيسوتا.. "احتجوا بسلام"    في كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر يعيد نصرالله قراءة البداية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



انفراد : القصة الكاملة لأسطورة الشيخ جابر "رئيس جمهورية امبابة"
نشر في المصريون يوم 27 - 04 - 2012

حى إمبابة من الأحياء الشعبية العريقة، والذى يعد أكبر أحياء محافظة الجيزة، ويبدو أنها منذ نشأتها وهى محط للحركات الثورية وبؤرة لصد العدوان، فقد شهدت معركة فاصلة أمام الفرنسيين، وطالما ذكرها الجبرتى فى تاريخه أنها كانت ملاذًا للمماليك فى حالة الضغط المسلح عليهم، وهذه المدينة اشتهرت فى عقد التسعينيات ب"جمهورية إمبابة" والتى اقترنت برئيسها الشيخ "جابر ريان".
"المصريون" اخترقت هذه الجمهورية، وقامت بحوار مع رئيسها؛ لتتعرف على الأحداث المثيرة التى دارت فى عِقد التسعينات، وانتهت بفتح باب السجون أمام أبناء إمبابة والذين قضَوْا فيها ربيع العمر، بل البعض مازال يقضى أحكامًا جائرة منذ نظام المخلوع، ولم يتم الإفراج عنه حتى الآن.
* بداية، يا شيخ جابر، الكثير لا يعرف عنك إلا أنك كنت رئيسًا لجمهورية إمبابة.. نريد أن نتعرف عليك من قرب؟
** أنا من مواليد حى بولاق أبو العلا، وأبى وأمى لهما جذور صعيدية من محافظة أسيوط، ونشأت فى هذا الحى الذى تعلمت فيه أسلوب أولاد البلد، وقضيت حياتى كفنى كهرباء منذ عام 1972 عند خواجة، يسمى الخواجة "رزق" بشارع شامبليون، وكانت هوايتى تشجيع الأهلى، وتغيرت حياتى بعد ذَهابى إلى العراق، وبدأت أواظب على الصلوات هناك أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وبعد الرجوع إلى مصر تعرفت على جماعة "التبليغ والدعوة"، وكان صديقى الشيخ "مسعد قطب"من أبناء الإخوان، والذى قُتل فى التسعينيات فى ظروف غامضة، وأنا متزوج، ولدىَّ 5 بنات و3 ذكور و6 أحفاد.
* الشيخ جابر، قبل أن نترك حياتك العائلية أُثير حولك الكثير من أنك متزوج بعدد من النساء؟
** أنا الآن لست متزوجًا إلا من واحدة، ولكن تزوجت قبل ذلك أكثر من مرة، وقد وظف النظام السابق حياتى العائلية بأسلوب تشهيرى، فى حين أنه كان يعظم الأفلام والمسلسلات الغرامية والتى تروج للحياة غير الشرعية!
* نريد أن نتعرف على طريقة انضمامك للجماعة الإسلامية؟
** حينما انضممت لجماعة التبليغ والدعوة، مع احترامى لهم ولحسن نياتهم، كان الحديث السائد بيننا الابتعاد عن الحديث فى أمور السياسة، وأنها لا تحرك ساكنًا، وأنا نشأت فى أسرة مصرية، وكان والدى يعشق الرئيس عبد الناصر، ويرى فيه المخلص للكرامة العربية!، وكان مستاءً مما فعله السادات من التطبيع مع "إسرائيل"، فعندما انتقلنا إلى حى إمبابة تعرفت على كوادر الجماعة الناشئة فى ذلك الوقت، وكان من بينهم الشيخ "على عبد الظاهر والشيخ عرفان والشيخ محمد البكرى"، وهم من كوادر الجماعة الإسلامية فى إمبابة، وكان حديثهم عن إقامة دولة إسلامية على منهاج النبوة وتحرير أراضى المسلمين، فوافق ذلك ما كنت أتمناه بطبيعة تربيتى.
* أريد أن أعرف منك طبيعة عمل الجماعة الإسلامية فى حى إمبابة؟
** بدأت دعوة الجماعة الإسلامية فى إمبابة فى منتصف الثمانينيات فى مسجد الرحمن فى شارع 14 بشارع الاعتماد، وكان هو المسجد الأم، وهو كبير فى أفعاله، ولكنه كان صغيرًا فى حجمه، وتم إغلاقه من قِبَل قوات الأمن أكثر من مرة، ثم حوَّلوه بعد ذلك إلى بقالة، ثم إلى محلات حتى هذه اللحظة!
وبطبيعة عملى لم أكن ممن يجيد فن الخطابة واعتلاء المنابر، ولكن كانت هناك كوادر لديها القدرة على ذلك، فكانت تقوم بدور الترشيد للأهالى وبناء النشء الصغير بتشجيعه على حفظ القرآن وتعليمه أحكامَ التلاوة والقيام ببعض الرحلات الترفيهية؛ مما زاد فى شعبية الجماعة داخل إمبابة.
* هل كانت هناك أمور أخرى كان لها دور مؤثر فى صعود الجماعة على الساحة؟
** من أبرز الأمور التى أدت إلى ظهور الجماعة على الساحة داخل إمبابة، الأعمال الاجتماعية والمجالس العرفية التى كانت الجماعة تقوم فيها بفض المنازعات، خاصة أن أهل إمبابة الأغلبية العظمى منهم هم امتداد لعائلات عريقة بالصعيد، وتعرف الأصول، واحترام المجالس العرفية.
ولا أنكر أنه كان هناك بعض الأخطاء فى طريقة التغيير، ولا يوجد مَن هو معصوم، وأهالى إمبابة أنا أثق بتقديرهم، حينما يقارنون بين الحالة التى كنا فيها، وبين الانفلات بشتى أنواعه فى هذه الأيام.
* إذا كانت أخطاءً قليلة، فكيف فهمنا أن إمبابة "دولة داخل الدولة"؟
** الذى أريد أن أؤكده أن الأمن كان يريد ضرب الجماعة الإسلامية على مستوى الجمهورية لعقيدته السائدة بضرب أى فصيل إسلامى له أى مخايل للصعود الجماهيرى، وليس الأمر على مستوى الجماعة فى إمبابة فقط، ولكن استغل بعض الأخطاء التى وقعت، وسلط عليها الضوء، وكان يملك هالة إعلامية خارقة مازلنا نعانيها حتى الآن، فمثلاً على سبيل المثال كنا فى مسيرة العيد التى تقوم بها الجماعة، وهى مسيرة معتاد عليها، حتى أن الحزب الوطنى فيما بعد كان يقوم بمسيرات كنوع من الدعاية، وكنت فى إحدى المسيرات أركب حِصانًا وحولى بعض الإخوة يركبون دراجات بخارية، ولكن يم التركيز على صورتى أنا فقط، وقامت بعض الصحف المغرضة بترويج أن الشيخ جابر يطبق الحدود، ويقطع الأيادى من فوق صهوة حصان، وأن إمبابة صارت دولة داخل الدولة!
* ما هى القشّة التى قصمت ظهر البعير، واستغلها الأمن فى اقتحام إمبابة؟
** عندما حدث زلزال أكتوبر 1992 قمنا بعمل اجتماعى لمساعدة الأهالى، فقامت إحدى الوكالات بعمل حوارات معنا، وأظهرت من داخل هذا الحوار أن الجماعة الإسلامية ما هى إلا دولة داخل الدولة، وتسيطر على الناس وهيَّجت الرأى العام بذلك.
* كيف تم اقتحام إمبابة، وما هى طريقة اعتقال الإسلاميين؟
** حينما تهيَّأت الأجواء من خلال الإعلام قام رجال الأمن بطريقة كان مبيتًا لها، وهى أنه قام ولأول مرة، ولم يفعلها بعد ذلك، وهى قيامه برصف الطرق، وكان أولها شارع الاعتماد الذى أعيش فيه، وكذلك شارع الأقصر، وتم حصار إمبابة بالكامل، ووضْع نقط تفتيش على كل شارع، والذى أؤكده من خلال المصادر الرسمية فى ذلك الوقت، أنه تم إنزال 22 ألف مجند من قوات الأمن المركزى والقوات الخاصة، وتحولت منطقة إمبابة إلى ثكنة عسكرية!، ناهيك عن المدرعات التى كانت تكفى لتحرير بيت المقدس!، وتم تفتيش كل منزل من منازل إمبابة للبحث عن أى إسلامى، ولم يتركوا منزلاً واحدًا، ويبدو أن الرئيس الليبى المقتول القذافى استوحى مصطلح "زنقة.. زنقة، دار.. دار"! من النظام السابق، وتم القبض علىَّ بعد الاقتحام بثلاثة أيام.
* هل الذى حدث فى إمبابة مشهد لم يكرره الأمن بعد ذلك؟
** الأمن كرر مشاهد مرعبة فى كل أنحاء مصر، وخاصة مع الإسلاميين، وأريد أن أؤكد لك أن هناك كثيرًا من البيوت تم هدمها فى صعيد مصر، وأراضى تم تبويرها؛ لأن أصحابها هجروها هروبًا من جحيم النظام السابق، لدرجة أن الرئيس المخلوع عتب على إسحاق رابين رئيس وزراء "إسرائيل" السابق بأنه يهدم بيوت الفلسطينيين فرد عليه رابين وأنت تهدم بيوت الإسلاميين.
* أنا رأيتك وأنت على القناة الأولى بعد القبض عليك، أريد أن تحكى لى هذه اللحظة؟
** بعد القبض علىَّ ذهبت إلى مبنى التحقيقات، لا أدرى أى مبنى ذهبوا بى إليه، وفجأة تم نقلى داخل "جراج"، وكانت حالتى كما رأيتنى عليها، ثم فوجئت بإحدى المذيعات، ومعها رجال الأمن وتم الحوار معى بطريقة إرهاب، وهناك كلام أستحى أن أقوله، ولكن تم عرضه لتشويهى، وأتمنى أن يعيد التليفزيون المصرى ويعرض فى نفس الوقت لقطة دخول مبارك على السرير، فهل أبناء الشعب هم أبناء البطة السوداء؟!
* النظام السابق قام بخلْعك واعتقالك، كيف ترى صورة مَن قام بخلعك؟
** أريد أن أعلّمك أنى عاشق للكوميديا، وأتخيَّل أنى رئيس جمهورية سابق، ولكن أرجو من جريدة "المصريون" التى تتبنَّى قضيتى، أن تنشر صورتى، وأنا مقبوض علىَّ وحولى الكوماندوز المصرى، وأنا معصوب العينين، وصور مبارك، وهو فى طريقه للمحكمة، وهو على بِساط سليمان السحرى - كما تحكى الأساطير - كنت أتمنى أن أكون بجواره أنا ومَن قام بتعذيبهم، ومعنا رِيش النعام، ونقول له: "احكى يا شهرزاد".
* بعد القبض عليك بهذه الطريقة الوحشية ودخولك المعتقل، أرجو أن تحكى لنا يومًا من أيام اعتقالك؟
** أنا اعتُقلت 14 عامًا، كلها شجون وأحزان، ولكن لا أنسى أول يوم تم إلقائى فيه فى زنزانة وأربعة آخرين على أسفلت الزنزانة، وقد قام بتعذيبى مجموعة من الضباط، ولكن لا أنسى فى هذه الحفلة ما كان يقوم به "جاويش"، كان مخصصًا للبصق فى وجهى أثناء ذهابى إلى النيابة، والتى أخلت سبيلى بعد ذلك، وهذا أجمل شىء فى مصر أن ترى بعض الشرفاء كمنارات للأصالة المصرية فى بعض الظروف الحالكة، وكان هذا الجاويش يقوم بالبصق علىَّ أمام كل المساجين فى حوش السجن!
* باعتبارك عاشقًا للكوميديا، "المخلوع" قال فى إحدى خُطبه إنه لن يأتى عام 2000 إلا وكل الشباب سيركبون سيارات؟!
** نعم، الشباب ركب كل السيارات المصفَّحة والمغلقة، بل من إنجازاته أنه علّم الشباب الغناء تحت التهديد، والزحف تحت التهديد، وأن يشتم كل منا صاحبه، وهذه حفلة من حفلات يوم التفتيش!
* ماذا يعنى يوم التفتيش؟!
** كل سجين فى مصر، جنائى أو سياسى، يعرف أن يوم الرعب هو يوم التفتيش، والذى يبدأ بتسريب أخبار من بعض المجندين أو المخبرين أن غدًا سيكون يوم تفتيش، كنوع من الدِّعاية النفسية لإرهاق الأعصاب؛ حتى لا ننام هذه الليلة من أهوال ما نعلمه فى هذا اليوم.
* هل من الممكن أن تشرح لنا حفلة من حفلات هذا اليوم؟
** لن أحكى لك وحدى، ولكن ستحكى معى قطتى، واسمها "فيتر"، كانت قبل دخول الكلاب البوليسية التى كانت تصحب التفتيش، كانت القطة تحرك أذنيها بصورة مرعبة، وتتخلى عنى فجأة، وتقفز من فتحة، مساحتها 12×12 سم، وهى التى كانت مخصصة لدخول الطعام والهواء، وكنت لا أرى هذه القطة إلا فى اليوم الثانى من هول ما يرى ويسمع، وكانت الصيحات تبدأ بنشيد عبارة عن تبجيل لأحد القيادات المعروفة ببطشها داخل السجن، وتردد: "عمر بيه.. عمر بيه. بيعلمنا الكارتيه"!، أو صيحات لإرهابنا بترديد: "وسّع وسّع يا كتكوت.. خلِّلى القوة الضاربة تفوت"!، ثم يتم إدخال القوات الخاصة إلى العنابر بالعِصِىّ الكهربائية والزى المزركش، وتبدأ الحفلة يومًا كاملاً من الضرب والركل، لدرجة أن بعض المعتقلين السياسيين كان يُغمى عليه، ومنهم مَن حدث له انزلاق غضروفى من كثرة الضرب وأهوال أخرى، لا يصدقها بشر.
* كلاب بوليسية وضرب وركل، كأنكم كنتم فى سجن أبو غريب وليس فى سجون مصر؟!
** بدون تهويل، الذى رأيناه فى سجون مصر يفوق أى وصف، ولو تم عرضه لما صدق أحد أن هذا يحدث فى مصر، وسوف أختزل لك السجون المصرية فى مشهد طبيعى ومتكرر، كان من أبجديات التعامل البوليسى القهرى، وذلك فى يوم لا ينساه أحد ممن حضره؛ فقد كنا فى سجن "ليمان طرة"، وتم اقتيادنا بين عنابر 3،2،1، عند النافورة، ويعلم ذلك مَن دخل العنبر السياسى، ثم أحضروا أحد الإخوة ممن كانوا قد قرروا معاقبته؛ لأنه أغلق الباب فى وجه الجاويش كنوع من الاعتراض للتعبير عن بعض حقه، فأحضروه كما ولدتْه أمه، ثم أحضروا جرادل البول والصرف، ثم صبّوها عليه بطريقة هيستيرية لإظهار التشفى، وكان الأخ مقيَّدًا بالسلاسل، ولا يستطيع حراكًا، وهذه القصة من أسوأ أيام حياتى، ناهيك عن حلق اللحى وشعر الرأس بطريقة مشوهة، حيث كانوا يقومون بحلق ربع الرأس، وترك الباقى، وكذلك فى اللحية، حلق بعضها، وترك الباقى فى صورة من أبشع صور الإذلال المعنوى.
* حينما كتب الإخوان مذكراتهم عن السجون، كانت لا تخلو من طرائف، فهل لديك بعض الطرائف؟
** أنا أعلم أن الحسد محرم فى الإسلام، ولكن كنت أحسد العُصفورة التى كانت تقف على باب الزنزانة، وأقول لها: اذهبى إلى أى حديقة، لماذا تعيشين داخل هذا العذاب؟!، وكنت ذات مرة فى فصل الشتاء، وكان الجو قارسًا جدًا، وكنت أطلب دخول "بلوفر" لى، ولكن منعوه أكثر من مرة، فحسدت أحد كلاب الحراسة! والذى كان يرتدى ما يشبه البلوفر أو الجاكت، ومكتوبًا عليه "مصلحة السجون"!، وكان من شدة الدفء يغط فى النوم، ويخرج لسانه لى!، فقلت فى نفسى: بدلاً من أن تُخرج لسانك لى أعطِنِى ما تلبَسه، وكفاية عليك الفروة الربانية.
ولكن من أظرف المواقف التى مرَّت بى أن أحد حراس السجن بعد التفتيش كان يعاملنى معاملة راقية جدًا، فقلت فى نفسى: الدنيا مازالت بخير!، وفجأة انقلب علىَّ وصارت المعاملة سيئة جدًا، ثم قال لى: كنت أظنك قريب رجل الأعمال "أحمد الريان"، فعرفت أنه كان يعاملنى طمعًا فى أن يكسب أموالاً من خلالى، فلما تبين له أنه تشابه أسماء سقط قناعه!
* نترك السجون بأفراحها وأتراحها وأريد أن أعرف منك أصعب موقف بعد الخروج؟
** أصعب شىء كنت أمرّ به هو خروجى من السجن لأنعم بالحرية، ولكن الكل كان يخاف منك، فتحولت من سجن صغير إلى سجن كبير، واشتد ذلك بصعوبة الظروف المعيشية وتنوع ضغوطها، ناهيك عن الأمراض؛ خاصة وأنا مريض ولا أعمل إلا بكُلْية واحدة، ومع ذلك كان نظام أمن الدولة يقوم بمتابعتنا أولاً بأول، وظل هذا حالنا حتى قيام الثورة المباركة.
* ما هو أفضل شىء قدمته لك الثورة؟
** استطعت أن أعبر عن نفسى؛ خاصة وأننى اتُّهِمت فى عِرضى، ولم يقم أحد بالرد علىَّ؛ ولذا أنا أشكر "المصريون"؛ لأنها تبنَّت قضيتى، وكذلك أشكر الشيخ محمد عبد المقصود الذى دافع عن عرضى من فوق المنابر منذ أكثر من 20 سنة، فى وقت كان يُحسب للكلمة ألف حساب، ولكن أنا حزين لمَن أُتيحت له الفرصة من إخوانى، وخاصة مَن خرج على الفضائيات كثيرًا، ولم يدافع ويَذُدْ عن عِرضى.
* كيف ترى الثورة الآن؟
** الثورة مرت بمراحل مختلفة، ووُضعت أمامها العراقيل لإجهاضها، ولكن المشهد الأخير فى جمعة "تقرير المصير"، والذى كنت أتمنى أن يكون منذ عدة شهور مضت؛ خاصة وأن الوقود الثورى هناك محاولات جادة لاختزاله بين قطبين إسلاميين وليبراليين، وأنا أرفض ذلك تمامًا؛ لأنى أعترف بالجميل لكل الحركات الثورية، وشباب الثورة الذين ألتقى بهم، وأرى فيهم الصدق لهذا الوطن.
* كيف ترى العلاقة بين النخبة (إسلامية وليبرالية) وبين شباب الثورة؟
** باعتبار أنى قضيت معظم حياتى داخل العمل الإسلامى، أرى من خلال الهدْى النبوى ضرورة تقدير طاقات الشباب وتوظيفها؛ لأنهم أول مَن فجَّرها، ولكن فى الواقع العملى أعتقد أن هذا يحتاج إلى جهد من المخلصين من شيوخ الثورة المجمع على نزاهتهم، كما أنى أؤمن من خلال تجربتى أن الثورة لن تنتهى حتى تضع كل واحد فى حجمه الطبيعى، وتفرز الصادق من المزايِد والمتاجِر بالثورة.
* ماذا تتمناه الآن بعد الثورة؟
** أتمنى أن أرى محاكمة عادلة وناجزة لمبارك، وأتمنى من وسائل الإعلام الشريفة أن تدخل كل سجون مصر، وتصوِّر الزنازين التى عشنا فيها؛ حتى يعرف أولاد "مبارك" ماذا فعل أبوهم بأبناء البطة السوداء!
* اشتُهر عنك أنك كنت تمارس أعمال بلطجة، كما اشتهر عنك أيضًا أنت كنت تعمل طبالاً؟!
** بكل بساطة، أنا من أبناء مِنطقة شعبية، ومَن كان له دليل على ذلك فليقدِّمْه، وأنا ما دخلت فى حياتى قسم شرطة إلا كصاحب قضية وطنية، وكذلك كل ما كان يروَّج له أنى أقوم بقطع الأيادى، فليُخرجْ مَن قمت بقطع يده، ويقاضينى، ولكنها أساطير صنعها النظام السابق، ويا لَلأسف مازالت بعض القنوات ترددها بدون أدنى مِهنية، وتتلقّفها لأجل "الشو الإعلامى".
كما أريد أن أؤكد أنى أحمل جواز سفر، وأنا فى الثانية والعشرين من عمرى، وعملت فى شركات مرموقة كفنى كهرباء.
* باعتبارك شخصية مشهورة داخل الجماعة، هل أنت على مسافة واحدة من القيادات؟
** بكل صراحة، هناك من القيادات مَن يتمتع بأخلاقيات وذوق عالٍ جدًا كالدكتور عصام دربالة والدكتور ناجح والدكتور طارق الزمر والشيخ عبود الزمر، وهناك مَن لا أحب التعليق على مواقفه؛ وخاصة أننا فى حاجة ماسة لذوبان الحظوظ النفسية والتعالى على الذات، الذى مازلت أراه فى بعض الأشخاص، وأتمنى أن يترفعوا عنه، وهذا لكل أطياف التيار الإسلامى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.