احتفالية الأزهر باليوم العالمي للأخوة الإنسانية تؤكد مركزية القيم الأخلاقية في بناء السلم المجتمعي    الصادرات المصرية ترتفع 15.8% خلال 11 شهرا وتسجل 47.5 مليار دولار    تراجع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 1.7%    شركات السكر تتوقف عن التوريد للأسواق.. والطن يرتفع 4 آلاف جنيه خلال يومين    فيديو.. مراسم استقبال رسمية لأردوغان في قصر الاتحادية    وزيرا الدفاع اليوناني والأمريكي يناقشان أسس التعاون الدفاعي الاستراتيجي    لاستغلالها في أعمال التسول.. المؤبد لعاملة خطف طفلة غرب الإسكندرية    رئيس «هيئة الاستثمار»: منتدى الأعمال المصري-التركي فرصة لإطلاق شراكات اقتصادية جديدة    تموين الأقصر تفتح أبواب معارض أهلاً رمضان بأسعار مخفضة فى البياضية.. صور    المعهد القومي للاتصالات يختتم فعاليات «ملتقى التوظيف الأول»    وزارة العمل تُعلن عن فرص عمل بالأردن في مجال المقاولات الإنشائية.. ورابط للتقديم    رفع الجلسة العامة ل النواب ومعاودة الانعقاد 16 فبراير    إسرائيل توقف تنسيق سفر الدفعة الثالثة من مرضى وجرحى غزة عبر معبر رفح    الأزهر الشريف يحتفل باليوم العالمي للأخوة الإنسانية في ذكرى توقيع «الوثيقة»    مسئولة جزائرية: اجتماع المجلس الاقتصادي والاجتماعي يبحث تطورات منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى    شبكة بريطانية تحذر نيوكاسل من خطورة عمر مرموش في قمة كأس الرابطة    بعد تأهل برشلونة، موعد قرعة نصف نهائي كأس ملك إسبانيا 2026    انفرجت الأزمة.. روبن نيفيز يمدد تعاقده مع الهلال حتى 2029    أحمد عبد القادر يعلن رحيله عن الأهلي    صندوق النقد: مصر التزمت بالجدية فى تحقيق أهداف برنامج الإصلاحات الاقتصادية    بدء تنفيذ حجب لعبة روبلوكس في مصر اعتبارًا من اليوم    وزارة الزراعة: حملات مكثفة لضمان توافر السلع الصالحة قبل رمضان    الداخلية تكشف ملابسات فيديو سرقة سيارة بأسوان وتضبط المتهم    بعد تكريمها عن "نجيب محفوظ"، المصرية للكاريكاتير: إرث أديب نوبل ما زال مصدرا للإلهام    تشييع جنازة والد علا رشدى من مسجد الشرطة.. وأحمد السعدنى أبرز الحاضرين    البلوجر أم جاسر كلمة السر في وقف مسلسل روح OFF نهائيًا    خالد محمود يكتب : برلين السينمائي 2026: افتتاح أفغاني يكسر منطق «الأفلام الآمنة»    وكيل صحة الأقصر يبحث الارتقاء بالخدمات المقدمة بالوحدات بإدارة الزينية    في اليوم العالمي للسرطان.. استشاري أورام يكشف أخطر الشائعات التي تؤخر العلاج    جامعة قناة السويس تطلق قافلة تنموية شاملة لخدمة أهالي حي الجناين    طريقة عمل طاجن بامية باللحم في الفرن، وصفة تقليدية بطعم البيوت الدافئة    إعلان القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها ال19    محافظ أسيوط يكرم حفظة القرآن الكريم بمركز أبنوب فى مسابقة الفرقان    الهيئة البرلمانية للمصري الديمقراطي تطلق أولى فعاليات الورشة التدريبية لإعداد المساعدين البرلمانيين    «برلماني» يطالب بتوجيه منحة الاتحاد الأوروبي للقطاع الصحي    محافظ كفرالشيخ يهنئ رئيس الجامعة الجديد ويبحثان عدد من الملفات المشتركة    الإدارة والجدارة    إحالة أوراق متهمين بقتل شخص بسبب خصومة ثأرية فى سوهاج إلى فضيلة المفتى    "الداخلية" تضبط 116 ألف مخالفة وتسقط 59 سائقاً تحت تأثير المخدرات    ضبط 12 شخصا بعد مشاجرة بين عائلتين فى قنا    وزير الثقافة يصدر قرارا بتعيين الدكتورة نبيلة حسن سلام رئيسا لأكاديمية الفنون    فضيحة تسريب جديدة في قضية إبستين.. وزارة العدل الأمريكية تقر بوجود أخطاء جسيمة في تنقيح الملفات    تشاهدون اليوم.. الزمالك يلتقي بكهرباء الإسماعيلية ومانشستر سيتي يصطدم بنيوكاسل    سبورت: تشيزني يتقبل واقعه في برشلونة دون افتعال الأزمات    إصابة 13 شخصًا في انقلاب ميكروباص بطريق الدواويس - الإسماعيلية    سموحة وبيراميدز في مواجهة حاسمة بالدوري المصري    هل ما زالت هناك أغانٍ مجهولة ل«أم كلثوم»؟!    إيبارشية حلوان والمعصرة توضح ملابسات أحداث كنيسة 15 مايو: لا تنساقوا وراء الشائعات    جيش الاحتلال: نفذنا قصفا مدفعيا وجويا ردا على استهداف قواتنا بشمال غزة    التشكيل المتوقع للزمالك أمام كهرباء الإسماعيلية بالدوري    موهبة إفريقية على رادار الأهلي.. عبد الجواد يكشف كواليس صفقة هجومية تحت السن    بورسعيد والصعيد أعلى خطوط السكك الحديدية تأخيرا    إسلام الكتاتني يكتب: 25 يناير المظلومة والظالمة «3»    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    بعد منعه من الظهور.. هاني مهنا يعتذر عن تصريحاته: تداخلت المواقف والأسماء بحكم السنين    على من يجب الصوم؟.. أمينة الفتوى تجيب    الأزهر للفتوى: تحويل القبلة يؤكد وسطية أمة الإسلام والعلاقة الوثيقة بين المسجدين الحرام والأقصى    دعاء استقبال شهر رمضان.. كلمات إيمانية لاستقبال الشهر الكريم بالطاعة والرجاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



انفراد : القصة الكاملة لأسطورة الشيخ جابر "رئيس جمهورية امبابة"
نشر في المصريون يوم 27 - 04 - 2012

حى إمبابة من الأحياء الشعبية العريقة، والذى يعد أكبر أحياء محافظة الجيزة، ويبدو أنها منذ نشأتها وهى محط للحركات الثورية وبؤرة لصد العدوان، فقد شهدت معركة فاصلة أمام الفرنسيين، وطالما ذكرها الجبرتى فى تاريخه أنها كانت ملاذًا للمماليك فى حالة الضغط المسلح عليهم، وهذه المدينة اشتهرت فى عقد التسعينيات ب"جمهورية إمبابة" والتى اقترنت برئيسها الشيخ "جابر ريان".
"المصريون" اخترقت هذه الجمهورية، وقامت بحوار مع رئيسها؛ لتتعرف على الأحداث المثيرة التى دارت فى عِقد التسعينات، وانتهت بفتح باب السجون أمام أبناء إمبابة والذين قضَوْا فيها ربيع العمر، بل البعض مازال يقضى أحكامًا جائرة منذ نظام المخلوع، ولم يتم الإفراج عنه حتى الآن.
* بداية، يا شيخ جابر، الكثير لا يعرف عنك إلا أنك كنت رئيسًا لجمهورية إمبابة.. نريد أن نتعرف عليك من قرب؟
** أنا من مواليد حى بولاق أبو العلا، وأبى وأمى لهما جذور صعيدية من محافظة أسيوط، ونشأت فى هذا الحى الذى تعلمت فيه أسلوب أولاد البلد، وقضيت حياتى كفنى كهرباء منذ عام 1972 عند خواجة، يسمى الخواجة "رزق" بشارع شامبليون، وكانت هوايتى تشجيع الأهلى، وتغيرت حياتى بعد ذَهابى إلى العراق، وبدأت أواظب على الصلوات هناك أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وبعد الرجوع إلى مصر تعرفت على جماعة "التبليغ والدعوة"، وكان صديقى الشيخ "مسعد قطب"من أبناء الإخوان، والذى قُتل فى التسعينيات فى ظروف غامضة، وأنا متزوج، ولدىَّ 5 بنات و3 ذكور و6 أحفاد.
* الشيخ جابر، قبل أن نترك حياتك العائلية أُثير حولك الكثير من أنك متزوج بعدد من النساء؟
** أنا الآن لست متزوجًا إلا من واحدة، ولكن تزوجت قبل ذلك أكثر من مرة، وقد وظف النظام السابق حياتى العائلية بأسلوب تشهيرى، فى حين أنه كان يعظم الأفلام والمسلسلات الغرامية والتى تروج للحياة غير الشرعية!
* نريد أن نتعرف على طريقة انضمامك للجماعة الإسلامية؟
** حينما انضممت لجماعة التبليغ والدعوة، مع احترامى لهم ولحسن نياتهم، كان الحديث السائد بيننا الابتعاد عن الحديث فى أمور السياسة، وأنها لا تحرك ساكنًا، وأنا نشأت فى أسرة مصرية، وكان والدى يعشق الرئيس عبد الناصر، ويرى فيه المخلص للكرامة العربية!، وكان مستاءً مما فعله السادات من التطبيع مع "إسرائيل"، فعندما انتقلنا إلى حى إمبابة تعرفت على كوادر الجماعة الناشئة فى ذلك الوقت، وكان من بينهم الشيخ "على عبد الظاهر والشيخ عرفان والشيخ محمد البكرى"، وهم من كوادر الجماعة الإسلامية فى إمبابة، وكان حديثهم عن إقامة دولة إسلامية على منهاج النبوة وتحرير أراضى المسلمين، فوافق ذلك ما كنت أتمناه بطبيعة تربيتى.
* أريد أن أعرف منك طبيعة عمل الجماعة الإسلامية فى حى إمبابة؟
** بدأت دعوة الجماعة الإسلامية فى إمبابة فى منتصف الثمانينيات فى مسجد الرحمن فى شارع 14 بشارع الاعتماد، وكان هو المسجد الأم، وهو كبير فى أفعاله، ولكنه كان صغيرًا فى حجمه، وتم إغلاقه من قِبَل قوات الأمن أكثر من مرة، ثم حوَّلوه بعد ذلك إلى بقالة، ثم إلى محلات حتى هذه اللحظة!
وبطبيعة عملى لم أكن ممن يجيد فن الخطابة واعتلاء المنابر، ولكن كانت هناك كوادر لديها القدرة على ذلك، فكانت تقوم بدور الترشيد للأهالى وبناء النشء الصغير بتشجيعه على حفظ القرآن وتعليمه أحكامَ التلاوة والقيام ببعض الرحلات الترفيهية؛ مما زاد فى شعبية الجماعة داخل إمبابة.
* هل كانت هناك أمور أخرى كان لها دور مؤثر فى صعود الجماعة على الساحة؟
** من أبرز الأمور التى أدت إلى ظهور الجماعة على الساحة داخل إمبابة، الأعمال الاجتماعية والمجالس العرفية التى كانت الجماعة تقوم فيها بفض المنازعات، خاصة أن أهل إمبابة الأغلبية العظمى منهم هم امتداد لعائلات عريقة بالصعيد، وتعرف الأصول، واحترام المجالس العرفية.
ولا أنكر أنه كان هناك بعض الأخطاء فى طريقة التغيير، ولا يوجد مَن هو معصوم، وأهالى إمبابة أنا أثق بتقديرهم، حينما يقارنون بين الحالة التى كنا فيها، وبين الانفلات بشتى أنواعه فى هذه الأيام.
* إذا كانت أخطاءً قليلة، فكيف فهمنا أن إمبابة "دولة داخل الدولة"؟
** الذى أريد أن أؤكده أن الأمن كان يريد ضرب الجماعة الإسلامية على مستوى الجمهورية لعقيدته السائدة بضرب أى فصيل إسلامى له أى مخايل للصعود الجماهيرى، وليس الأمر على مستوى الجماعة فى إمبابة فقط، ولكن استغل بعض الأخطاء التى وقعت، وسلط عليها الضوء، وكان يملك هالة إعلامية خارقة مازلنا نعانيها حتى الآن، فمثلاً على سبيل المثال كنا فى مسيرة العيد التى تقوم بها الجماعة، وهى مسيرة معتاد عليها، حتى أن الحزب الوطنى فيما بعد كان يقوم بمسيرات كنوع من الدعاية، وكنت فى إحدى المسيرات أركب حِصانًا وحولى بعض الإخوة يركبون دراجات بخارية، ولكن يم التركيز على صورتى أنا فقط، وقامت بعض الصحف المغرضة بترويج أن الشيخ جابر يطبق الحدود، ويقطع الأيادى من فوق صهوة حصان، وأن إمبابة صارت دولة داخل الدولة!
* ما هى القشّة التى قصمت ظهر البعير، واستغلها الأمن فى اقتحام إمبابة؟
** عندما حدث زلزال أكتوبر 1992 قمنا بعمل اجتماعى لمساعدة الأهالى، فقامت إحدى الوكالات بعمل حوارات معنا، وأظهرت من داخل هذا الحوار أن الجماعة الإسلامية ما هى إلا دولة داخل الدولة، وتسيطر على الناس وهيَّجت الرأى العام بذلك.
* كيف تم اقتحام إمبابة، وما هى طريقة اعتقال الإسلاميين؟
** حينما تهيَّأت الأجواء من خلال الإعلام قام رجال الأمن بطريقة كان مبيتًا لها، وهى أنه قام ولأول مرة، ولم يفعلها بعد ذلك، وهى قيامه برصف الطرق، وكان أولها شارع الاعتماد الذى أعيش فيه، وكذلك شارع الأقصر، وتم حصار إمبابة بالكامل، ووضْع نقط تفتيش على كل شارع، والذى أؤكده من خلال المصادر الرسمية فى ذلك الوقت، أنه تم إنزال 22 ألف مجند من قوات الأمن المركزى والقوات الخاصة، وتحولت منطقة إمبابة إلى ثكنة عسكرية!، ناهيك عن المدرعات التى كانت تكفى لتحرير بيت المقدس!، وتم تفتيش كل منزل من منازل إمبابة للبحث عن أى إسلامى، ولم يتركوا منزلاً واحدًا، ويبدو أن الرئيس الليبى المقتول القذافى استوحى مصطلح "زنقة.. زنقة، دار.. دار"! من النظام السابق، وتم القبض علىَّ بعد الاقتحام بثلاثة أيام.
* هل الذى حدث فى إمبابة مشهد لم يكرره الأمن بعد ذلك؟
** الأمن كرر مشاهد مرعبة فى كل أنحاء مصر، وخاصة مع الإسلاميين، وأريد أن أؤكد لك أن هناك كثيرًا من البيوت تم هدمها فى صعيد مصر، وأراضى تم تبويرها؛ لأن أصحابها هجروها هروبًا من جحيم النظام السابق، لدرجة أن الرئيس المخلوع عتب على إسحاق رابين رئيس وزراء "إسرائيل" السابق بأنه يهدم بيوت الفلسطينيين فرد عليه رابين وأنت تهدم بيوت الإسلاميين.
* أنا رأيتك وأنت على القناة الأولى بعد القبض عليك، أريد أن تحكى لى هذه اللحظة؟
** بعد القبض علىَّ ذهبت إلى مبنى التحقيقات، لا أدرى أى مبنى ذهبوا بى إليه، وفجأة تم نقلى داخل "جراج"، وكانت حالتى كما رأيتنى عليها، ثم فوجئت بإحدى المذيعات، ومعها رجال الأمن وتم الحوار معى بطريقة إرهاب، وهناك كلام أستحى أن أقوله، ولكن تم عرضه لتشويهى، وأتمنى أن يعيد التليفزيون المصرى ويعرض فى نفس الوقت لقطة دخول مبارك على السرير، فهل أبناء الشعب هم أبناء البطة السوداء؟!
* النظام السابق قام بخلْعك واعتقالك، كيف ترى صورة مَن قام بخلعك؟
** أريد أن أعلّمك أنى عاشق للكوميديا، وأتخيَّل أنى رئيس جمهورية سابق، ولكن أرجو من جريدة "المصريون" التى تتبنَّى قضيتى، أن تنشر صورتى، وأنا مقبوض علىَّ وحولى الكوماندوز المصرى، وأنا معصوب العينين، وصور مبارك، وهو فى طريقه للمحكمة، وهو على بِساط سليمان السحرى - كما تحكى الأساطير - كنت أتمنى أن أكون بجواره أنا ومَن قام بتعذيبهم، ومعنا رِيش النعام، ونقول له: "احكى يا شهرزاد".
* بعد القبض عليك بهذه الطريقة الوحشية ودخولك المعتقل، أرجو أن تحكى لنا يومًا من أيام اعتقالك؟
** أنا اعتُقلت 14 عامًا، كلها شجون وأحزان، ولكن لا أنسى أول يوم تم إلقائى فيه فى زنزانة وأربعة آخرين على أسفلت الزنزانة، وقد قام بتعذيبى مجموعة من الضباط، ولكن لا أنسى فى هذه الحفلة ما كان يقوم به "جاويش"، كان مخصصًا للبصق فى وجهى أثناء ذهابى إلى النيابة، والتى أخلت سبيلى بعد ذلك، وهذا أجمل شىء فى مصر أن ترى بعض الشرفاء كمنارات للأصالة المصرية فى بعض الظروف الحالكة، وكان هذا الجاويش يقوم بالبصق علىَّ أمام كل المساجين فى حوش السجن!
* باعتبارك عاشقًا للكوميديا، "المخلوع" قال فى إحدى خُطبه إنه لن يأتى عام 2000 إلا وكل الشباب سيركبون سيارات؟!
** نعم، الشباب ركب كل السيارات المصفَّحة والمغلقة، بل من إنجازاته أنه علّم الشباب الغناء تحت التهديد، والزحف تحت التهديد، وأن يشتم كل منا صاحبه، وهذه حفلة من حفلات يوم التفتيش!
* ماذا يعنى يوم التفتيش؟!
** كل سجين فى مصر، جنائى أو سياسى، يعرف أن يوم الرعب هو يوم التفتيش، والذى يبدأ بتسريب أخبار من بعض المجندين أو المخبرين أن غدًا سيكون يوم تفتيش، كنوع من الدِّعاية النفسية لإرهاق الأعصاب؛ حتى لا ننام هذه الليلة من أهوال ما نعلمه فى هذا اليوم.
* هل من الممكن أن تشرح لنا حفلة من حفلات هذا اليوم؟
** لن أحكى لك وحدى، ولكن ستحكى معى قطتى، واسمها "فيتر"، كانت قبل دخول الكلاب البوليسية التى كانت تصحب التفتيش، كانت القطة تحرك أذنيها بصورة مرعبة، وتتخلى عنى فجأة، وتقفز من فتحة، مساحتها 12×12 سم، وهى التى كانت مخصصة لدخول الطعام والهواء، وكنت لا أرى هذه القطة إلا فى اليوم الثانى من هول ما يرى ويسمع، وكانت الصيحات تبدأ بنشيد عبارة عن تبجيل لأحد القيادات المعروفة ببطشها داخل السجن، وتردد: "عمر بيه.. عمر بيه. بيعلمنا الكارتيه"!، أو صيحات لإرهابنا بترديد: "وسّع وسّع يا كتكوت.. خلِّلى القوة الضاربة تفوت"!، ثم يتم إدخال القوات الخاصة إلى العنابر بالعِصِىّ الكهربائية والزى المزركش، وتبدأ الحفلة يومًا كاملاً من الضرب والركل، لدرجة أن بعض المعتقلين السياسيين كان يُغمى عليه، ومنهم مَن حدث له انزلاق غضروفى من كثرة الضرب وأهوال أخرى، لا يصدقها بشر.
* كلاب بوليسية وضرب وركل، كأنكم كنتم فى سجن أبو غريب وليس فى سجون مصر؟!
** بدون تهويل، الذى رأيناه فى سجون مصر يفوق أى وصف، ولو تم عرضه لما صدق أحد أن هذا يحدث فى مصر، وسوف أختزل لك السجون المصرية فى مشهد طبيعى ومتكرر، كان من أبجديات التعامل البوليسى القهرى، وذلك فى يوم لا ينساه أحد ممن حضره؛ فقد كنا فى سجن "ليمان طرة"، وتم اقتيادنا بين عنابر 3،2،1، عند النافورة، ويعلم ذلك مَن دخل العنبر السياسى، ثم أحضروا أحد الإخوة ممن كانوا قد قرروا معاقبته؛ لأنه أغلق الباب فى وجه الجاويش كنوع من الاعتراض للتعبير عن بعض حقه، فأحضروه كما ولدتْه أمه، ثم أحضروا جرادل البول والصرف، ثم صبّوها عليه بطريقة هيستيرية لإظهار التشفى، وكان الأخ مقيَّدًا بالسلاسل، ولا يستطيع حراكًا، وهذه القصة من أسوأ أيام حياتى، ناهيك عن حلق اللحى وشعر الرأس بطريقة مشوهة، حيث كانوا يقومون بحلق ربع الرأس، وترك الباقى، وكذلك فى اللحية، حلق بعضها، وترك الباقى فى صورة من أبشع صور الإذلال المعنوى.
* حينما كتب الإخوان مذكراتهم عن السجون، كانت لا تخلو من طرائف، فهل لديك بعض الطرائف؟
** أنا أعلم أن الحسد محرم فى الإسلام، ولكن كنت أحسد العُصفورة التى كانت تقف على باب الزنزانة، وأقول لها: اذهبى إلى أى حديقة، لماذا تعيشين داخل هذا العذاب؟!، وكنت ذات مرة فى فصل الشتاء، وكان الجو قارسًا جدًا، وكنت أطلب دخول "بلوفر" لى، ولكن منعوه أكثر من مرة، فحسدت أحد كلاب الحراسة! والذى كان يرتدى ما يشبه البلوفر أو الجاكت، ومكتوبًا عليه "مصلحة السجون"!، وكان من شدة الدفء يغط فى النوم، ويخرج لسانه لى!، فقلت فى نفسى: بدلاً من أن تُخرج لسانك لى أعطِنِى ما تلبَسه، وكفاية عليك الفروة الربانية.
ولكن من أظرف المواقف التى مرَّت بى أن أحد حراس السجن بعد التفتيش كان يعاملنى معاملة راقية جدًا، فقلت فى نفسى: الدنيا مازالت بخير!، وفجأة انقلب علىَّ وصارت المعاملة سيئة جدًا، ثم قال لى: كنت أظنك قريب رجل الأعمال "أحمد الريان"، فعرفت أنه كان يعاملنى طمعًا فى أن يكسب أموالاً من خلالى، فلما تبين له أنه تشابه أسماء سقط قناعه!
* نترك السجون بأفراحها وأتراحها وأريد أن أعرف منك أصعب موقف بعد الخروج؟
** أصعب شىء كنت أمرّ به هو خروجى من السجن لأنعم بالحرية، ولكن الكل كان يخاف منك، فتحولت من سجن صغير إلى سجن كبير، واشتد ذلك بصعوبة الظروف المعيشية وتنوع ضغوطها، ناهيك عن الأمراض؛ خاصة وأنا مريض ولا أعمل إلا بكُلْية واحدة، ومع ذلك كان نظام أمن الدولة يقوم بمتابعتنا أولاً بأول، وظل هذا حالنا حتى قيام الثورة المباركة.
* ما هو أفضل شىء قدمته لك الثورة؟
** استطعت أن أعبر عن نفسى؛ خاصة وأننى اتُّهِمت فى عِرضى، ولم يقم أحد بالرد علىَّ؛ ولذا أنا أشكر "المصريون"؛ لأنها تبنَّت قضيتى، وكذلك أشكر الشيخ محمد عبد المقصود الذى دافع عن عرضى من فوق المنابر منذ أكثر من 20 سنة، فى وقت كان يُحسب للكلمة ألف حساب، ولكن أنا حزين لمَن أُتيحت له الفرصة من إخوانى، وخاصة مَن خرج على الفضائيات كثيرًا، ولم يدافع ويَذُدْ عن عِرضى.
* كيف ترى الثورة الآن؟
** الثورة مرت بمراحل مختلفة، ووُضعت أمامها العراقيل لإجهاضها، ولكن المشهد الأخير فى جمعة "تقرير المصير"، والذى كنت أتمنى أن يكون منذ عدة شهور مضت؛ خاصة وأن الوقود الثورى هناك محاولات جادة لاختزاله بين قطبين إسلاميين وليبراليين، وأنا أرفض ذلك تمامًا؛ لأنى أعترف بالجميل لكل الحركات الثورية، وشباب الثورة الذين ألتقى بهم، وأرى فيهم الصدق لهذا الوطن.
* كيف ترى العلاقة بين النخبة (إسلامية وليبرالية) وبين شباب الثورة؟
** باعتبار أنى قضيت معظم حياتى داخل العمل الإسلامى، أرى من خلال الهدْى النبوى ضرورة تقدير طاقات الشباب وتوظيفها؛ لأنهم أول مَن فجَّرها، ولكن فى الواقع العملى أعتقد أن هذا يحتاج إلى جهد من المخلصين من شيوخ الثورة المجمع على نزاهتهم، كما أنى أؤمن من خلال تجربتى أن الثورة لن تنتهى حتى تضع كل واحد فى حجمه الطبيعى، وتفرز الصادق من المزايِد والمتاجِر بالثورة.
* ماذا تتمناه الآن بعد الثورة؟
** أتمنى أن أرى محاكمة عادلة وناجزة لمبارك، وأتمنى من وسائل الإعلام الشريفة أن تدخل كل سجون مصر، وتصوِّر الزنازين التى عشنا فيها؛ حتى يعرف أولاد "مبارك" ماذا فعل أبوهم بأبناء البطة السوداء!
* اشتُهر عنك أنك كنت تمارس أعمال بلطجة، كما اشتهر عنك أيضًا أنت كنت تعمل طبالاً؟!
** بكل بساطة، أنا من أبناء مِنطقة شعبية، ومَن كان له دليل على ذلك فليقدِّمْه، وأنا ما دخلت فى حياتى قسم شرطة إلا كصاحب قضية وطنية، وكذلك كل ما كان يروَّج له أنى أقوم بقطع الأيادى، فليُخرجْ مَن قمت بقطع يده، ويقاضينى، ولكنها أساطير صنعها النظام السابق، ويا لَلأسف مازالت بعض القنوات ترددها بدون أدنى مِهنية، وتتلقّفها لأجل "الشو الإعلامى".
كما أريد أن أؤكد أنى أحمل جواز سفر، وأنا فى الثانية والعشرين من عمرى، وعملت فى شركات مرموقة كفنى كهرباء.
* باعتبارك شخصية مشهورة داخل الجماعة، هل أنت على مسافة واحدة من القيادات؟
** بكل صراحة، هناك من القيادات مَن يتمتع بأخلاقيات وذوق عالٍ جدًا كالدكتور عصام دربالة والدكتور ناجح والدكتور طارق الزمر والشيخ عبود الزمر، وهناك مَن لا أحب التعليق على مواقفه؛ وخاصة أننا فى حاجة ماسة لذوبان الحظوظ النفسية والتعالى على الذات، الذى مازلت أراه فى بعض الأشخاص، وأتمنى أن يترفعوا عنه، وهذا لكل أطياف التيار الإسلامى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.