خسرت القوة الناعمة أمس سلاحًا قويًّا ومؤثرًا بوفاة الكاتب الكبير وحيد حامد، ابن القرية العنيد، الطموح، الذى طالما أشهر سيفه أمام وقائع الفساد وأضاء لنا أنوارًا لنتطلع بها على المستقبل. عرفت الكاتب وحيد حامد عن قرب، وعشت بجانبه سنوات، وتعلمت منه الكثير وأدركت على يده أشياء لم أعرفها من قبل، وكان دائمًا يحكى لى عن تفاصيل حياته وبداياته وعلاقته بنجله الوحيد مروان، وأشياء أخرى كان يحلم بها ويتمناها. عرفت مدى حبه وشغفه لمهنته، وعشقه للكتابة التى لم تكن أبدًا وسيلة ل«أكل العيش» أو لتحقيق الثراء ولكنه استخدمها فقط لطرح أفكاره وما يريد أن يقوله، لم يطمع إطلاقًا فى منصب ولم تشغله الألقاب ولكن شغله دائمًا كشف المستور وتنوير الناس. حكى لى الأستاذ- وهو اللقب الذى أطلق عليه بشكل عفوى من الجميع لأنه فقط كان المعلم والأستاذ لكل من عرفه- أنه قرر ترك الصحافة التى بدأ فيها مشوراه فى الوقت الذى تلقى فيه خبر تعيينه، وترك التعيين والوظيفة من أجل عيون كتابة الدراما لأن صاحب «بالين» كذاب، على حد قوله، فى الوقت الذى لا يملك فيه أى مدخرات تحميه من الزمن القادم المجهول فى مهنته الجديدة. عانى الكاتب الكبير فى بداياته كثيرًا وأحيانًا كان يقترض لكى يعيش، وأن يوفر غذاء لطفله، فى الوقت الذى كان يتلقى فيه الكثير من العروض، التى كان يراها تقيد من حريته، وقال إنه تلقى الكثير من العروض من الكويت للسفر والعمل هناك لكنه رفض، كما تلقى عروضًا أخرى لإخراج أعماله مثل باقى جيله ولكنه أيضا رفض لأنه لا يريد أن يعمل فى مهنة لا يمتلك أدواتها، أيضا تلقى عروضًا للعمل لصالح شركات بعينها وتكون كل كتاباته لها ورفض أيضًا هذا العرض لأنه رفض أن يكون مقيدًا. وحيد حامد كان كالفتى الطائر لا يريد من أى أحد أن يسجن أفكاره أو يحدد مساره، ناضل ودافع وقاتل وتعرض للتهديد بسبب أعماله، ولكنه كان مقاتلًا صلبًا فى معاركه، كان لا ينحاز إلا للناس حتى لو كان أمام «الغول». لم يقبل أن يرى مصر ضعيفة ولم يتحمل فراقها أبدًا ويقول إنه لا يتحمل أن يعيش خارج مصر 15 يومًا، حتى يبكى بداخله وقت انكسارها ويعزل نفسه، ولا يستطيع أن يكتب كلمة واحدة فى أعماله لأنه «مالوش نفس» كما كان يقول لى دائمًا. رفض العديد من المناصب السياسية سواء فى الأحزاب أو الوزارات، وقال لى: «أنا أكبر سياسى بقلمى ولقاءاتى وأفكارى وأنا مؤثر لأننى صاحب رأى حر غير محسوب على أى جهة، ولا أقبل أن أكون وزيرًا حتى لو كان على طابونة لأننى لست مؤهلًا لهذه المسؤولية». كان لدى الكاتب الكبير أحلام كبيرة وأمنيات يسعى دائمًا لتحقيقها، ولكن الأمنية الوحيدة التى لم يكن صاحب القرار فيها هو أن يرى مروان ابنه عريسًا ويرى حفيده، وكان دائمًا ما يقول لى «تحدث مع مروان فى هذا الموضوع، نفسى أطمَّن عليه وأراه عريسًا وأرى حفيدى، ولكن مروان كان ولا يزال منشغلًا بأعماله الفنية فقط لا غير». لم أر الأستاذ سعيدًا بنجاح أعماله مثلما كان سعيدًا بأعمال نجله مروان، وكان يفتخر بكل خطوة له فى المجال ويسعد بكلمات الثناء التى تقال فى حق نجله أكثر مما تقال فى حقه هو، ورغم أن وحيد حامد من أعظم كتاب السينما المصرية والعربية على الإطلاق إلا أنه كان يقول لى إن رأفت الميهى هو أفضل كاتب سيناريو ولكنه ظلم نفسه بالإخراج، كان يرى أن فيلم «البرىء» أفضل ما كتب ويفتخر به وخاصة النسخة الأصلية، ويرى أن «الإرهاب والكباب» يشبهه، وقال إنه إذا لم يكن كاتبًا لأصبح محاميًا يدافع عن الناس. كان يحلم بالتعاون مع مروان مرة أخرى بعد «عمارة يعقوبيان»، وكان يدين بالفضل للمخرج شريف عرفة ليس لأنه قدم معه أفضل الأعمال، ولكن لأنه كان السبب فى حب وعشق مروان لهذه المهنة قبل أن يلتحق بمعهد السينما، كان يرى أن «الجماعة» ليس مجرد مسلسل ولكن وثيقة ومشروع عُمر، لم يمنعه أحد من كتابة أفكاره سوى ممدوح إسماعيل الذى تقدم بإنذار على يد محضر لمنعه من كتابة فيلم عن «عبَّارة الموت» ولكن وحيد لم يستسلم لذلك وكتب السيناريو وحصل على ترخيص الرقابة ولكن المشروع توقف لظروف إنتاجية.