عاجل- الخارجية الإيرانية تدين الهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا وتصفه بانتهاك للسيادة    عاجل الدوما الروسي يدعو لاجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي على خلفية الهجوم الأمريكي على فنزويلا    فحص فيديو متداول بالمنيا.. الداخلية تكشف حقيقة توزيع سلع خلال الانتخابات    تفاصيل مشادة رونالدو مع جهاز أهلي جدة عقب كلاسيكو الدوري السعودي    «حميدة»: المعارض الأثرية الخارجية حققت أرقامًا قياسية في أعداد الزائرين    تجهيز وحدة الأورام بمستشفى الكرنك الدولي وفق أحدث المعايير العالمية    أنجيلينا جولى تزور مستشفى المحور للاطمئنان على مصابى غزة.. صور    ساسى أساسيا وبن رمضان بديلا فى التشكيل المتوقع لمباراة مالى ضد تونس    انتهاء تنفيذ إنشاءات 670 مشروعًا بالمرحلة الأولى من «حياة كريمة» بمحافظة الأقصر    أمم إفريقيا - أوسيمين: نيجيريا بأكملها تنتظر اللقب.. ولا ننجرف وراء الضجة الإعلامية    محافظ أسيوط يتابع من غرفة العمليات المركزية جولة الإعادة بالدوائر ال3    تحرير 724 مخالفة للممتنعين عن تركيب الملصق الإلكتروني    دون اللجوء للقضاء.. «العمل» تعيد مستحقات عامل بإحدى الشركات    بين سيطرة الشباب طوال العام ومحاولات عودة القطاع الخاص.. الشروق ترصد أهم الظواهر المسرحية في 2025    سانا: قوة إسرائيلية تتوغل في قرية بريف القنيطرة الجنوبي    وكيل صحة شمال سيناء: خدمة 63 ألف منتفعة بوحدات الرعاية الأولية والمستشفيات    جهاز حدائق أكتوبر يكشف تفاصيل رفع كفاءة منظومة الصرف الصحي    أسعار الفاكهة اليوم السبت 3-1-2026 في قنا    حالة الطقس ودرجات الحرارة اليوم السبت 3-1-2026 في محافظة قنا    اتصالات مع رؤساء المتابعة بالمحافظات لمتابعة التصويت بانتخابات النواب بالدوائر الملغاة    انخفاض طفيف لسعر الذهب اليوم في الكويت.. عيار21 ب 37.450 دينار    تشكيل آرسنال المتوقع أمام بورنموث في البريميرليج    عودة مايكل جاكسون والأجزاء الجديدة من dune وSpider-Man.. أفلام مُنتظرة في 2026    «100 سنة غُنا».. علي الحجار يعيد ألحان سيد مكاوي على المسرح الكبير    موعد مباراة برشلونة وإسبانيول بالدوري الإسباني.. والقنوات الناقلة    طومسون: تغيير النظام وغياب «الفوضى» وراء تراجع مستوى صلاح في ليفربول    الإمارات تدعو اليمنيين إلى وقف التصعيد وتغليب الحكمة والحوار    لاعب غزل المحلة: علاء عبد العال ليس مدربا دفاعيا    هام من التعليم بشأن اشتراط المؤهل العالي لأولياء الأمور للتقديم بالمدارس الخاصة والدولية    الاتصالات: ارتفاع عدد مستخدمي منصة مصر الرقمية إلى 10.7 مليون مستخدم في 2025    مياه المنوفية تعلن خطة غسيل الشبكات خلال شهر يناير 2026    "الهيئة الوطنية" تعقد مؤتمرًا صحفيًا لإطلاع الرأى العام على جولة الإعادة بالدوائر الملغاة    ثقافة الأقصر ينظم جولات ل110 فتاة من المحافظات الحدودية بمعبد الأقصر.. صور    ما حكم تلقين الميت بعد دفنه؟.. الإفتاء توضح    الكهرباء: تحرير محاضر سرقة للتيار بإجمالي 4.2 مليار كيلووات ساعة خلال 2025    ابن عم الدليفري قتيل المنيرة الغربية: دافع عن صديقيه ففقد حياته طعنا بالقلب    التضامن: فتح باب التقديم لمسابقة الأم المثالية ل2026 غدًا.. اعرف الشروط    التنمية المحلية: إنشاء مجمع محاكاة لإدارة المخلفات بالذكاء الاصطناعى نهاية 2026    في محكمة الأسرة.. حالات يجوز فيها رفع دعوى طلاق للضرر    سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم السبت 3 يناير 2026    سعر الدولار اليوم السبت 3 يناير 2026.. بكام النهاردة؟    لجنة «مصر العطاء» بنقابة الأطباء توضح حقيقة زيارة مستشفى سنورس بالفيوم    محاكمة 49 متهما بخلية الهيكل الإداري بالعمرانية.. اليوم    السيطرة على حريق محل ملابس أسفل عقار سكني في شبرا الخيمة    رامي وحيد: ابتعدت عامين لأن الأدوار أقل من أحلامي    كأس الأمم الأفريقية.. منتخب تونس يسعى لفك العقدة أمام مالي بدور ال16 اليوم    «الشبكة» من المهر وردها واجب عند «الفسخ»    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    فلسطين.. آليات الاحتلال تطلق النار على مناطق جنوب قطاع غزة    مجدي الجلاد: مصر تعزل تحركات إسرائيل في الصومال عبر دبلوماسية ذكية    مطلقات يواجهن حيل الأزواج.. للهروب من حقوقهن    لأول مرة.. توسيع للمريء باستخدام البالون لمسن بمستشفى كفر شكر بالقليوبية    ننشر مواقيت الصلاه اليوم السبت 3يناير 2026 فى المنيا    تنظيف كنيسة المهد استعدادًا لاحتفالات عيد الميلاد المجيد حسب التقويم الشرقي    إيبارشية القاهرة الكلدانية تحتفل بعيد مار أنطونيوس الكبير    عبدالملك: الزمالك بحاجة لثورة في الفريق    المصل واللقاح: شتاء 2026 سيكون عنيفا من حيث الإصابة بالأمراض التنفسية    أذكار مساء الجمعة.. سكينة للقلب وتجديد للإيمان مع ختام اليوم المبارك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجماعات الصوفية المصرية (5/7) طريقةُ الراعى أحمد الرفاعى
نشر في المصري اليوم يوم 15 - 06 - 2011

من الأمور الداعية إلى التعجب، والدهشة، أن الطرق الصوفية المصرية «واسعة الانتشار» تعود بمعظم أصولها، إلى بلاد المغرب.. صحيحٌ أن مصر عرفت طرقاً صوفية كالقادرية، التى كانت موضوع مقالتنا السابقة، والنقشبندية والمولوية والبكتاشية والتمرتاشية؛ وهى طرقٌ مشرقية الأصل (فارسية، تركية) إلا أنها ظلت دوماً محدودة الانتشار وقليلة الأتباع، بالقياس إلى الطرق مغربية الأصل: الرفاعية، الشاذلية، الدسوقية، الأحمدية. وهى الطرق الصوفية الأوسع انتشاراً خلال القرون الثمانية الماضية، وفى أيامنا الحالية.
والأعجبُ مما سبق، والأدهش، أن هذه الطرق «الأوسع انتشاراً» ارتبطت جميعها بشخصية الشيخ (أحمد الرفاعى) مباشرةً، أو عن طريق تلميذه المباشر: أبى الفتح الواسطى. فقد رأينا فى مقالتنا عن (الشاذلية) أن شيخها أبا الحسن الشاذلى، كان فى ابتداء أمره قد ارتحل من بلاده الأولى، أملاً فى لقاء «الشيخ»، الذى يرسم له علامات الطريق الروحى، فتنقَّل من (سبتة) إلى ساحل أفريقية (تونس)، مروراً بمصر والشام، حتى وصل العراق والتقى هناك بأبى الفتح الواسطى، خليفة الرفاعى، الذى أخبر الشاذلى بأن «الشيخ» الذى جاء يبحث عنه، موجود ببلاده الأولى (المغرب) وليس بالعراق. فعاد الشاذلى إلى موطنه الأول، والتقى هناك بشيخه البديع، عبدالسلام بن بشيش (مشيش) وكان بينهما ما كان..
وقد صارت هذه الواقعة بمثابة «تيمة» أدبية شهيرة، رأيناها فى نصوص روائية كثيرة تحكى عن الذى يرتحل بحثاً عن (كنز) ثم يعرف عند تمام الرحلة، أن الكنز مدفون فى داره. وهى التيمة التى نراها فى إحدى قصص «ألف ليلة وليلة» وفى رواية باولو كويليو الشهيرة: الخيميائى (ساحر الصحراء).
وبطبيعة الحال، فقد ارتبط أبوالفتح الواسطى بشيخه المباشر (الرفاعى)، وكانت بينهما صحبة «المريد والشيخ»، ثم خلفه فى رعاية أمور الاتباع. لكنه بعد حينٍ ترك العراق وجاء إلى مصر، واستوطن الإسكندرية حتى توفى بها سنة 632 هجرية، فأرسل الرفاعية من العراق شيخاً آخر كى يخلف الواسطى، هو السيد «أحمد البدوى» الذى استقر بمدينة طنطا (طندتا) بوسط الدلتا، وصارت له بعد حينٍ طريقة صوفية خاصة، رفاعية الأصل، مستقلة الملامح.
ومن مدينة «دسوق» بشمال الدلتا، ابتدأتْ طريقةٌ صوفيةٌ كبرى كان شيخها المؤسس، هو «إبراهيم الدسوقى» الذى كان ابن بنت (سِبْط) أبى الفتح الواسطى، تلميذ الرفاعى الكبير.. مَنْ هو «الرفاعى» ولماذا وصفتُه فى عنوان مقالتى بالراعى؟
ليس من المأمون أن نتعرَّف إلى سيرة واحد من كبار الصوفية، من خلال ما كتبه عنه أتباعه، خاصةً المتأخرين زمناً. فهم غالباً ما يغرقون فى تبجيل شيوخهم، حتى يخرجوا بسيرته عن كل حَدٍّ معقول، بسبب إسرافهم فى ذكر «الكرامات» ونسبتها للشيوخ. وهى قصص خارقة مفبركة، ربما لم يسمع بها هؤلاء الشيوخ أصلاً، ولا ارتضوا حكايتها عن أحد.. وقد تناولتُ هذه النقطة الدقيقة، قبل سنوات، فى بحثٍ منشورٍ تحت عنوانٍ دالٍّ على محتواه، هو: كرامات الصوفية، نصٌّ أدبى مضاد للتصوف.
ولذلك، فسوف نقترب من سيرة الشيخ أحمد الرفاعى، ونتعرَّف إلى شخصيته، ونعرف بعض أخباره؛ من خلال مؤرخ مشهور، بل لعله أشهر مؤرِّخ فى تاريخ الإسلام، هو الإمام السلفى الكبير، شمس الدين محمد بن أحمد، المعروف بلقب «الذهبى»، لأنه حسبما اشتهر عنه، كان يزن الأخبار التى يوردها فى كتبه بدقةٍ، مثلما يزن الصيرفى (تاجر العملة) والجوهرى (تاجر المجوهرات) قطع الذهب.
يقول الذهبىُّ فى بدء كلامه عن الرفاعى، فى الجزء الحادى والعشرين من «سير أعلام النبلاء» ما نصه: هو الإمام القدوة العابد الزاهد، شيخ العارفين، أبوالعباس أحمد بن على الرفاعى، المغربى، ثم البطائحى (نسبةً إلى ناحية البطائح بجنوب العراق).. ويقول فى نهاية كلامه عنه: وكان كثير الاستغفار، عالى المقدار، رقيق القلب، غزير الإخلاص، توفى سنة 578 فى جمادى الأولى، رحمه الله (وكان مولده بالعراق سنة 500 هجرية).
وما بين البدء والمنتهى، يذكر الذهبىُّ طرفاً من أخبار «الرفاعى» وأحواله مع الله ومع الناس، فيقول ما ملخصه: وفد أبوه من المغرب إلى العراق، وسكن البطائح، بقرية «أم عَبيدة»، وتزوج بأخت الزاهد «منصور الزاهد» لكنه توفى وامرأته حُبْلَى بأحمد الرفاعى، الذى تولَّى خاله الزاهد تربيته.. فنشأ شاباً شافعياً، ثم شيخاً روحياً، رقيقاً، فياضاً بالسلوك الصوفى. ليس فقط مع أصحابه وأتباعه، وعموم الناس، بل مع جميع المخلوقات، حتى إنه كان يداوى الجريح من الكلاب!
كما روى عنه الذهبىُّ أن هرة (قطة) كانت تعيش فى بيته، نامت يوماً على طرف ردائه، فلما قامت الصلاة لم يشأ أن يزعجها بالطرد، فقصَّ طرف الرداء، ولما عاد من صلاته وَصَله بالخياطة، وقال: ما تغير شىء.
وكان الرفاعى يصف نفسه دوماً بصفة (اللاشىء أحمد) أو (أحمد اللاش) وكان يدعو ربه قائلاً: أى مولاى، أريدُ ألا أريد، وأختار ألا يكون لى اختيار.. وكان يستوى عنده مَنْ يمدحه ومَنْ يؤذيه، متأسِّياً بالآية القرآنية: (لكى لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم).
وقد اشتهر عن الرفاعى أنه كان يبتعد عن الحكام والأمراء، ولا يقوم للرؤساء، ويقول: «النظر إلى وجوههم يُقسِّى القلب».. وإذا وُضع أمامه طبقٌ فيه تمر، يتناول منه الحشف (البلح الجاف) لا الطرىَّ الطيب. ويقول: أنا أحقُّ بالدون (الأقل قيمة) فإنى مثله دون.
وهناك كثيرٌ من أخبار «الرفاعى» وأطرافٌ من سيرته الصوفية الرائقة، المبهرة، نراها عند المؤرخين المشهورين، غير المتصوفة، من أمثال ابن كثير فى كتابه (الكامل) وسبط ابن الجوزى (مرآة الزمان) وابن خلِّكان (وفيات الأعيان) وابن العماد الحنبلى (شذرات الذهب فى أخبار مَنْ ذهب).. وترجم له الذهبى فى عدةٍ من مؤلفاته التاريخية: سير أعلام النبلاء، تاريخ الإسلام، العِبَر فى خبر مَنْ غَبر.
وقد جُمعت مواعظ الرفاعى وخطبه المنبرية فى كتابين، الأول عنوانه «البرهان المؤيَّد» والآخر بعنوان «كتاب البراكين». وكان يبدأ دوماً كلامه للناس، بعبارة: أىْ سادة (أيها السادة).. ومن كلامه المحفوظ بالكتابين، وبكتب المؤرخين، ما يلى:
«أىْ سادة، لا تجعلوا رواقى حَرَماً، ولا قبرى بعد موتى صنماً، عليكم به سبحانه، فإنه لا يضر أو ينفع إلا هو.. وكل الفقراء (الصوفية) ورجال هذه الطائفة، خيرٌ منى، أنا أحيمد اللاش، أنا لاش اللاش. أى سادة، أعينونى على أنفسكم بخمس خصال: سُنَّة الرسول، موافقة السلف على حالهم، لباس ثوب التعرية (التجرُّد) من الدنيا والنفس، تحمُّل البلاء، لباس الوقار.. طريقى دينٌ بلا بدعة، وعملٌ بلا رياء، وقلبٌ بلا شاغل، ونفسٌ بلا شهوة.. تجارتى، خدمةُ النساء الأرامل والأطفال الأيتام، وأحبُّ أن أشهد نفسى فى خدمتهم، فإننى إذا رأيتُ يتيماً يبكى، تهتزُّ مفاصلى وترتعد أعضائى حناناً له وشفقة عليه، وأخاف منه بكاءه».
ومن أحوال الرفاعى الدالة على أحقيته وصف «الراعى» واستحقاقه لصفة «التواضع» أنه كان، حسبما روى عنه الذهبى، وغيره من المؤرخين، يجمع الحطب فيجىء به إلى بيوت الأرامل، ويملأ لهم الماء بالجرَّة.. ومن أقواله الباهرة فى التواضع: ما دخل ساحة القُرب (من الله) مَنْ استصغر الناس واستعظم نفسه، مَنْ أنا ومَنْ أنت؟ أنا لستُ بشيخٍ، لست بواعظٍ، لستُ بمُعلِّم. حُشِرتُ مع فرعون وهامان، إن خطر لى أنى شيخٌ على أحدٍ من خلق الله، إلا أن يتغمَّدنى الله برحمته، فأكون كآحاد (أفراد) المسلمين..
أىْ سادة، تفرَّقت الطوائف شيعاً، وحميدٌ مَنْ بقى مع أهل الذل والانكسار والمسكنة والاضطرار (لله) إياكم والكذب على الله.. ينقلون عن الحلاج أنه قال «أنا الحق» ولو كان على الحق، ما قال «أنا الحق». إياكم والقول بهذه الأقاويل، إن هى إلا أباطيل.. ما هذا التطاول؟ المتطاول ساقطٌ بالجوع (يحتاج الطعام) ساقطٌ بالعطش، ساقطٌ بالنوم، ساقطٌ بالوجع، ساقطٌ بالهِرَم، ساقطٌ بالعناد. أين هذا المتطاول من صدمة صوت: لمن الملكُ اليوم؟ العبدُ متى تجاوز حدَّه مع إخوانه، يُعدُّ عند الحشر ناقصاً. التجاوزُ عَلَمُ نقصٍ يُنشر على رأس صاحبه، يشهد عليه بالدعوى (الادِّعاء) يشهد عليه بالغفلة، يشهد عليه بالزهو، يشهد عليه بالحجاب.
أىْ سادة، ما قلتُ لكم إلا ما فعلته وتخلَّقتُ به، فلا حُجة لكم علىَّ. إذا رأيتم واعظاً، فخذوا منه كلام الله تعالى، وكلام رسوله، وكلام أئمة الدين الذين يحكمون عدلاً، واطرحوا ما زاد.. وإياكم وضياع الأوقات، فإن الوقت سيفٌ إن لم يقطعه الفقير (الصوفى) قطعه. وعليكم بالأدب، فإن الأدب بابُ الأَرَب.
وشهدت الطريقة الرفاعية، بعد وفاة مؤسسها بأكثر من مائة عام، أول صدام بين (السلفية) متمثلة فى الإمام السلفى، الحنبلى، الكبير «تقى الدين ابن تيمية» من جهة، ومن الجهة المقابلة (المتصوفة) المتمثلين فى مريدى وأتباع «الرفاعية»، الذين كانوا قد انحرف كثيرٌ منهم عن السبيل الذى رسمه الشيخ الراعى، الرفاعى، وترسَّم خُطاه فى حياته. ولا بد، قبل استعراض وقائع هذه المواجهة، أن نلفت النظر إلى أن منطقة البطائح بجنوب العراق، كانت تشتهر بكثرة الثعابين.
ولأنها منطقة الانتشار الأول للرفاعية، فقد عُرف الرفاعية المتأخرون زمناً، بقدرتهم على اصطياد الثعابين. وهو الأمر الذى لم يفعله، ولا سمع به شيخهم الأول.. ومع الاضطراب الكبير الذى أحدثه التتار، والفوضى التى عمَّت الأنحاء بسببهم؛ زاد الجهل والخرافة فى ديار المسلمين، وانتشرت بين الرفاعية جماعات المهووسين والممخرقين (النَّصَّابين) وصاروا يستعملون الحيل لإيهام الناس بأنهم أصحاب الكرامات، وكبار الأولياء، وأهل الله. ومن ثم، يحصلون على تقدير الناس وتأييدهم، وعلى أموالهم، مثلما يفعل بعض رجال الدين فى كل العصور، وفى كل الديانات، مستغلِّين سذاجة البسطاء من الناس.
ويورد لنا ابن تيمية ضمن فتاواه التى جُمعت مؤخراً فى كتابٍ ضخمٍ تحت عنوانٍ عام، هو: مجموع الفتاوى (المجلد الحادى عشر) قصة المواجهة الساخنة التى تمت بينه وبين هؤلاء المهووسين الذين يسميهم البطائحية، وليس الرفاعية؛ وهى واقعةٌ مليئة بالدلالات، ومنها ما يتعلق بالحالة المصرية المعاصرة، وبالخلاف بين السلفيين والمتصوفة (أتباع الطرق).. ولذلك، فسوف نختصر فيما يلى ما أورده ابنُ تيمية، ونتوقف خلال ذلك عند النقاط الأهمِّ فى الهمِّ المصرى الحالى. قال الشيخ:
«كتبتُ ما حضرنى ذكره فى المشهد الكبير بقصر الإمارة، والميدان، بحضرة الخَلْق (الناس) فى أمر البطائحية، يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة 705 هجرية، وقد كتبتُ فى غير هذا الموضع، صفة حال هؤلاء البطائحية وطريقتهم، وطريق الشيخ أحمد الرفاعى وحاله (لبيان الفرق بينهما)، وما وافقوا فيه المسلمين، وما خالفوهم فيه.. ولما ذكر الناسُ ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذى يتميزون به عن المسلمين (لبس الأطواق) قلتُ لهم: هذه بدعة لم يشرِّعها الله ولا رسوله، ولا فعل ذلك أحدٌ من سلف هذه الأمة، ولا من المشايخ الذين يُقتدى بهم..
وكانوا لفرط انتشارهم فى البلاد، واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد، لخفاء نور الإسلام واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام، لهم فى القلوب موقعٌ هائلٌ.. وكانوا يزعمون أن لهم أحوالاً يدخلون بها النار (ولا يحترقون) وأن أهل الشريعة (الفقهاء) لا يقدرون على ذلك. فاستخرتُ الله سبحانه، أنهم إن دخلوا النار، أدخل معهم، ومن احترق فعليه لعنة الله وكان مغلوباً، وذلك بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار، لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دُهن الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر الطلق، وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم. وأنا لا أطلى جلدى بشىء، فإذا اغتسلنا بالخل والماء الحار، بطلت الحيلة وظهر الحق.. وحضر شيوخهم الأكابر يطلبون من الأمير الإصلاح (إغلاق الموضوع) وإطفاء هذه القضية، فقال الأمير: إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق.
فلما جلسنا وقد حضر خلقٌ عظيم من الأمراء والكُتَّاب والعلماء والفقراء والعامة، وحضر شيخهم.. قلت لهم: لو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين، ولو طرتم من الهواء ومشيتم على الماء، لم يكن فى ذلك ما يدل على صحة ما تدعونه.. ورفعتُ صوتى بذلك، فكان لذلك وقعٌ عظيم فى القلوب، وذكرت قول أبى يزيد البسطامى: لو رأيتم الرجل يطير فى الهواء ويمشى على الماء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند أوامر الشرع ونواهيه (هنا يستدل ابن تيمية بالتراث الصوفى) وقول الشافعى: لو رأيت صاحب هوى يطير فى الهواء، فلا تغترَّ به (هنا يستشهد ابن تيمية بالتراث الشافعى، مع أنه كان حنبلياً) وبينما مشايخهم الكبار يتضرعون عند الأمير فى طلب الصلح، جعلت أُلحُّ عليه فى إظهار ما ادَّعوه من دخول النار، مرةً بعد مرة، وهم لا يجيبون..
فلما ظهر للحاضرين عجزهم وكذبهم، رجعوا، فسألنى الأمير عما يُطلب منهم؟
فقلت: متابعة الكتاب والسُّنة. فقال الأمير: فأىُّ شىء يلزمهم من الكتاب والسنة؟
فقلت: حُكم الكتاب والسنة كثيرٌ، لا يمكن ذكره فى هذا المجلس، لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزاماً عاماً.
فلما أظهروا التزام الكتاب والسنة، وجموعهم بالميدان يزعقون بأصواتهم وحركاتهم الشيطانية (الثورة المضادة) قلتُ: أهذا موافقٌ للكتاب والسنة؟ فقال شيخهم: هذا حالٌ من الله يسيطر عليهم، فقلتُ: هذا من الشيطان، لم يأمر الله به ولا رسوله. فقال: فبأىِّ شىء سوف تُبطل هذه الأحوال؟ فقلت: بالسياط الشرعية.. يا شبه الرافضة (غلاة الشيعة) يا بيت الكذب والشرك والمروق من الشريعة، لا تقولوا أكذب من اليهود على الله، ولكن قولوا «أكذب من الأحمدية على شيخهم».
وهكذا يفرِّق ابن تيمية، الذى كان من أجلِّ مشايخ الإسلام وأكثرهم ذكاءً واجتهاداً، بين الجماعة المنحرفة المنتسبة للشيخ أحمد الرفاعى (الأحمدية، البطائحية)، وبين سيرة شيخهم الأول، والراعى أحمد الرفاعى.. غير أن الذين سيُعرفون باسم الأحمدية، لاحقاً، ليسوا هم أتباع أحمد الرفاعى (فهؤلاء عُرفوا بالرفاعية) وإنما أتباع خليفة خليفته، الشيخ «أحمد البدوى» الذى أسس بمصر، الطريقة الأحمدية التى انتشرت انطلاقاً من طنطا (طندتا) إلى أنحاء مصر.. ولسوف نستعرض بعض ملامحها فى مقالنا القادم، فإلى لقاءْ.
وإلى إنصاتٍ وإصغاءْ،
لصوتِ العقل والدين القويم
السارى صداهُ من الزمن القديم
إلى القادم من الأيام، والآتى
رغم أنف العاتى،
المتاجر بالتدين المؤلم وبالأمل العقيم،
زاعم اليقين، والطريق المستقيم
والاصطفاء،
كى يسطو على البسطاء، ويسلب
السفهاء من الأتقياء


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.