اليوم، صلاة الجنازة على والدة إبراهيم سعيد بمسجد السيدة نفيسة    أسعار الذهب اليوم السبت 2 مايو في مصر.. عيار 21 بكام النهارده؟    جيش الاحتلال يتهم "حزب الله" بخرق وقف النار وينذر سكان 9 قرى جنوب لبنان للإخلاء    حرارة ورياح وأمطار|بيان هام من الأرصاد بشأن حالة الطقس اليوم السبت 2-5-2026    اليوم وغدا، قطع المياه عن مناطق بسيدي سالم في كفر الشيخ لمدة 12 ساعة    في طريق عودتنا من إيران، تصريح مثير من ترامب عن موعد الهجوم على كوبا    اليوم، فصل جديد في دعوى إلغاء قرار منع النساء من السفر إلى السعودية دون تصريح    واشنطن تحذر مواطنيها في بريطانيا بعد رفع مستوى التهديد الإرهابي    بيطارد بركات، سجل مميز ل حسين الشحات في تاريخ مواجهات القمة أمام الزمالك    اليوم، أولى جلسات نظر طعن "التعليم المفتوح" على تعديلات لائحة تنظيم الجامعات    الحصار الأمريكي يكبد إيران خسائر ب4.8 مليار دولار    القضاء يحبط خطة إدارة ترامب لترحيل آلاف اليمنيين من أمريكا    "طاير يا هوى"| محمد رشدي صوت مصري أصيل ورمز الأغنية الشعبية    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    بمناسبة عيد العمال، وزارة العدل تسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    محافظة سوهاج ترد على عدم إنشاء كوبري بديل للكوبري المنهار في قرية العتامنة    في ظهور مميز، عمرو دياب يغني مع نجله عبد الله وابنته كنزي بحفله بالجامعة الأمريكية (فيديو)    صلاح: كنت أركض أكثر من زملائي في منتخب مصر خلال كأس أمم أفريقيا    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    تفاصيل | وفاة شخص وإصابة 13 آخرين في حادث البهنسا بصحراوي المنيا    القبض على عاطل ظهر في فيديو مشاجرة بالسلاح الأبيض بالقاهرة    خناقة الديليفري وعمال المطعم.. معركة بين 11 شخصا بسبب الحساب    دفع ثمن شهامته.. اعتداء صادم على مسن الهرم والداخلية تضبط المتهم    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    ميناء دمياط يعزز الأمن الغذائي ويربط مصر بأوروبا والخليج    جامعة الدلتا تتألق في «Dare To Achieve» وتؤكد دعمها لابتكارات الطلاب    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    نصف فدان.. السيطرة على حريق نشب داخل زراعات القصب بقنا    ليدز يونايتد يسحق بيرنلي بثلاثية في الدوري الإنجليزي    طبيب الأهلى يوضح إصابة تريزيجيه فى القمة 132    رئيس هيئة تنشيط السياحة يلتقي مع ممثلي شركات إنتاج محتوى السياحة الروحانية    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء غداً السبت    البنتاجون: أمريكا تقرر سحب 5000 جندي من ألمانيا    البيت الأبيض يبلغ الكونغرس بأنه يعتبر العملية ضد إيران منتهية    منتخب المصارعة للرجال يتوج ب10 ميداليات في البطولة الأفريقية    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    شرطي ينقذ الموقف.. تفاصيل حادث تصادم في الإسكندرية    صفحات مزيفة.. سقوط تشكيل عصابي دولي للنصب على راغبي زيارة الأماكن السياحية    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    موعد إعلان قائمة منتخب الناشئين لبطولة أمم أفريقيا تحت 17 سنة    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تصاعد التوترات بين أمريكا وأوروبا.. الناتو يتحرك نحو الاستقلال الدفاعي    "15 مايو التخصصي"تنجح في إنقاذ شاب من اختناق حاد بالمريء    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    القومي للبحوث يطلق قافلة طبية كبرى بالشرقية تستهدف 2680 مواطنا    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    ترامب يعتزم توسيع الحصار البحري على إيران وإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طارق حجى يكتب: رحلة صعود الإسلام المحارب وانزواء البدائل

منذ قرنه الأول عرف الإسلام مجموعات متطرفة بل بالغة التطرف بمحاذاة تيار عام متوسط وبعيد عن العنف والتطرف وأحادية النظرة والتمسك بالملكية المطلقة للحقيقة. فمنذ سنة 660 ميلادية (منتصف القرن الهجرى الأول) برزت فرقة الخوارج التى اتسمت بالغلو الشديد فى التمسك بفهمها للإسلام وتكفير أى مسلم يحيد عن فهمها هذا.
وفى العقود والقرون التالية ظل الإسلام يعرف تياراً عاماً وسطياً (معتدلاً بمعيار الفترة الزمنية) وتيارات جانبية بالغة التطرف والعنف والتمسك بأن كل من يحيد عن فهمها للأمور يعد مارقاً وكافراً.
وقد أعطى صديقى العلامة الكبير الأستاذ الدكتور محمود إسماعيل عبدالرزاق حياته العلمية وجهده العقلى الفذ لدراسة هذه المجموعات المتشددة التى أطلق عليها تسمية «الحركات السرية فى الإسلام» وكتب عن فرقها بحوثاً بالغة العمق وخص مجموعة منها بدراسة معمقة وهى القرامطة الذين قاموا بخطف الحجر الأسود وأخذوه لموقع بعيد فى شرق الجزيرة العربية لأكثر من قرن من الزمان.
وإلى جانب التيارات أو المجموعات أو الفرق التى كانت تغالى فى التطرف والحرفية وإيجاد قواعد تفصيلية لكل أمور الحياة، كان هناك التيار العام الذى يمكن تلخيصه فى المذاهب السُنية الرئيسية (وأهمها مذهب أبى حنيفة ومذهب مالك ومذهب الشافعى ومذهب أحمد بن حنبل ومذاهب أخرى اندثرت مثل مذهب الليثى ومذهب الطبرى)، وكذلك عدد من المذاهب الشيعية (وأشهرها الإمامية أى أولئك الذين ينتسبون أو يرجعون إلى اثنى عشر إماماً أولهم على بن أبى طالب وآخرهم الإمام الذى اختفى ويعتقد الشيعة الإمامية أنه غائب وسيعود).
وداخل التيار العام كان هناك من يفسح مجالاً للعقل (الرأى) مثل أبى حنيفة الذى لم يقبل من الأحاديث النبوية إلا أكثر قليلاً من مائتى حديث وهو ما يفسح المجال للرأى - وفى المقابل كان هناك مذهب أحمد بن حنبل الذى يضم كتابه (المسند) أكثر من عشرة آلاف حديث، وهو ما لم يترك شيئاً دون تنظيم وهو أيضاً ما يجعل النقل هو السائد، والعقل هو الغائب أو شبه الغائب.
ولتيار أحمد بن حنبل ينتمى فقيهان آخران هما ابن تيمية وابن قيم الجوزية وهما مثل أحمد بن حنبل لا يتركون مساحة تذكر للعقل والرأى وإنما لديهم أحاديث مقبولة تنظم شتى جوانب الدين والدنيا بكل تفاصيلها. ويضاف لذلك أن العقل الإسلامى واجه ما يشبه المعركة بين أبى حامد الغزالى الذى لا يؤمن بأن العقل قادر على إدراك الحقائق،
وبين ابن رشد الذى كان تلميذاً وفياً للمعلم الأول «أرسطو طاليس» فى إعطاء العقل مقامه السامى، وهو ما يتضح من دقائق معركته الفكرية مع أبى حامد الغزالى التى بدأها أبوحامد الغزالى بكتابه (تهافت الفلاسفة) ورد عليه فى زمن لاحق ابن رشد بكتابه الرائع (تهافت الفلاسفة) ورد عليه فى زمن لاحق ابن رشد بكتابه الرائع (تهافت التهافت).
والخلاصة أنه فى عالم الفقه (وهو عمل بشرى محض) فقد كان التوسع للمدارس التى تحبذ قبول آلاف الأحاديث عن إعمال الرأى، وبمحاذاة ذلك ففى عالم الفكر (علم الكلام بلغة العرب فى ذلك الزمان والفلسفة بلغة العصر) فقد كانت أيضاً الغلبة لمدارس النقل والحدس (الغزالى) وقلة أثر مدرسة العقل (ابن رشد)،
وإن كان الأوروبيون بوجه عام والفرنسيون بوجه خاص هم الذين استفادوا من طروحات ابن رشد، والتى حاضرت منذ أسابيع فى سويسرا عن أشد طروحاته عقلانية وأعنى نظريته التى تذهب إلى أن الله خلق الكون وبنفس القدر نواميس (قوانين) حركته، وأن العقل يحتم أن يؤمن الإنسان بأن تلك النواميس دقيقة لدرجة تسمح بالقول بعدم تدخل الله فى مسار ومجريات الحياة، لأنه ليس فقط خالق الحياة، بل أيضاً خالق نواميس وقوانين سريانها التى تحكم مسارها.
وكنتيجة لتلك الصورة العامة فقد عرف المسلمون نمطين لفهم الإسلام هما: نمط متشدد شديد الغلو فى التحريم والتجريم والتنظيم، ولم يكن هذا النمط موجوداً إلا فى الفرق السرية (وهى قليلة فى عددها وأثرها) وفى المناطق البدوية (التى أجاد ابن خلدون وصفها ووصف سيولوجيتها فى مقدمته وتاريخه) بالجزيرة العربية.
أما الأماكن الأكثر ازدهاراً عقلياً وذات الجذور الحضارية العريقة مثل مصر والعراق وتركيا وبلاد سوريا بالمعنى الواسع فقد ساد فيها فهم للإسلام يتسم بدرجة أرحب من المرونة والتسامح وقبول الآخر وعدم تكفير أصحاب الرؤى المختلفة.
وهكذا فإنه يمكن القول إنه حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادى كان هناك فهمان للإسلام: فهم متطرف متشدد يكثر التحريم والتجريم والتنظيم ووضع القواعد التفصيلية لكل أمور الدين والدنيا.. وهو الفهم الصحراوى البدوى الذى ساد فى مجتمعات كثبان الرمال بجزيرة العرب.
أما الفهم الثانى المتسم بالتسامح والمرونة والقبول النسبى للآخر وعدم وضع قواعد تنظيمية تفصيلية لكل أمور الدين والدنيا فهو ما أسميه الفهم المصرى - التركى - السورى للإسلام، الذى شاع وذاع فى معظم المجتمعات الإسلامية خارج كثبان رمال الجزيرة العربية.
كان ذلك هو وضع عالم المسلمين حتى ولد بصحراء نجد فى سنة 1703 محمد بن عبدالوهاب وهو الرجل الذى صارت الأمور فى نجد على هواه بعد ذلك، فحدث فى عام 1744 حلف بينه (وعائلته) وبين محمد بن سعود حاكم الدرعية (وأهله أيضاً) وهو الحلف الذى يقوم على أن يحكم آل سعود وفق فتاوى آل الشيخ (محمد بن عبدالوهاب وعائلته أى الوهابيين).
وهو الحلف الذى أدى لما يمكن أن نسميه الدولة السعودية الأولى التى سيطرت منذ سنة 1804 على ما يقرب من مليون ميل مربع فى الجزيرة العربية حتى استأصل شأفتها وسحقها إبراهيم باشا ابن محمد على باشا الكبير فى سنة 1819 وهو عام تدمير الدريعية عاصمة الدولة السعودية الأولى.
ويمكن القول إن قرار محمد على باشا الكبير إرسال ابنه طوسون لتدمير الدولة السعودية الأولى ثم عهده بهذه المهمة لابنه إبراهيم باشا المعروف بكفاءته الحربية الهائلة هو قرار له دلالة بالغة الأهمية: إذ يمكن القول إن الفهم المصرى - التركى - السورى للإسلام قرر أن يذهب إلى الفهم الإسلامى الوهابى بالغ التطرف والتعصب والتشدد فى معقله لتدميره - هو قرار ثقافى وحضارى، قبل أن يكون قراراً سياسياً أو عسكرياً.
إن محمد على الذى كان مولعاً بالنهضة الأوروبية كان لا يرى أى تعارض بين آليات النهضة الأوروبية وكونه مسلماً، لما أنه كان يرى التعارض (كل التعارض) بين الفهم الصحراوى الوهابى للإسلام وحدوث النهضة التى كان عقله وفكره منشغلاً بها منذ تولى حكم مصر سنة 1805 (وحتى تنازله عن الحكم سنة 1848 لابنه إبراهيم باشا).
المهم: عاد السعوديون بشكل مستتر للتأثير فى الحياة السياسية فى شرق الجزيرة العربية بعد سنوات مما فعله بهم إبراهيم باشا (إذ ألقى القبض على كبيرهم وأرسل به إلى مصر ومن مصر إلى أسطنبول حيث لقى حتفه). عاد السعوديون (خفية) لممارسة شؤون السياسة مقاسمة مع الرشيد (السعوديون فى الرياض والرشيد فى حائل) حتى اصطدم الفريقان (آل سعود والرشيد) وانهزم السعوديون بزعامة عبدالرحمن والد الملك عبدالعزيز مؤسس العهد السعودى الثالث بعد ذلك - وكانت هزيمة السعوديين فى سنة 1891،
ورحل الأمير المهزوم (عبدالرحمن) بأقطاب البيت السعودى إلى الكويت حيث كانوا فى ضيافة الشيخ مبارك الصباح الذى لعب دوراً كبيراً فى توجيه الشاب الصغير (عبدالعزيز) بن عبدالرحمن آل سعود - وكان عبدالعزيز قد ولد سنة 1876 واختمرت فكرة العودة للرياض فى ذهنه بتأثير من عوامل عديدة من بينها جلساته مع كبير الكويت الشيخ مبارك الصباح، وإن كان الصبى (عبدالعزيز) لم يحفظ الجميل للشيخ الذى آواه وعائلته، فقد كان عبدالعزيز دائم الحلم بضم الكويت لمناطق ملكه ونفوذه،
وهو ما حقق بعضه بالاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضى الكويتية، وإن كان قد حيل بينه وبين تحقيق حلمه بالاستيلاء الكلى على الكويت، ويشكر (من وجهة النظر السعودية) سير بيرسى كوكس (المعتمد البريطانى) فهو الذى سمح لعبدالعزيز بالتهام ما التهم وبقضم ما قضم من الأراضى الكويتية.
فى يناير 1902 استولى عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود على الرياض مستهلاً رحلة طويلة لتوسعة دائرة نفوذه وسلطانه وهى الرحلة التى انتهت فى سنة 1925 باستيلائه أولاً على مكة ثم فى الشهر الأخير من السنة (ديسمبر) على المدينة المنورة. وفى سبتمبر 1932 يعلن عبدالعزيز آل سعود، وهو فى السادسة والخمسين، نفسه ملكاً على مملكة نجد والحجاز، التى ستصبح بعد ذلك أول مملكة تحمل اسم العائلة الحاكمة عندما سميت المملكة العربية السعودية.
فى النصف الأول من ثلاثينيات القرن العشرين تكونت المملكة العربية السعودية فى ظل نفوذ طاغ للمذهب الوهابى (رغم الهزيمة العسكرية فى 1930 للإخوان المتوحشين بقيادة فيصل الدويش) وفى نفس الفترة اكتشف البترول فى السعودية بكميات هائلة، وهكذا أصبح بوسع الفهم الوهابى للإسلام أن يستعين بثروة هائلة لدعم نموذجه.
وبعد ثلاثة عقود من تكوين المملكة العربية السعودية واكتشاف البترول كانت أشياء كثيرة فى الدنيا قد تغيرت.
- أولاً: حققت السعودية ثروة هائلة مكنتها من الإنفاق ببذخ على الفهم الوهابى للإسلام داخل المملكة العربية السعودية وفى كل البلدان العربية والإسلامية (ثم بعد ذلك فى كل القارات، وبالذات فى أوروبا). وهو ما أدى لحدوث تأثيرات لا تنكر على فهم كثير من المسلمين المعتدلين أصلاً للإسلام، إذ اقتربت عقول العديدين منهم لنموذج الفهم الوهابى للإسلام.
- ثانياً: تعرضت مصر لتراجع كبير فى كل مستوياتها منذ الستينيات بما فى ذلك تراجع مناخها الثقافى العام وتغلغل النفوذ الوهابى داخل مؤسسة الأزهر العريقة، ثم جاءت هزيمة يونيو 1967 لتفتح المجال واسعاً أمام المجموعات المتأثرة فى مصر بالفهم السعودى للإسلام لكى تتحول إلى تيارات ومجموعات سياسية نشطة وذات توجهات متشددة بل متطرفة بل حاملة أيضاً للمدفع والبندقية.
- ثالثاً: ارتكب الغرب بوجه عام والولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص أخطاء عديدة بسبب ظروف الحرب الباردة من بينها إما غض النظر عن تنامى الفهم الوهابى للإسلام فى العالمين العربى والإسلامى وأحياناً التعامل مع تيارات تنتمى للفهم الوهابى للإسلام بغرض تحقيق أهداف محددة مثل طرد القوات السوفيتية من أفغانستان، كما سمح بتأسيس مئات المساجد والمراكز الإسلامية فى أوروبا وأمريكا الشمالية دأبت على ترويج وتسويق أكثر التفسيرات الإسلامية تشدداً وتزمتاً ومخاصمة للحداثة والاندماج فى مسار وركب التمدن الإنسانى.
وعندما اغتالت (يوم 6 أكتوبر 1981) مجموعة متطرفة الرئيس المصرى أنور السادات كان ذلك رمزاً من رموز ذيوع وشيوع ونفوذ وانتشار نموذج الفهم الوهابى للإسلام، وبنفس القدر تراجع الفهم المصرى - التركى - السورى للإسلام. ثم توالت أحداث مماثلة تكرر الدليل بعد الدليل على أن الفهم السعودى للإسلام أصبح متسعاً ومنتشراً ومؤثراً فى معظم المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة من نيجيريا إلى الجزائر إلى مصر إلى الجزيرة العربية إلى باكستان وأفغانستان وإندونيسيا.
وفى صباح 11 سبتمبر 2001 قامت مجموعة من المنتمين للفهم الوهابى للإسلام بهجماتها فى نيويورك وفيرجينيا وغيرهما فى أعمال تمثل موقف الفهم الوهابى للإسلام من الآخر بوجه عام ومن الحضارة الغربية بوجه خاص.
وإذا كان من السهل على أى مواطن أوروبى أو أمريكى غير متعمق فى تفاصيل ما جاء بهذا المقال أن يظن أن الإسلام والعنف والإرهاب هى أمور ملتصقة ببعضها البعض، فإن الدارس لهذا الموضوع يعرف أن كل ما حدث أن فهماً محدداً للإسلام كان بلا شأن ولا تأثير قبل انهمار الثروة البترولية قد أصبح فى ظل ظروف شرحتها فى فقرة سابقة من هذا المقال قادراً على أن يجعل (بفعاليات البترو/دولار) العالم يظن أن فهمه للإسلام هو (الإسلام)، والحقيقة أنه فهم ضيق وصغير ولم يكن له أنصار بين المسلمين قبل حلول الثروة البترولية،
وأن ملايين المسلمين فى مصر وتركيا وبلاد سوريا بالمعنى الواسع والعراق وإندونيسيا وغيرها كانوا لايزالون بعيدين كل البعد عن حدة وتشدد وتطرف وعنف ودموية هذا المذهب الصغير فى قيمته الفكرية الذى لولا البترودولار وغفلة العالم ما وصل لما وصل إليه اليوم حيث أصبح بالغ الخطورة على سلام البشر وعلى الإنسانية، وأضيف وبكل الصدق «على الإسلام والمسلمين»،
وأعنى هنا المسلمين الذين عرفهم العالم فى مصر وسوريا ولبنان والعراق وتركيا منذ نصف قرن كنموذج للتسامح والتواصل مع الآخر والتعايش مع الديانات والثقافات المختلفة - ولكن هؤلاء المسلمين هم الذين أصبحوا بفعل حكام طغاة مستبدين (وفاسدين) فى ظروف معيشية متدنية تجعلهم فريسة سهلة للفهم الوهابى للإسلام المدعوم بشلالات البترودولار.
إن أى حديث عن الإسلام والمسلمين والعنف والتشدد والتطرف يتجاهل تلك النظرة التفصيلية لفهم بالغ التطرف للإسلام وفهم آخر رحب وإنسانى ومتسامح - هو حديث ليس سطحياً فقط وإنما يمكن أن يقود لقرارات أخرى خاطئة مثل قرارات إغماض العيون عن تنامى الفهم الوهابى للإسلام منذ خمسينيات القرن العشرين ومثل خطيئة التعامل مع تيارات تنتمى لهذا الفهم فى أماكن عديدة من العالم مثل أفغانستان منذ 1979.
وأخيراً، فلست بحاجة لأن ألفت انتباه القارئ المحايد إلى أن وجود نصوص فى القرآن يمكن أن تستعمل كدليل على عنف الإسلام - هو أمر لا أهمية له: فمن جهة فإن هناك تفسيرات مستنيرة تربط هذه النصوص بظروف وملابسات معينة، فالعبرة ليست بالنص وإنما بالعقل الذى يتعامل مع النص. كذلك فإن هناك نصوصاً قرآنية أخرى عديدة تدعو لنقيض العنف والعدوان على المختلفين ديناً ومذهباً، بل تحض على التعامل معهم بعدل وإنسانية.
كذلك فإن التركيز على النصوص سيسمح للمتطرفين، على الجانب الآخر، بأن يقولوا إن فى أسفار التوراة بوجه عام وفى سفر يشوع بن نون بوجه خاص ما يحض أيضاً على العنف والدم،
وهو ما لا ينبغى أن تتجه إليه العقول.إن المهمة السامية فى هذا المجال هى مناصرة المستنيرين وتأييد المعتدلين والوقوف إلى جانب الفهم الإنسانى للإسلام الذى كان هو دائماً «الأغلبية» ومقاومة الفهم المتشدد والمتطرف بل الدموى الذى أنتجته (وهذا أمر طبيعى) العزلة وراء كثبان رمال صحراء الجزيرة العربية واختلاط هذه العزلة بنزعة قبلية يستحيل معهما (العزلة الجغرافية والنزعة القبلية) أن يكون الموقف من الآخر إنسانياً ومتسامحاً وإيجابياً.
وسيكون من أوجب واجبات الحكومة السعودية أن تدرك أن الحلف السعودى - الوهابى لم يعد من الممكن له أبداً أن يستمر، فهو حلف يرسخ فكراً ظلامياً متطرفاً معادياً للتقدم والإنسانية والحضارة والتواصل بين الثقافات، والنفع من أهم طبيعة من طبائع الحياة وهى التعددية.
■ هذا المقال هو الترجمة العربية لنص المحاضرة التى ألقاها طارق حجى بالإنجليزية يوم 23 أبريل 2009 بمقر الأمم المتحدة فى جنيف ضمن فعاليات المنظمات غير الحكومية التى رعتها الأمم المتحدة متزامنة مع مؤتمر دربان - 2.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.