الذهب اليوم: عيار 24 يسجل 8205 جنيهات واستقرار نسبي بالسوق    محافظ جنوب سيناء يشهد انطلاق حصاد محصول القمح ويوجه بسرعة استخراج كارت الفلاح للمزارعين    "تايمز": أوروبا مستعدة ل "أي عقاب" أمريكي مقابل بقاء واشنطن في "الناتو"    الأرصاد: ارتفاع الحرارة السبت وشبورة وأتربة بالقاهرة 27 درجة    إحباط ترويج 4 أطنان رنجة يشتبه في عدم صلاحيتها بالغربية    إصابة 10 أشخاص في انقلاب ميكروباص بطريق القاهرة – الفيوم الصحراوي    إصابة 7 أشخاص في حادث تصادم بالغربية    إصابة 3 أشخاص باختناق في حريق مطعم بسيدي جابر    محافظ سوهاج يفتتح مسجد الشيخ جمعة بمركز جهينة    التحالف الروسي الإيراني.. لماذا تبقى إيران شيء لا يمكن الاستغناء عنه لبوتين؟    تحالف دولي بقيادة بريطانيا لتأمين الملاحة في مضيق هرمز.    مصر وفخ نتنياهو    سلوت يتحدث عن دعم الملاك والجمهور والإصابات وطموح الفريق بالفترة المقبلة    «رجال طائرة الأهلي» يواجه الزمالك في نهائي كأس مصر    مبابي وفينيسيوس على رأس قائمة ريال مدريد لمواجهة جيرونا في الليجا    معتمد جمال يحاضر لاعبي الزمالك قبل لقاء شباب بلوزداد    وزير الشباب والرياضة يتفقد المدينة الشبابية بالغردقة    موتسيبي بعد لقائه لقجع: من يملك أدلة على الفساد فليتوجه إلى القضاء    "التضامن" تحذر: «دائرة الثقة العمياء» وراء 80% من الاعتداءات على الأطفال    وزير الأوقاف ومحافظ بنى سويف يؤديان صلاة الجمعة احتفالا بالعيد القومي للمحافظة (صور)    وزير الزراعة يهنئ البابا تواضروس بمناسبة عيد القيامة المجيد    العشري: مؤشرات اقتصادية إيجابية تعزز ثقة المستثمرين واستقرار السوق المصري    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تعلن التشغيل التجريبي لمجزر سوهاج العام    «سلاح آلي بلاستيك».. الأمن يكشف ملابسات فيديو استعراضي بالدقهلية    إصابة 10 أشخاص إثر حادث إنقلاب سيارة بالبحيرة    في ذكرى ميلاد عمر الشريف.. حكاية مسلسله الوحيد وفيلمه مع عادل إمام وتجربتين مع خالد النبوي    عمرو الليثي: شم النسيم مصدر إلهام للفن المصري وارتبطت به الأغاني فرحا بالربيع    محافظ أسيوط: ختام الليلة الكبيرة بالنخيلة يؤكد نجاح مسرح المواجهة في نشر الوعي    «الصحة» تعلن 12 إنجازآ نوعيآ في خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان خلال 3 شهور    عرفة الهواري: تكلفة زراعة القوقعة تتخطى حاجز المليون جنيه    القاهرة تحتضن بطولة العالم للرماية للناشئين وسط مشاركة دولية كبيرة    الكهرباء: الرئيس السيسي وجه بتسريع الوصول بنسبة الطاقة المتجددة ل 45% فى مزيج الطاقة لعام 2028 بدلا من 42% في 2030    تنوع حضاري وديني.. سر تحول «الفرما» في محطة مسار العائلة المقدسة    مصرع طفلة سقطت في ماكينة عجن داخل مخبز بالمنيا    هرمز أولا!    استعدادات قصوى بالإسماعيلية.. "الرعاية الصحية" ترفع درجة الطوارئ لتأمين احتفالات الربيع والقيامة    العبودية بين المراسم والجوهر    نشاط الرئيس الأسبوعي.. قرارات جمهورية وتكليفات قوية للحكومة ورسائل مهمة لرؤساء أمريكا وإسبانيا    معاريف: إسرائيل تضغط للحصول على مهلة أمريكية لضرب لبنان بقوة قبل التهدئة    وزيرة التنمية المحلية تتابع مع مجموعة المانع القابضة مستجدات إنشاء مصنع لإنتاج الوقود الحيوى    «الصحة»: تشغيل العناية المركزة للأطفال بمستشفى أبوتشت المركزي بسعة 6 أسرة    محافظ الإسكندرية يدعم مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير ويشيد بإدارته    هانيا الحمامي تلتقي نور الشربيني في نهائي مصري خالص ببطولة الجونة الدولية للإسكواش    سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه المصري خلال تعاملات اليوم    جامعة بنها تبدأ في إنشاء وحدات للجيم الخارجي داخل الحرم الجامعي    الصدق مع الله.. اللحظة التي تغير حياتك من الضياع إلى النور    وزيرا التخطيط والصناعة يبحثان تسريع ترفيق المناطق الصناعية    موعد صلاة الجمعة في المنيا اليوم 10 أبريل 2026    حمادة هلال: نجاح أغنية محمد نبينا ألهمني فكرة تقديم مسلسل يحمل اسم المداح    إسرائيل تقصف مواقع تابعة لحزب الله في لبنان    المنوفية تنظم اليوم العلمي ال31 لتعزيز الاستخدام الآمن لمضادات التجلط    رفع كفاءة أطباء وتمريض الأسنان بالمنوفية.. صور    أستاذ بجامعة الأزهر: لا يوجد حديث نبوي يتعارض مع آية قرآنية    CNN: ترامب يضغط للحصول على التزام من الناتو لتأمين مضيق هرمز خلال أيام    رئيس لجنة تحكيم البوكر العربية: رواية سعيد خطيبى تترك انطباعا مريرا    باسكال مشعلانى: لازم المجتمع الدولى يتدخل.. إسرائيل بتضرب الطلاب وهما فى المدارس    ختام مسابقة الأزهري الصغير في الإسكندرية وسط إشادة بتشجيع المواهب الناشئة    النوم عن صلاة الفجر: هل تجوز قضاؤها بعد شروق الشمس؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سليمان فياض: الكتَّاب المصريون هاجروا بأقلامهم منذ عهد عبدالناصر
نشر في القاهرة يوم 06 - 12 - 2011

سليمان فياض كاتب قصصي،متعدد الوجوه والأنشطة،فهو لغوي من طراز فريد،أعد القواميس في اللغة والنحو، ومن أوائل الذين مارسوا الكتابة الدرامية في الإذاعة والتليفزيون، وإعداد البرامج في الإذاعة، عمل صحفيا ومشرفا علي سلسلة "مختارات فصول"ونائبا لرئيس تحرير مجلة إبداع أيام المرحوم "عبدالقادر القط" والشاعر"أحمد عبدالمعطي حجازي"،عمل مدرسا في الصعيد والدلتا وتغرب في الخليج. فياض كاتب واقعي الرؤية ولا يشوبها الغموض،كتاباته يختلط فيها البساطة والصدق والسحرية وروح الفكاهة النابعة من الفهم العميق لسيكولوجية الواقع المصري،ولد في فبراير عام 1929 وبدأ الكتابة في منتصف الخمسينات،من أهم كتبه الإبداعية: أصوات ، والقرين..ولاأحد ،الشرنقة، وفاة عامل مطبعة، العيون، زمن الصمت والضباب،وبعدنا الطوفان، عطشان يا صبايا، وأحزان حزيران،الصورة والظل،وكتب سلسلة علماء العرب يخاطب بها الناشئة. ويعكف الآن علي استكمال تطوير مشروعه الثقافي في تطوير القواميس،حيث يعمل في مدخل جديد للغة العربية من خلال المعاني والمصادر، يطلق عليه "اللغة العربية المستعملة الآن". التقينا به فدار هذا الحوار. { تكتب القصة منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي. ونشرت مجموعتك القصصية الأولي «عطشان يا صبايا» عام 1961 واصلت الكتابة حتي أصدرت قسما من سيرتك الروائية "أيام مجاور" التي نشرتها روايات الهلال عام 2009 وعاصرت عدة أجيال من الكتَّاب وعرفت رؤاهم المتباينة ماالمنهج الذي اقتنعت به ومارسته في فن القص؟ - فلنستبدل كلمة المنهج هنا بكلمة أخري. هناك فقط توجهات وأمزجة في إبداعات الفنون والآداب، يتأثر فيها اللاحقون بالسابقين، ويكتشفون أنفسهم مع الممارسة لمواهبهم، فيختطون بالممارسة، وربما دون كثير تعمد، توجهات خاصة جديدة، لا تنفصل كثيرا عن توجه ما من التوجهات الأخري في الإبداعات القصصية، ولكنها قد تضيف بعض الطرائق الجديدة في الرؤي والتجارب ووسائل القص، لتصبح في مجموعها في النهاية بصمة لكاتب متفرد ذي مزاج خاص. وقد يعصف المبدع بمزاجه الإبداعي مرارا، مع تغير مراحل عمره، وتنوع تجاربه وتغير رؤاه، وتجدد ثقافته القصصية والمعرفية. ذلك يحدث دائما. ولنرجع إلي مسيرة أي كاتب في الإبداع. النقاد المتابعون يعرفون ذلك الأمر حتي أصبح من البديهيات. لكن بصفة عامة قصصي تنضوي تحت الواقعية النقدية ولكن بلا ضفاف أيديولوجبة. فكل تجربة تفرض لغتها ورؤيتها ولغتها ووسائل قصها وبنائها. { هل تيار الواقعية بروافدها صالحة لأغلب الأزمنة؟ - ليس هناك شيء عندي في الوجود غير الواقع أولا. المشكلة الإنسانبة هي في رؤية الإنسان للوقائع، وفرض تماهيات الرؤي الفكرية والفنية عليها. يقولون: إن كل التيارات النقدية والإبداعية خرجت من عباءة الرومانسية. في رأيي أن ذلك غير صحيح علي الإطلاق. كل التيارت الفكرية والفنية بما فيها الرومانسية خرجت من الواقع حتي الأساطير والخرافات، ولكن بتماهيات الرؤي البشرية، في شتي العصور والثقافات. ولا تزال محاذاة وموازاة الأعمال الإبداعية قصا وغير قص محاذية وموازية للواقع السيال والمتتابع بفوضاه البادبة. ما يجري في داخل الفرد والجماعة هو واقع خاص أو عام. وما يجري خارجهما هو واقع آخر. إنها فقط في الفن والأدب تجسدات لمنظورات شتي من التماهيات الإبداعية، يؤثر النقاد ومؤرخو الفنون والآداب تسميتها لمنحها تصنيفها أو لعزلها لتوصيفها في مدارس ومذاهب. { جل تجربتك الإبداعية في مجال القصة القصيرة، وحتي الرواية تكتبها بروح وتكنيك القصة القصيرة. بما تفسر تراجع القصة القصيرة في العقدين الأخيرين وشيوع ظاهرة الرواية والتي قد لا تكون بمستوي قصة قصيرة واحدة؟ - التفسير الأمثل قد يستطيع أن يجيبك عنه ناقد ذو نظرة شمولية، ورؤية متكاملة. لكن حسب اجتهادي وإذا لم يجانبني التوفيق، فالرواية أسهل الطرق للبناء القصصي، فالرواية تداخل بين قصص أفراد، وتداخل بين عدد من المواقف. وتداخل في الأحداث، وتداخل في العلاقات. وهي أمور من السهل ولوجها بالتنظبم لها، أو حتي بدون تنظيم، لزمن أو أحداث أو أماكن أو بدون أماكن. الولوج إلي ذلك في الرواية سهل لكل من يملك حكاية تحكي، كما تفعل تمثيليات السينما والإذاعة. القص القصير بالمقابل وحدة متكاملة فرص الكمال والاكتمال فيها ضئيلة. فثمة جودة تنشد أو تسقط القصة القصيرة أشلاء مروعة. الجيل الجديد في أدبنا جيل تليفزيونجي يجري وراء الحكاية. عين منه علي التليفزيون وعين علي الترجمة، وحسبه أن يفجر المواجع الموروثة أو المعاشة. قليل من هذه الروايات من ينجو من السقوط، ولا تتوقف تجاربها عند حدود المتعة والتسلية، وجماليات اللغة الانفعالية أو الخطابية، والرؤي الجاهزة والمبتورة الاكتمال. بين النوعين: القص القصير والقص المرحرح، تقف محاولات روائية تقف فيما يعرف في عصرنا بالقصص القصيرة الطويلة. تلك هي حدودي في أصوات والشرنقة والقرين والهجانة التي أحسب أنني أجيدها. وأنا مثل أستاذي يحيي حقي وهمينجواي أعشق الاقتصاد في لغة القص وبنية القص نفسها دو حشو. { ربما تكون من ضمن الكتَّاب الذين وقعوا أسري لشهرة العمل الواحد بروايتك: «أصوات» مثل يحيي حقي في روايته «قنديل أم هاشم» وصبري موسي في روايته «فساد الأمكنة» إلي أي حد ينطبق هذا القول؟ - إلي حد بعيد. حتي نجيب محفوظ وقع أسيرا بدوره لشهرة العمل الواحد. بثلاثيته «بين القصرين» وسعد مكاوي بروايته «السائرون نياما» وغيرهم وغيرهم. ثمة عمل جيد وصادق ما للكاتب السعيد الحظ يصبح معادلا لوجوده الإبداعي هم نفسه بين القراء والنقاد علي السواء، لأنه مس وترا عن الناس، وأزال القشرة عن جرح لا يندمل وصار قرحة. ذلك حق للناس، وشرف للكاتب، ولا ينفي مثل هذا العمل وجود أعمال أخري جيدة للكاتب، أقل حظا وشهرة بين الناس، وقد تكون أجود فنا. { لك قصة قصيرة طويلة هي «القرين» وهي تجربة فريدة في القص المصري والعربي. هي قصة حوار مع الذات واختلطت فيها عدة تجارب. كيف كان تلقيك لهذه القصة؟ وكيف كتبت؟ - هي أيضا قصة حوار مع مجتمع وتراث وثقافة شعبية، وتجسيد للصراعات الاجتماعية في نفوس الناس وبين الناس ومع بعضهم البعض. تلقيتها صباح يومي شتوي ربيعي كحام من أحلام اليقظة. كأنها ألقيت في الروع. وتلقيت مقطوعات تجاربها ومنَحي لغتها، وبنيتها وعناوينها الفرعية، وصوغ هذه العناوين، بالاستفهامات الكيفية، في نفس اللحظة، وأنا بالحمام الصباحي، وأنا أعد فنجان قهوة. نصف ساعة لا تزيد من التلقي، وعيالي لا يزالون نياما لم أوقظهم إلي مدرستهم بعد. وأنا في طريقي إلي كوبري الجامعة لركوب أوتوبيس إلي مدرستي. شعرت بالخيانة لنفسي و" لقريني". فإذا لم أكتب هذه القصة الهلامية الشاردة اليوم، بل الآن، فلن تكتب قط، ولن أجد روحها أو أستردها مرة أخري. عدت مسرعا إلي منضدة كتابتي الإبداعية بكازينو الجزيرة التي كتبت عليها معظم قصصي بعد قصص: عطشان يا صبايا. ودندنت لتسخين نفسي دندنات من أنفي وابتلعت قرص ريفو، وشربت فنجان قهوة، وانكفأت بقلمي علي ورقي مع العاشرة صباحا، ولا أظن أنني رفعت رأسي عن الورق، أو ذهبت إلي حمام، أو توقف قلمي عن الخربشة وصرير القلم, حتي الخامسة مساء مع شمس تغرب. عدة ما كتبته من صفحات ذلك النهار دون توقف خمس وثلاثون صفحة، كتبتها لأول مرة في حياتي دفعة واحدة في نهار واحد. لم أهتم بالأخطاء ولا المراجعة. كان همي أن أفرغ أصوات لغة قصتي الهامسة والزاعقة علي الورق كأنها تسجيل صوتي. في اليوم التالي ليلا في بيتي راجعت أخطائي كلها بكل أنواعها المحتملة. بيضت القرين وأرسلتها إلي الآداب لتنشر بالعدد الخاص بالقصة العربية بعد أسبوعين فقط في شهر مارس عام 1973 كان أول صوت أسمعه لقارئ مفتون بمغامرة القصة من يوسف إدريس ظهيرة يوم جمعة. الصوت الثاني كان للراحل فاروق عبدالقادر. قال لي: ما ذا تعرف عن الشر حتي تكتب عنه. ولم أقل له: لا يحسن القول عن الشر إلا من الخير. وقال لي القاص العراقي موسي كريدي وأنا في زيادة من زيارات المربد العراقية عام 1975 أنك تعاني انفصام الشخصية، ولم أقل له: إن العرب كلهم يعانون هذا الانفصام أفرادا وجماعات. العناوين الفرعية بالقرين احتذيت فيها عناوين شتاينبك في قصته الرائعة تورتيلافلات. { وصفك الناقد فاروق عبدالقادر في إحدي مقالاته بأنك حكاء القرية وفقيهها، لأن معظم إنتاجك من ريف الدلتا، منطلق من أنك ابن هذا الريف. في الماضي كان لهذا الريف خصوصيته وسحره. هل للريف الآن ذلك السحر الذي يسحر المبدعين فيكتبون عنه؟. - ما كتبته من تجارب الريف في قريتي كانت من تجارب عشتها في طفولتي وصباي في سنوات الثلاثينات. كان ريفاً زراعيا مستقرا مغلق المجتمعات الصغيرة تقريبا، كل يوم فيه هو كسابقه، يكرر نفسه مع المواسم والفصول وشروق الشمس وغروبها. ولم يكن لذلك أي سحر، فقد كان مليئا بالأحلام والأغاني الحزينة والفقر والمرض والجهل وبعض المسرات القليلة، والضحك الذي هو كالبكاء. السحر الريفي الذي كتب عنه الجيل الذي سيقني سحر مفتعل ربما بسبب تألقات الطبيعة في أوقات الليل والنهار. ولأنني واقعي الرؤية فجرت الحقائق وعريت النفوس وأنا أستعيدها بعين مثقف متسيس من داخل قريتي ومن داخل قريتين أخريين عشت بهما هما البداري بصعيد مصر والشعراء بدلتا مصر. قصص القرية كانت مسرحا من مسارحي. قصص المدن الصغري كانت مسرحا ثانيا. قصص بلدان عربية كانت مسرحا ثالثا. قصص الأزهر كانت مسرحا آخر. وأنا أتنقل بينها لا أكاد أجد مستقرا ولا دار إقامة. بحثي ورؤاي كلها كان مع القضايا الإنسانية والتجارب الواقعية في القري والمدائن حتي في شطحات القص ومغامراته. أحسب أن رؤاي لريف مضي زمنه، وتغيرت أماكنه اليوم، قلبت الرؤي كلها عند كل القصاصين منذ قصص عطشان ياصباي ووصولا إلي القرين وما بعدها، والجيل الجديد من أبناء الريف الذي تغير عليه أن يكمل المسيرة، فقد أصبح جيلنا كإبداعاتنا ماضيا، ومن حقنا أن نسلم الراية لمن بعدنا. صرنا ماضيا ككل ماض آخر. ذلك هو معني الزمن، ودورة النمو والتطور والارتقاء ولا يوجد ثمة من خلود لأحد من البشر، وأسماؤنا لا تزيد علي كونها حروفا بدلا من الأرقام. { لك تجربة عن الحياة الثقافية المصرية منذ الخمسينات. وهي تجربة فريدة تكشف كواليس الحياة الثقافية والذين شاركوا فيها من الكتَّاب والصحفيين. حدثنا عن هذه التجربة ومبرر كتابتها. - أنت تشير إلي تجارب كتاباتي القصصية كتاب النميمة، وهو من قصص الشخصيات والبيئة والظواهر الاجتماعية والثقافية في مصرنا المحروسة، وأنا بها متيم مفتون، ومن حقي تعرية كل عام وظاهرة في حياة شعب وأمة وبشفافية ودون تردد. نحن نتحدث في المقاهي والبيوت والأندية المدنية المتواضعة عن الظواهر والأحداث والناس ضاحكين مما يجري أو حزاني. كل الشفاهيات تندثر ونصبح كأنما شعب بلا ذاكرة. أزعم أننا نحن الكتَّاب ذاكرة الأمة، ونخون أمانتنا وعقل الأمة الجمعي، إذا لم نكتبها، إذا لم نسجنها في لوحة، أو لحن، أو مقطوعة شعرية، أو قصة، أو رواية. نحن نفعل ذلك مع كل شرائح المجتمع، فلماذا نستثني منها شرائح الصفوة، وظواهر الصفوة في السياسة والأدب والفن والإعلام والأسماء الحياة الشخصية، النم من وجهة النظر الدينية أو الاجتماعي؟ تلك كلها تعلات. فلنغير الأسماء حتي بصفات. أو بأسماء أخري. فلنجر بعض التعديلات في مجري ما يجري. الفن لا يحاكم أحدا. الفن يفعل ما هو أبعد. يعري أجسادا تكاد تكون بلا رءوس ولا ملامح. نقول للناس. اكتشفوا. انظروا. احذروا. انظروا إلي إنسانياتكم وحدها. لا تكرروا هذه المشينات. نحن الكتاب نشهد علي عصر في كل قصصنا، عن الرجل العادي والرجل ذي الياقة المنشاة. لماذا لا نشهد علي الرجل الصفوة بخيره وشره؟؟ { سافرت في بداية حياتك وعملت مدرسا في عدد من البلاد العربية، وأغلب جيلك هاجر بعد رحيل عبدالناصر في فترة السبعينات. ما تأثير هذه الغربة في إبداعك. ثم ما مدي تأثيرها علي الواقع الثقافي في مصر؟ - نحن كمثقفين هاجرنا بأقلامنا المبدعة في عهد عبدالناصر نفسه حتي صاح طه حسين عام 1959: لقد انتقلت عاصمة الثقافة العربي إلي بيروت. لم تكن أمام المثقفين في مصر سوي الهجرة بأقلامهم. لم يعد ثمة مكان في مصر لرجل صفوة ولا نخبة من أي جيل مخضرم حي أو حتي من جيل جديد، لم تعد هناك فرصة لمعارض ولا لحرية رأي، ولا حرية تعبير
عامة، إلا همسا وعلي المناضد المنعزلة. المطلوب من أي مثقف أو حتي إداري أن يكون أو لا من أهل الثقة أي تابعا. المجلة التي أعمل بها وهي مجلة رسمية حكومية تقريبا أغلقت صفحاتها إرضاء لملك دولة عربية، وعلاجا لمجرد خطأ فني سياسي غير مقصود. هددنا نحن العاملين بالمجلة بالاعتقال لو رفعنا قضية لمجرد المطالبة بحقوقنا الصحفية وفقا لقانون العمل الصحفي عام 1953 ظللت عاطلا عن العمل وقد تخرجت في الجامعة يعولني أهلي علي مضض. لذلك هاجرت لأعمل مدرسا ببلد عربي بأجر ضئيل لمتعاقد مع أنني صرت عضوا بنقابة الصحفيين بتاريخ 25/ 11/ 1958 ، وأنا في غربتي العربية أممت الصحافة، وقبل هذا التأميم وبعده كانت الرقابة التايعة لمصلحة الاستعلامات، وكان أعضاء مجالس الإدارة المنتدبون من قبل الثورة ورئاسة الثورة، التوجيهات السرية السياسية وغير السياسية بما يكتب وما لا يكتب. حين جاءني التعيين مدرسا بالصعيد قبلته علي الفور فرارا من غربة لم أستطع فيها أن أكتب حرفا. غرقت كتابتي هناك واصفرت مع رمال الصحراء أنا ابن الأرض والشجر وحياة الحضر المصرية في القري والمدن. خلعت عني كل صلة لي بالصحافة، وصرت مع التدريس كاتب "العشرة قاف" ببرامج الإذاعة. ولم أكتب من حياة الصحراء فيما بعد سوي أربع قصص بينها قصة لا أحد، ومن حياة الجبل سوي قصة: الحنين والجبل. رفضت مرارا كل العروض من يوسف السباعي وسعد الدين وهبة ليستقطب قلمي بوظيفة ثقافية لامعة اختارها ومعي أكثر من عشرين قصاصا من جيلي، آثرنا أعمالا وظيفية أخري لا صلة لها بالثقافة والإعلام، وآثرنا أعمال القطعة الإذاعية غالبا، وهي من تراحيل العمل الذهني، لجيل ضائع، ضائع حقا. الذين هاجروا من صفوة الستينات مع سنوات السبعينات كانوا من أتباع عهد مضي، وللعهد التالي أتباعه من صفوة آخرين في الظل نبذوا من قبل لعهد الماضي، مهاجرو صفوة السبعينات فرضوا شروطهم للعودة ليكونوا بدورهم من أتباع عهد ثالث أسميه عهد الموظفين والمنتفعين، أضيفوا إلي من قبلهم من أتباع العهد الثاني، وعن أتباع هذه العهود ومعارضيها وظواهرها رحت أكتب "نمائمي" منذ منتصف الثمانينات من قرن مضي إلي اليوم.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.