مدير تعليم جنوب الجيزة: دعم لذوي الهمم ومتابعة ميدانية لضبط العملية التعليمية    الثلاثاء.. سياحة وفنادق العاصمة تنظم الملتقى التوظيفي لخريجيها    جامعة العريش تعزز جسور التعاون مع محافظة شمال سيناء    أسعار الدواجن والبيض في منتصف تعاملات اليوم الثلاثاء    رفع 80 طنا من القمامة والمخلفات الصلبة ب 3 قرى بمركز سوهاج    تعاون مصرى يابانى لتطوير برامج «الكوزن» وإدخال تخصصات تكنولوجية متقدمة    البنك المركزي: 25.6 مليار دولار حصيلة تحويلات المصريين العاملين بالخارج    «أسوشيتد برس»: تغيير مسار «ترامب» بشأن استراتيجية مضيق هرمز يثير التساؤلات.. هل الولايات المتحدة مستعدة للحرب؟    كاتس: إسرائيل ستنشئ منطقة أمنية فى جنوب لبنان حتى زوال خطر حزب الله    المجلس الأوروبي: واشنطن شنت الحرب لأول مرة دون إبلاغنا    الزمالك يسيطر على التشكيل المثالي للكونفدرالية    مصر تستقبل أبطال العالم في الرماية استعدادا للمشاركة في بطولتين دوليتين    وفاة شخص دهسًا أسفل محور سمالوط في المنيا    الزراعة: ضبط أكثر من 4.3 طن من اللحوم والأسماك المخالفة فى عيد الفطر    استعدادات مكثفة لمواجهة سوء الأحوال الجوية فى البحيرة.. تفاصيل    براءة المتهم بالتحرش بفتاة أتوبيس المعادي ورفض الدعوى المدنية    أستاذ علاقات دولية: الصواريخ الإيرانية بدأت تلحق الأضرار بإسرائيل    تفاصيل خريطة حفلات فريق كاريوكي في أوروبا    ما حقيقة كراهة الزواج في شهر شوال؟.. الإفتاء توضح    أكلات ومشروبات تساعد فى تقوية العظام، تعرفي عليها    عاجل- وزير المالية: استمرار التسهيلات الضريبية والجمركية والعقارية لتخفيف الأعباء عن المواطنين    المجلس البلدى بمصراتة الليبية يدين حادث تفجير زاوية لتحفيظ القرآن الكريم    انفراجة للمدارس السودانية.. لقاء وزيري التعليم المصري والسوداني يفتح الباب لحل المشكلات.. لجنة مشتركة لوضع آليات تنهي أزمات الطلاب السودانيين.. والقاهرة تقدم خبراتها الفنية    رسميا.. الهلال يحتج على حكم مباراته مع نهضة بركان في دوري أبطال أفريقيا    وزير الخارجية يستقبل رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان    عصمت يجتمع بالنائب الأول لمدير المؤسسة الحكومية الروسية للطاقة الذرية "روسآتوم"    مباحثات قطرية فرنسية حول التعاون الدفاعي وتطورات المنطقة    تصنيف أفريقيا الأسبوعى.. الزمالك يصعد للوصافة وخروج الأهلى وبيراميدز    انضباط بالمترو والقطارات.. شرطة النقل تضبط 1000 قضية متنوعة    كيلو زيت الزيتون النقى ب300 جنيه.. أسعار الزيوت والسكر بالوادى الجديد اليوم    القومي للأمومة يحبط محاولة زواج طفلة بمحافظة سوهاج    اكتشاف دير أثري بوادي النطرون يعود للقرن الرابع الميلادي    فنانون ونقابة السنمائيين ينعون المخرج الراحل أحمد عاطف الدرة    فيلم "برشامة" يتصدر شباك التذاكر بإيرادات تجاوزت 17 مليون جنيه    وزارة التعليم تعلن انطلاق فرع جديد لمبادرة المدارس المصرية الألمانية    كرة السلة، الأهلي يواجه الاتصالات في أولى جولات نصف نهائي دوري السوبر    الزمالك يدرس السفر للجزائر بطيران عادى لتوفير النفقات    روديجير: لم أكن أستطيع اللعب دون المسكنات.. وتعافيت بشكل كامل حاليا    صحة قنا: إجراء 5930 عملية جراحية خلال 30 يومًا    2376 خدمة صحية أولية تعزز ثقة المواطنين في دمياط خلال عطلة العيد    الصحة: 4698 خدمة طبية مجانية عبر القوافل العلاجية ثانى وثالث أيام عيد الفطر    نقيب التمريض تشكر الأطقم التمريضية على جهودهما خلال عيد الفطر    خلال 4 أيام.. "العمل": 147 محضرًا لمخالفات الحد الأدنى للأجور وتشغيل عمالة أجنبية دون تراخيص    قضية جرينلاند تتصدر حملة الانتخابات المبكرة التي دعت لها رئيسة وزراء الدنمارك    نظام استثنائي لثمن نهائي دوري أبطال آسيا    بوميل: واجهنا الأهلي بطريقتنا.. وأشعلت حماس اللاعبين بين شوطي المباراة    ضبط 93 سلاحا ناريا و640 كيلو مخدرات خلال حملات أمنية    بيع عقود نفط ضخمة قبل تغريدة مفاوضات ترامب وإيران بدقائق    تموين الفيوم تشن حملة مكبرة على المخابز البلدية والسياحية    هل يجوز الجمع بين صيام السِّت من شوال وصيام القضاء الواجب؟ الأزهر يُجيب    البترول: كشف جديد لأباتشي يضيف 26 مليون قدم مكعب غاز و2700 برميل متكثفات يوميا    دموع "موسيقار الأجيال" خلف الأبواب المغلقة.. اللحظات الأخيرة في وداع عبد الحليم حافظ تهز القلوب    انفجار مصفاة نفط فى ولاية تكساس الأمريكية    زفة شعبية مهيبة ل300 حافظ للقرآن الكريم فى قرية سقارة بالجيزة.. فيديو    قرية سقارة تكافئ أوائل حفظة القرآن الكريم ب15 رحلة عمرة.. صور    مقتل 8 أشخاص على الأقل في تحطم طائرة عسكرية كولومبية    طارق الدسوقي: أعتذر للجمهور عن أي تقصير في «علي كلاي» .. وبذلنا قصارى جهدنا لإسعادكم    اليوم، استئناف الدراسة بالجامعات بعد انتهاء إجازة عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الكتابة النسائية واستعادة الطبقة روائيا
نشر في أخبار الأدب يوم 25 - 12 - 2010

من الراسخ في قناعاتي - ومن الممكن أن أكون خاطئا - أنه لا يوجد إبداع ينشأ من فراغ، أو أن كتابة ليس لها أسلاف وامتدادات في الزمن السابق، وبالتالي فإن نجيب محفوظ وهو الكاتب والروائي والمبدع العظيم في القرن العشرين، جاءت كتاباته الأولي متأثرة بالمناخ الفكري والسياسي والثقافي الذي عاش فيه، وكان أثر هذا المناخ يضرب بقوة في سطور روايات محفوظ، وبالتالي فإن الشكل الذي جاءت به الروايات التاريخية الأولي لمحفوظ، لابد أن تكون تأثرت بكتابات جورجي زيدان، وأن رواياته الاجتماعية التالية، لابد أن تكون استكمالا لعودة الروح لتوفيق الحكيم، وهذا من ناحية، أما الناحية الأخري فان الامتدادات الابداعية، والتي يكمل بعضها الآخر، أو أننا نلاحظ أثر السابق علي اللاحق موجوداً وراسخا، فإنها امتدادات ليست ميكانيكية، ولكنها امتدادات جدلية معقدة، وتحتاج - بالتأكيد - إلي دراسات فاحصة ودقيقة وعلمية، ولابد أن يلعب العنصر الاجتماعي دوراً في هذه الدراسات، فمثلا لو دققنا النظرفي قراءة القرية المصرية في الرواية، فلابد اننا سنلحظ أن قرية عبدالرحمن الشرقاوي، تختلف عن قرية عبدالحكيم قاسم ويوسف القعيد، وبالتالي ستكون قرية محمد ابراهيم طه والراحل فريد معوض مختلفة، فالتطورات الاجتماعية والثقافية تدخلت بقوة في صك طابعها القوي علي الكتابة الابداعية لكل جيل يتلو جيلا آخر.
ودون أن اطيل في المقدمة واستطرد، أود أن اطرق ما اقصده بوضوح،كن بصدد ظاهرة من ابداعية لغتتني في العقد الأخير وماسبقه قليلا، هذه الظاهرة تجلت في ظهور جيل نسائي قوي، تتحرك كل كاتبة بمفردها، لكنهن جميعا يحققن ما يشبه الانجاز المتشابه، أو المتقارب، ولا أريد أن أقول هذه هي الظاهرة الوحيدة، ولكنها ظاهرة ضمن ظواهر عديدة تجلت ونمت وتوسعت في مستهل الألفية الثالثة من الميلاد، وأزعم أن ظهور جيل من الكاتبات المصريات، وربما في العالم العربي، ليس إلا نتيجة طبيعة للحراك الاجتماعي والثقافي، ودعني أقول النضال الاجتماعي والسياسي والثقافي، حيث إن المفردات الجديدة، التي طغت مثل »الحراك، والناشط، والمساءلة إلخ«، بدلا من النضال، والثوري، والمقاومة، أفسدت مجالات كثيرة، أقول إن ظهور هذا الجيل من الكاتبات، تكمن خلفه نضالات تمتد الي عقود عديدة سابقة، منذ انجي افلاطون ولطيفة الزيات، مرورا بأروي صالح وسهام صبري، وانفجار الحركات السياسية والاجتماعية، بعد هزيمة 7691، وخروج الطلاب للمطالبة بمحاكمة المسئولين، ولم يكن نضال المرأة بأي حال من الأحوال، منفصلآً عن النضالات التي خاضتها المنظمات السرية، والجماعات الثقافية عموماً.
وكانت هناك ارهاصات إبداعية للمرأة منذ أن كتبت لطيفة الزيات روايتها الأولي »الباب المفتوح« ثم الرواية الرائعة والمجهولة والمهمشة - سنتناولها لاحقا - وهي رواية »الحب والصمت« للراحلة عنايات الزيات وأظن أن »الباب المفتوح - 0691« و»الحب والصمت« 7691، شكلتا مقدمتين كبيرتين، قامت عليهما - فيما بعد - كتابات أخري، واذ جاءت الروايتان في ظروف وملابسات مختلفة، لكنهما عبرا عن كاتبتيهما بشكل دقيق، مع اعتبار العنصر التخييلي والمجازي في الابداع.
اذن ظهور جيل من الكاتبات نتيجة شبه طبيعية، لمقدمات قوية تمتد في أزمنة قديمة منذ روايتي »الباب المفتوح« و»الحب والصمت«.. وعلي هامشهما تأتي روايات أخري مثل »بيت الطالبات« لفوزية مهران، و»يوميات امرأة مسترجلة« لسعاد زهير، وغيرهما من روايات.
اذن إذا كان هذا الظهور طبيعياً، فما الذي يلفت النظر في هذه الظاهرة بالنسبة لي - علي الأقل - وأبادر بالقول: إن هذه الظاهرة امتزجت بظاهرة أخري مصاحبة، وهي أن الكاتبات - بوعي أو بدوافع ذاتية - أردن أن يعدن النظر في الاشكال الاجتماعية التي نبتن منها، فذهبت كل كاتبة لتعيد انتاج تاريخ طبقتها التي انحدرت منها في شكل روائي أو قصصي، فمثلا سنلاحظ هذه الظاهرة موجودة بقوة عند سمية رمضان في مجموعتها القصصية »منازل القمر« وروايتها »أوراق النرجس«.. ونلاحظ أن قصص المجموعة تركز علي الطفولة التي عاشتها، وهناك حكاية عن رفض الطفلة المتشبع بعناصر التعالي التي تتفشي في طبقتها، وهذا يتبدي في أنها تتعاطف مع الخادمة، وتسلل خلفها، وتذهب معهما الي مسكنها، وكل هذا يحدث بعيداً عن رقابة الأهل، أو بالأخص الوالدة، وهناك علي مدي قصص المجموعة، ينشأ صراع بين البطلة في مختلف صورها، وبين القيم التي تبثها الأسرة في روحها، ولكننا سنلحط تطوراً ما للكاتبة حدث في روايتها »أوراق النرجس«.. وسنلاحظ أن بطلة الرواية، التي تلقت تعليمها العالي خارج مصر، تسرد وقائع حياتها - عموما - من خلال عين الطبقة، من خلال العين الممتزجة، وليس العين المتمردة، أو الرافضة أو التي تنتقد، هناك شيء ما حدث في المسافة الزمنية بين كتابة »منازل القمر«، و»أوراق النرجس« وكأن الكاتبة تريد استعادة روح الطبقة في روايتها، ولا أريد التوقف عند ابداعات سمية رمضان، لكن هناك - أيضا - الكاتبة ميرال الطحاوي، والتي راحت تستعيد الإرث الاجتماعي لطبقتها، وسلوكيات هذه الطبقة، وتفاصيل الابعاد الاثنية التي تزدوج مع هذا البعد الاجتماعي، لكون هذه الطبقة تنتمي لقبائل البدو. لم تستعد ميرال تفاصيل حياة طبقتها، إلا لتتمرد عليها أحيانا، وتستعرض بمظاهر ازدهارها في أحيان أخري، اذن فاستدعاء مظاهر الطبقة في السرد الروائي عند ميرال وغيرها،
لم يكن فقط للتمرد عليها، ولكن - أيضا - لانشاء تاريخ روائي وحكائي لهذه المظاهر، ولتشييد أساطير صغيرة أحاطت بالشخصية/ البطلة، بالطبع أنا لا انزلقإ إلي محاولات ربط سيرة البطلة في روايات ميرال بالسيرة الشخصية لميرال ذاتها، وهذا ينطبق علي الكاتبات الأخريات، ولكن هناك تداخل واضح وعميق وصريح ما بين التشييد الفني والسردي والمجازي، الذي يتشكل في عمل روائي، وبين بعض التصريحات التي تدلي بها الكاتبات في حوارات صحفية، أو شهادات ألقيت هنا أو هناك، ولكن محاولات البحث عن تطابق بين ما هو متخيل سردي، وبين ما هو شخصي وواقعي، محاولات تنتمي إلي عالم النميمة، والتشفي، فالبحث عن فضائح تملأ الفراغ النقدي والثقافي، لا يتجاوز البحث عن قضية مثيرة لاحداث شبهات المجازي والواقعي، وهذا لايدخل في مساحة النقد، ولكن هذا التداخل ما هو الا تداخل ابداعي وفني، وهناك بالتأكيد استفادة قوية من ناحية الكاتبة، من عالمها الذي عاشته، هذا العالم الذي تجيد الكتابة عنه، فلا يمكن أن نجد كاتبة عاشت حياة اجتماعية بائسة، تتحدث عن صفات طبقة عليا، وهذا - مثلا - يتبدي عند ثابتة مثل الراحلة نعمات البحيري، والتي عكست مفردات طفولتها وصباها في قصصها القصيرة، واستدعت تفاصيل حي العباسية الذي كانت تعيش فيه، بكل تفاصيله المزعجة، والفادحة، ورصدت التدني الطبقي الذي شاهدته وعاشته الطفلة من خلال قصص مثل أطباق صغيرة، أو العاشقون، وغيرها من قصص، وعلي عكس الكاتبات اللاتي يفخرن بمظاهر طبقاتهن، وإن كن يتمردن عليها، نجد أن نعمات البحيري تلعن الصفات التي ظهرت بها شخصيات قصصها.
أيضا هناك نورا أمين في روايتها » الوفاة الثانية لرجل الساعات « تستعيد تفاصيل الطبقة بوضوح تام، لا يحتاج إلي لف ودوران، فالأب المقاول والذي كان يمتلك سيارة صغيرة، عندما اصابه الثراء رفع شعارا يبدو وكأنه عقيدة.. وهو: »لابد من خيانة«.. واقتني سيارة مرسيدس، وحدث الصعود الطبقي، والذي تقوض بعد ذلك، وانهار، وهذه الرواية ما هي الا مرثية حزينة للطبقة، رغم كل ما كانت تتمتع به الطفلة البغلة من نعيم وهناء.
كذلك روايتا »دنيا زاد« و»هليوبليس« لمي التلمساني، ولا تكتفي التلمساني فيهما استعراض صعود وهبوط الطبقة، بل انها تستعرض الثقافة العريضة والمتعددة الاشكال التي عاشتها »ميكي« وبالتالي تستعرض - في هليوبليس - تاريخ المدينة، منذ نشأتها الاسطورية، فتكتب - مثلا - »الهة هليوبوليس التسعة علي رأسهم آتوم الخالق، شمس الليل يعني اسمه الكمال والعدم والذي تقول عنه البردية: »هكذا تكلم رب الكون« : عندما تجليت علي الوجود، وجد الوجود، خلقت ماشئت في هذا العالم، وتحددت فيه وعقدت يدي، وحدي، قبل أن تولد الألهة«.. وفي ذات الوقت تستدعي ميكي أو المؤلفة بعض الكتب التي كانت تقرأها في مختلف تطوراتها العمرية، و تستدعي جميع الاشكال الفلكلورية التي تحيط بالطفلة من أغاني وأناشيد وأفكار وحكايات، ربما كانت أشكال استدعاء الثقافة عند مي في روايتها هليوبوليس، معوقة أحياناً لمتابعة السرد، أو شكلت بعض العبء علي البناء الروائي، لكننا لا نستبعد الاصرار علي حشد مفردات ومظاهر وتفاصيل تاريخ الطبقة، وبشكل مع سبق الاصرار والترصد، والذي يأتي أحيانا رغم أنف التداعي العفوي للفن، وهنا نستطيع أن تقول، أن الفعل الابداعي - أحيانا - يبدو وكأنه فعل ثقافي خطط له الكاتب/ الكاتبة، ليقول ويعلن ويبحث ويسرد ويعيد بوعي مسبق كل ما يريد قوله في الحياة، وهذا ما سنلاحظه في رواية: »مقعد أخير لقاعة ايوارث« للكاتبة مي خالد، والتي تستعيد حكايات مدرستها الانجليزية، والتي تقع في حي مصر الجديدة الارستقراطي، وتبرز مي أو الناشر في التعريف بها انها خريجة كلية الاعلام - الجامعة الامريكية، وانها مذيعة بالبرامج الانجليزية الموجهة، وتعمل في ترجمة وتمصير الاعمال الدرامية التليفزيونية.
تستدعي مي خالد قصص المدرسة الانجليزية، وقصص المدرسات اللاتي في المدرسة، ويبدو من الاسماء التي للشخصيات أن هناك اختلافا واضحا بينها وبين الأسماء التي تنتمي لطبقات أخري، فاسم البطلة »موني« مختلفعما كان عند مي التلمساني »ميكي« وبالطبع فالبطلة تحكي وتسرد أشكال الثقافة، فالمدرسة »بها فريق مسرح، هذا الفريق يمثل مسرحيات ما كبث وهاملت لوليم شكسبير، وموني تستعرض ثقافتها الغنائية والفنية عموما.. في »السينما الصيفي تشاهد فيلمين دفعة واحدة.. الاول امريكي في الغالب، والثاني قد يكون شديد المحلية«، ثم: »في فصل »اللغة الانجليزية تتوسط مقعدها الخشبي في مواجهة موني« تجسد طفولي يؤكده ال: »تي شيرت« المعلم والشورت الاحمر الذي يجاوز الركبة بقليل، تتلافي عيونهما فيتبادلان تحية الرأس وابتسامة تآلف يسمونها في القرب
CHEMISTRY
هذا ما كان في المدرسة الانجليزية، أما ما حدث في الجامعة الامريكية، فيكاد يكون انعكاسا لحياة واقعية محض، وهذا ما لم تصرح به الكاتبة، ولكن يبدو من الاشارات الواقعية والتوثيقية في ثنايا السرد.
لا اريد أن استعرض روايات كثيرة عبرت عن محاولات تشييد أمجاد شبه غابرة أو زائلة للطبقات، حتي لا يشي حديثي بانه قراءة اجتماعية محضة، لكن اشير الي روايات أخري مثل رواية »وراء الفردوس« لمنصورة عزالدين، وان كانت الرواية لا تبحر في تعميق البعد الذاتي علي حساب الموضوعي، أو الثقافي علي حساب السرد، فمنصورة استطاعت أن توازن بدقة بين الشخصيات والاحداث والمظاهر المصاحبة لهما، وإن بدا العالم -أيضا - مرتبة مؤلمة لطبقة انهارت قل مقدراتها، كذلك ستلاحظ أن سحر الموجي في »روايتها دارية« تستعيد تاريخ بطلتها الشخصي، محاطا بمظاهر اجتماعية مقصودة.
وهناك بالطبع روايات ساذجة ظهرت في هذا المجال، روايات لم تتقن سوي الاستعراض، والزهو الكاذب والمزيف، وهذا ليس بحالة حديثنا.
وكما اسلفت القول، لا اريد أن اطابق بين ما هو مجازي وتخييلي، وبين ما هو واقعي وذاتي، وليس من الضروري مطابقة ما هو مطروح في الروايات السالفة الذكر، بالواقع الموضوعي، فمن الطبيعي أن تكون أشكالا تخييلية متفاوتة وزائدة عن الحاجة.
وأزعم أن ظهور هذه الكتابات له علاقة بأشكال الخلل الاجتماعي التي حدثت في مصر، وأن الطبقة الوسطي أصبحت في خبر كان، وفقدت جميع أنواع سيطرتها، فاستدعي هذا الانهيار محاولات وصفها وخلق مجازات سردية لتشييدها وربما اسطرتها من جديد، وربما جاءت هذه السرديات علي شكل مراث تنضح بالأسي، والتمرد، واذ انها لم تصبح هذه الطبقة والانتماء اليها منتجا للسعادة.
علي الطرف الآخر ظهرت كتابات تسجل وقائع عالم آخر، ولكنه عالم يشي بالمقاومة، أو التثبث بالحياة من خلال مفردات صغيرة، هكذا كانت رواية »نبيذ أحمر« للكاتبة أمينة زيدان، عالم يعيش في ظل حرب ومقاومة واستبسال ونضال يكاد يكون عبثيا في بعض الاحيان، أمينة ترصد حياة عاشتها، ورافقت فيها السلبي والايجابي، والصالح والطالح، عالم تتجاوز فيه كل اشكال الموت والحياة، والبناء والخراب، عالم يدمر نفسه من خلال أشخاص شبه شياطين يعيشون في ظل منظومات طبقية قاسية وضاغطة.
ايضا رواية صفاء عبدالمنعم »من حلاوة الروح« ترصد صفاء عوالم بائسة، ومنهارة بطبعها، أي انها لمسة تعيش قمما غابرة ثم انهارت، ولكن هذه العوالم تعيش الانهيار منذ ولادتها، لذلك جاءت كل تجلياتها الفوقية متدنية ومنحطة ورديئة، هناك ادانة للواقع، وشجب له، وتفتيت له، فالكاتبة لا تريد أن تخلق أسطورة موازية، بقدر ما تسعي لوصف التشوه الذي عاشته هذه العوالم، تحت ضغوط طبقية واجتماعية وضيعة، وبالتالي ثقافتها صغر.
بين هذين النوعين من الكتابة تقف كتابة هويدا صالح وابتهال سالم وهالة البدري بين بين، لا توجد هناك محاولات لاستدعاءات مظاهر الطبقة بقدر ما تستدعي الاحداث والشخصيات، والبناء الدرامي للعمل، ففي روايات عشق البنات لهويدا صالح تنحو الكاتبة لسرد وقائع اجتماعية لنساء عطشي لأشكال حياة مفتقدة، الحب، الجنس، الاستقرار، ومن خلال اشكال هذا الفقد تقوم وقائع ذات البطلة، أو البطلات الاخري، وتستمر لعشق البنات أن ابطالها عديدات لذلك لم تكن هناك شهوة التركيز علي اسطرة بطلة وحيدة حتي لا نربط بينها وبين الكاتبة، ولكن الرواية تؤكد علي فكرة أساسية تتعلق بالمرأة عموما، وأشكال الفقد الذي تتعرض له في الحياة عموما.
هذه قراءة متعجلة وسريعة، لا تعدو أن تكون اشارات، وتلميحات لمشهد روائي نسائي زاخر وعميق، مشهد روائي نسائي لم يوضع حتي الآن تحت الدرس النقدي الفاحص، والتعامل معه بتأن ربما لأ ننا مازلنا نعيشه ونشهده، وربما لأنه مازال يتكون وينمو ويتزاحم ويتنوع.
شعبان يوسف


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.